«درّاق» ناصر الغيلاني و«كرز» أحمد البلوشي
07 سبتمبر 2026
07 سبتمبر 2026
وظَّفت القصيدة الشعرية الحديثة معاني الطبيعة في دلالاتها الشعرية، واستلهمت من دلالاتها صوراً حيّة في التركيب الشعري، فكان للبحر وثورته وألوانه الهاجس الكبير في تحريك صورة الشعر عند الشعراء، كذلك الأشجار في سكونها وخضرتها حاضرة بما يقابله الوجدان الشعري لحظة التأمل.
في هذه المقالة أستحضر قصيدتين لشاعرين شعبيين عُمانيين اشتغلا على دلالات موجهة في المعنى تستمدُّ من الطبيعة وثمارها أداة للتصوير الشعري، وهما قصيدتا «درّاق» للشاعر ناصر الغيلاني، وقصيدة «الكرز» للشاعر أحمد البلوشي، إذ وردت لفظة عنوان النص الأول بصيغة التذكير، فيما وردت الثانية بصيغة التعريف.
قدّم الشاعر ناصر الغيلاني قصيدته «درّاق»، وهي القصيدة الفائزة بالمركز الثاني في مسابقة الملتقى الأدبي للشعر الشعبي لعام 2003 بمحافظة البريمي، باشتغال متعدّد المضامين، فجعل من القصيدة مجموعة أفكار يحركّها داخل الأبيات الشعرية. يبدأ الشاعر بصيغة المتكلم مستخدماً من تاء المتكلم تعبيراً ممتزجاً بين الواقع والتأويل. تنفتح القصيدة في أولها على بوابة الحلم الذي يستحضره الشاعر موزّعا نفسه بين الماضي والحاضر، يقول:
نسجت الحلم وأيامي عجاف وواقعي وهمي
تعبت وهالسنين المورفة بظلال اضدادي
ينادوني محبيني تصبر علها تهمي....
سحايب ما وفي عارض وعدها إرث اجدادي
سنين اتخيل اللقيا بروق ويصدق الوسمي
يطل الحلم مستانس على شرفات ميعادي
كأن الحلم عذري في خدرها والزمن (نشمي)
يذود، يذود (رجعي) بالفكر يستأصل عنادي
إنّ لهذه المراوحة بين الماضي والحاضر أثرا في توزّع الذاكرة وتمزّقها الذي معها يجعل من نفسه حارساً للقيم والمثل في القديم.
إذن يتلاعب الشاعر باللغة في عملية المراوحة، فيجعل من الذاكرة حسرة وشتاتا على ما يقابلها من واقع أليم:
رجعت وذبلت حروف العزم من ذاكرة اسمي
تساقطها الأمل مثل الورق بكفوف جلادي
رجعت يسومني رجز التخاذل ساءني حلمي
بأني من بني الأمجاد (كان) وراحت امجادي
حسافة تزرع الهيجا.. يديني وينتشي عزمي
وصحبي يكسرون فروع مجدي وتعثر جيادي
دوى صوت المنابر والحمام اللي على علمي
أفل جناح للظلمى بعيد ولا بقى شادي
تتحول القصيدة فجأة من اشتغالها الذاتي إلى الاشتغال على موضوع الفخر، ثم الموضوع الإنساني ليتخذ الشاعر من الدرّاق/ الريناد، رائحة تتوزع في الذاكرة وتحيل على قضية إنسانية، وكأن الشاعر في تحولات خطابه الشعري ينطلق من الذات/ الخاص إلى الآخر/ العموم، من الفردية إلى القومية.
وهذا الفخر لا يقابله إلا بالحديث عن القدس الشريف الذي هو مرآة للصراع الداخلي للعربي والعروبة.
نجد الشاعر يهتم بموضوع العروبة وفلسطين ويربطها بالدرّاق أو الرائحة الزكية وكأنها رائحة لا تحيل إلى على الحق والارتباط المكاني:
أنا كف الحجارة لو عظيم الجرح بي يدمي
بأفعالي تندى ثوب جهدي وجبهة اندادي أنا صرح تسامى لو سعى هالكون في هدمي
سما الأمجاد في كفي يقين وقبلة احفادي
هنا (الدرّاق) يورق في بساتيني على رسمي
وبرزخ هالوفا ما بيني وما بين (رينادي)
هنا أرضي ونبضي غايتي في حربي وسلمي
هنا (لقدس الشريف) وتذكرة موتي وميلادي
وإذا كان (درّاق) الغيلاني انتقل بنا من الذات إلى الآخر العربي، فإنّ أحمد البلوشي قدّم لنا في قصيدته (الكرز) لوحة رومانسية شفّافة، امتزج فيها المشهد الوصفي مع الجمال العذب. وهي قصيدة منشورة في مجموعته الشعرية (حكاية الكرز) الصادرة عام 2007م.
تُدخلنا القصيدة الشعرية في خطاب الأنثى مسترجعة الغياب الكائن من الحبيبة، ومستخدمة لغة رومانسية عذبة تتوسع معها المعاني الشعرية. كما يستخدم البلوشي في قصيدته التراكيب الشعرية العاطفية القائمة على التشبيه وتوليد الصور، والتي قدّمت رونقاً للألفاظ.
لقد استطاع البلوشي أن يجعل من الأنثى صورة منيرة يتباهى بها داخل القصيدة.
لقد تنامى الاستخدام اللغوي مشكلاً صورة حية للحبيبة: (البدر لما يفتح الشباك يخجل، وعرس الليل آية في حضورك صار أجمل، وأرسمك وجه الكرز برقته والوقت يثمل).
تتشكل القصيدة في جماليتها في أبيات شعرية محدودة، تبلغ سبعة أبيات شعرية، لكنها في امتداد حضورها اللغوي تتمدَّد مُشكّلة رؤية جمالية ينطلق منها في التعبير عن الأنثى، إذ إنّ صورة الأنثى تبلغ حد التماهي مع الذات؛ إذ استطاع البلوشي صنع صوره من الكون الفسيح وجماليات الطبيعة كـ: (الصبح، والسماء، والبدر، والليل، والكرز) مُشكّلاً منها لغة تتناسب وجمال العيون، والعروق، والنبض، والذوق، والخجل، والحسن، والقلب، والشوق، والبسمة واللحن، والخفوق، والوجه، والشفاه، والحنين).
إنه ليس بناء جمالياً قائماً في القصيدة وحسب، بل هو امتزاج دلالات، وثورة ألوان، وجمال يشتغل عليها البلوشي بدقة:
ليه ما أرقى في عيونك لا انتشى صبحي وتجمّل
ليه ما أرسم من صفاتك خطوة داخل عروقي
ليه وانتي في سمايه تسكني نبض تحوّل
في سماك اللي كتبك بكلمتين بوجه ذوقي
كان حتى البدر لما يفتح الشباك يخجل
كان يدري لو تبسم حسنك بقلبي يفوقي
كان عرس الليل آية في حضورك صار أجمل
والصبح لا من تنفس يحتضن أطفال شوقي
أرسمك بسمة صباحي لحن من لوحات تشمل
عنفوان الشوق تحكي حبرها داخل خفوقي
أرسمك وجه الكرز برقته والوقت يثمل
من شفاتك لا تساقطي حنين فيني يروقي
وليه ما أرقى في عيونك لا انتشى حرفي وتجمّل
من غلاتك أكتبك إبخطوة داخل عروقي
يجعل البلوشي من ألوان الكرز دلالة وقتية تحيله على ذاكرة رومانسية فائتة، كما جعل الغيلاني من رائحة الدرّاق ذاكرة ممزقة تحيل على الصراع مع الذات والآخر.
وبين رومانسية الكلمة وبين واقعية المعنى تنسج القصيدتان رؤيتهما الشعرية الإحساس بفجائعية الواقع، وصدمة الموقف ومآزقه تتخذ من القصيدة شكلاً للتوزع بين زمنين مختلفين.
زمن الذات المنفتح على القيم وزمن الصراع الحاصل من غيابه وفقدانه في قصيدة (درّاق)، وزمن الغياب والذاكرة الأولى التي تسترجع الماضي بكل تفاصيله، وزمن العودة إلى ذلك الماضي مستحضراً الصورة التي يرغب في حدوثها داخل قصيدة (الكرز). إذن فالقصيدتان شكلٌ من أشكال الصراع الزمني، شكّلتهما رؤية شاعرين اطلعا على المشهد الشعري فعملا على بناء نصوص شعرية تمزج بين الواقع والتخيل.
