النعي وحده لا يكفي لإنصاف البشر !
نقرأ أحيانا في صحفنا المحلية على صدر إحدى صفحاتها بين فترة وأخرى نعي لشخص كان ذا قيمة إنسانية أو منزلة علمية أو اجتماعية، وهذا النعي قد يكون بمثابة تعريف للآخرين برحيل مثل هذه الشخصيات البارزة في المجتمع، لكن ما أن ينشر ذلك النعي حتى ينشر غيره، وهكذا تدور طاحونة الغياب بين الناس.
والسؤال: "هل النعي وحده يكفي لتخليد ذكراهم وأعمالهم في المجتمع"؟.. في نظري "لا"، فالذي يرحل جسدا نحو ثرى الأرض يُنسى مع الوقت بسهولة، لكن الشيء الذي لا يغيب عن ذاكرة الناس "بسهولة" رغم قناعة البشر بفلسفة الفناء، أنها دوما "أعمالهم الطيبة ومواقفهم الحميدة وسخائهم اللا محدود مع الآخرين" هي من تذكرنا بهم وبما صنعوه لنا ولغيرنا.
في بعض العائلات، إذا مات صاحب "يد بيضاء"، أول ما يدور في خلد الورثة، كيف يمكنهم قطع الخير الذي كان ينفقه في حياته!، لهذا تنبه بعض الأخيار من الناس لهذه النقطة في حياتهم، وعملوا على جعل بعض ممتلكاتهم "وقفا لله"، بحيث لا تدخل ضمن الأشياء التي تورث بعد وفاته.
هكذا كانت ولا تزال قناعتي بأن النعي وحده لا يكفي لغلق صفحة حياة، أو نهاية مطاف عبر بسخاء لوجه الله تعالى، وكان من الواجب على الورثة أن يواصلوا ما بدأه أباهم أو كبيرهم من خير، أيضا عليهم أن يتدبروا بعضا من مآثر الخير والعطاء التي قدمها من فقدوا وجوده بينهم.
بعض الناس قد لا ينتبه إلى استمرارية ما يقوم به في حياته، ربما قد لا يخطر في ذهنه أن عطاءه في أوجه الخير قد ينقطع بمجرد رحيله عن الدنيا، وبعض الناس وإن كان طيبا فإنه يوكل مهمة ما بعد رحيله إلى ورثته على اعتبار بأنه قد صنع شيئا مفيدا للناس، يسأل الله أن يثيبه عليه في ميزان الحسنات.
ففي السنة الشريفة حديث شريف يفسر لنا استدامة الخير بعد الموت، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلا مِن ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"؛ رواه مسلم.
بمجرد سماع نبأ موت الشخصيات الطيبة يبدأ الحوار يأخذ مسلكه في طرق أبواب الوجع، كنت أقول بأن الخبر اليتيم لبعض الشخصيات العظيمة لا يكفيه ذكره لمرة واحدة وفي سياق محدود، حتى إن الكثير من الناس ينساه بعد دقائق، وكأن حياة كاملة من العطاء تغلق أبوابها، وتمحى من ذاكرة الناس!
نقرأ أحيانا "خبرا صغيرا"، في قاع إحدى أعمدة الصحف عن رحيل شخصيات كانت من قائمة الأشخاص الذين يسمون بـ"صناع السعادة" للآخرين، هذا الخبر وإن كان لا يهم الكثيرين، لكنه كفيل بأن يصهر باشتعاله المفاجئ قضبان قطار العمر الذي يسير عليه البشر نحو النهاية والأثر الطيب الذي يترك بعد الموت.
بعض الشخصيات التي نسمع برحيلها تجعلنا في صدمة نفسية، ليس لخبر رحيلها ولكن لحجم الفقد الذي ستتركه بعد هذا العطاء المتواصل في ميادين الخير ومساعدة المحتاجين والوقوف إلى جانب الضعفاء نفسيا وماديا.
في الشدة.. كل الأشياء من حولنا تبدو في صور مختلفة عن السابق، ولكن الوجع هو من يضمها دفعة واحدة في صدورنا، عند لحظة الفقد، يتلبسنا الحزن بعباءته السوداء ويبقى مشوار العطاء مخفوفا بنظرة البقاء أو الاختفاء كصاحبها عن الدنيا.
في كل مناسبة أو حدث مؤلم، نسأل أنفسنا: لماذا ينهش الغياب قلوبنا بعد غياب الأبرار من الناس؟ ولماذا يستل الحزن معوله من غمد الوجع، فيجرف كل أراضينا الخضراء؟ ولماذا بتنا نهاب هبوب رياح الفقد من بعض الشخصيات المهمة في حياة الناس؟
لم تعد البشرية مستثناة من ميلاد وأوجاع لحظية، فالموت طريق كل حي، في الصباح تقرأ نعي شخصية عرفناها ولم نرها مطلقا في حياتنا، أعمالهم في ميدان الخير والعطاء واضحة، لذا سماع نبأ رحيلهم يجعلك تغوص في لج من الحزن والترحم والدعاء لهم بالرحمة والمغفرة.
