No Image
ثقافة

ساعة ونصف مع الوطن النظيف

02 سبتمبر 2026
02 سبتمبر 2026

يخبرنا تاريخ الطب في فلسطين قبل النكبة عن واقع طبي مشرّف ومميّز، فقد عُقد في حيفا أول مؤتمر للأطباء العرب في فلسطين عام 1933، بحضور 27 طبيبًا فلسطينيًا، وكان محور النقاش مستقبل الطب في فلسطين، وقد تم تأسيس الجمعية الطبية العربية الفلسطينية عام 1944، وكانت جزءًا من محاولة بناء هوية طبية فلسطينية مستقلة، وقد شهدت فلسطين وجود مشافٍ عربية فلسطينية في القدس وحيفا ويافا، أشهرها مشفى الدجاني الشهير، أداره الجراح الفلسطيني الشهير فؤاد إسماعيل الدجاني، وكان يضم 50 سريرًا، وقد احتوى على خدمات وأقسام طبية متخصصة، وكان مفتوحًا للفقراء مجانًا، وقد ساهم هذا المشفى الشهير في إنقاذ الآلاف من جرحى الثورات الفلسطينية المتعاقبة.

ومن عقد الأربعينيات من القرن الماضي تواصل الطب الفلسطيني في تفوقه وانتمائه للجرح الفلسطيني والفقراء.

فمن ينسى الاختراق الطبي الذي حققه البروفيسور الفلسطيني سليم الحاج يحيى عبر نجاحه قبل عدة سنوات بزراعة أول قلب صناعي لمريض من فلسطين؟ ما زلت أتذكر الاحتفالات في فلسطين وفي كليات الطب في الجامعات الفلسطينية، وتحديدًا في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، ما زلت أتذكر لحظة حمل البروفيسور على أكتاف الطلاب والتجوال به في أروقة الكلية.

التقيت بالبروفيسور الفلسطيني سليم الحاج يحيى في مكتبه بعمادة طب جامعة الخليل، ساعة ونصف مع الفلاح المثقف ابن قرية الطيبة في الداخل الفلسطيني.

آخر لقاء معه كان في مشفى جامعة أخرى في الشمال، عام 2018، المشفى الذي كان ينام فيه على سرير بسيط، داخل مكتبه، والذي أنقذ فيه مئات الحالات الحرجة في القلب والشرايين، والذي زرع فيه أول قلب صناعي في فلسطين، وهي العملية التي جعلت الفلسطينيين يتدفقون عليه بحثًا عن علاج لمشاكل قلوبهم وشرايينهم وصماماتهم.

لم يتغير في البروفيسور شيء، منذ قابلته قبل سنوات، نفس طيب قلب العينين، والهدوء في النقاش، والصدق في سرد الأحداث، والحديث عن حق الفلسطيني الفقير في التعلم، والثقة في كفاءات الإنسان الفلسطيني، نفس الإحساس بالألفة الذي يمنحه للجالس قبالته، والأهم من كل ذلك نفس إصراره على خدمة البلد، طبيًا وإنسانيًا، عبر مشاريع متجددة في مواقع جديدة.

الجلوس مع البروفيسور ليس كأي جلوس مع أي شخص، أنت تجلس مع وطن نظيف، ذلك الذي نحلم به جميعًا، حيث المنصب لا يشغله سوى من يستحقه، وحيث الشفافية والنزاهة والتضحية بالمصالح الشخصية لصالح الناس البسطاء، وحيث الرجل منتمٍ دون ضجيج إلى البلد لمصلحة البلد دون مصالح شخصية أو شعارات، ودون رغبة في استعراض أو ظهور، ودون استخدام شهرته وموقعه في الحصول على امتيازات هنا وهناك، كما يحدث في بلادنا كثيرًا.

قال البروفيسور، ردًا على سؤالي: من أين أتيت بكل هذا الصبر وهذه الثقة؟ «عبارة واحدة قالها لي والدي، رحمه الله، حوّلت حياتي: اعمل خيرًا يا ابني وارمِ في البحر. لن أنسى أسماء من وقف معي ودعمني وواصل الاتصال بي حتى الآن، لكني نسيت من أساء لي، وهم كثر، وجزء منهم من كان حولي، يدّعي صداقتي ودعمي».

البروفيسور حاصل عام 2017 على أعلى رتبة أكاديمية في بريطانيا من جامعة بريستول، وهو أول جراح قلب يحصل على هذه الرتبة من خارج الجامعة. وقد أدى دورًا مهمًا في مستشفيات برومبتون وهيرفيلد الملكية في تطوير برنامج قصور القلب، وبرنامج القلب الاصطناعي، وبرنامج زراعة الرئة، والتبرّع بالأعضاء.

وقد انخرط البروفيسور حاج يحيى في العمل البحثي، منتجًا العشرات من المنشورات، وأكثر من 60 بحثًا كاملًا.

كما أشرف على تنفيذ العديد من المشاريع البحثية في مجال قصور القلب والدعم الميكانيكي، بالإضافة إلى عمله مستشارًا أعلى لوزارة الصحة البريطانية في مجال التبرّع وزراعة الأعضاء.

وقد مُنح لاحقًا زمالة خاصة ومرموقة في الكلية الملكية للجرّاحين في إنجلترا، وهي زمالة تُمنح لمن قدموا مساهمة مهمة في تطوير مجال جراحة القلب وخدمة الإنسانية.

وبعدها مُنح زمالة من الكلية الملكية للأطباء والجرّاحين في جلاسكو، تكريمًا لعمله في حقل دعم الدورة الدموية الميكانيكية وجراحة القلب الفاشل، ولمساهماته في تحسين مجال زراعة الأعضاء في بريطانيا. ترك البروفيسور أوروبا وجاء إلى فلسطين ليخدم شعبه، وينقذ فقراءه الذين يعجزون عن دفع فواتير العلاج.

حدثني البروفيسور بحماسة عن مشاريعه في كلية طب الخليل، وأهمها مشفى الجامعة الضخم الجاهز تقريبًا، ومعهد الطب العدلي والمشرحة، الذي سيفتتح أول العام بالتعاون مع وزارة العدل، وسيقدم معهد الطب العدلي خدمات إنسانية مهمة وخدمة الطب الشرعي لجميع المواطنين بمحافظة الخليل ومحافظات الجنوب.

من مشفى الدجاني في يافا في الأربعينيات إلى كلية طب جامعة الخليل، ومشفاها القادم قريبًا، مسافة طويلة من انحياز الطب الفلسطيني العظيم إلى همّ البلاد القومي، ومن الدكتور الجراح فؤاد الدجاني إلى البروفيسور الفلسطيني سليم الحاج يحيى. امتداد متصل وهائل من العلم والتضحيات والمساهمة في إنقاذ فلسطين، وإعطائها وجهًا حضاريًا أصيلًا.

ثمة ملاحظة قد تضيء على فكرة المجد الطبي الفلسطيني الحديث، في إسرائيل يخوض اليمين المتطرف الآن معركة كلامية إعلامية شرسة، مع مشكلة كبيرة يعتبرونها كابوسًا، وهو انتشار الأطباء العرب داخل مشافي إسرائيل، أطباء فلسطينيون يشهد زملاؤهم الأطباء اليهود أنفسهم أنهم غاية في الذكاء والانتماء للمهنة والكفاءة الطبية.