حاجتنا إلى التفكير الناقد

01 سبتمبر 2026
01 سبتمبر 2026

وصف أحد كبار الأساتذة مقالاتي القصيرة التي أكتبها للصحف بأنها تعبر عن انتقادي الدائم لقضية أو مسألة ما، وكأن لا شيء هناك يمكن أن يستدعي إعجابي! ولكن مثل هذا الرأي يتناسى أن كل فكر جاد ينبغي أن يكون فكرًا نقديًّا، أعني: فكرًا لا يُسلِّم بالأفكار والفروض المتداولة، بل يقوم دائمًا بإخضاعها للفحص والمراجعة، ومن ثم للتفكير النقدي.

على أن ما يُسمَّى بالتفكير النقدي أو الناقد (Critical Thinking) لا يعني الانتقاد الذي يعبر عن عدم الإعجاب بشيء أو أمر ما، وإنما يعني- في إطاره الواسع- فحص الأسس التي تقوم عليها مشروعية معتقد أو افتراض ما.

غير أن هذه المشروعية ليست مجرد مشروعية من الناحية المنطقية تتبدى في الالتزام بمبادئ المنطق وعدم التورط في أي نوع من المغالطات المنطقية المعروفة؛ ولذلك فإن هذه المشروعية تتجاوز إطار المنطق إلى فحص مشروعية الاعتقاد أو الفكرة ذاتها من حيث معقوليتها ومنهجيتها، ومن ثم من حيث إمكانية البرهنة عليها.

بناءً على هذا أقول: إنه لا ينبغي اختزال التفكير النقدي في مجال المنطق؛ لأنه يشمل الفلسفة بمعناها الواسع؛ فكل تفكير فلسفي حقيقي هو تفكير لا يكرر ما قد قيل أو ما يُقال في نوع من التسليم أو الإعجاب، وإنما يسعى إلى إعمال النظر فيه بهدف تأسيس رؤية جديدة أو فكرة مختلفة.

ولكن هذا لا يمكن أن يحدث إلا من خلال نقد الأفكار السابقة، بل نقد مناهجنا ذاتها في البحث المعرفي وفي النظر إلى علاقتنا بالعالم والأشياء.

ولعل المثال الأبرز الذي يمكن أن نتعلم منه في مجال نقد المعرفة قد تمثل في فلسفة كانط التي تُعرف باسم «الفلسفة النقدية»، والتي تُعنى بتأسيس الشروط التي ينبغي أن تتوفر مسبقًا في معرفتنا بموضوع ما (وهي الفلسفة التي أودعها كتبه الرئيسة في «نقد العقل الخالص» أو البحث النظري في مسائل الميتافيزيقا، و«نقد العقل العملي» أو البحث في شروط المعرفة بالأخلاق، و«نقد ملكة الحكم»، ومنه الحكم الجمالي، أي تأسيس شروط المعرفة بالجميل في الفن والطبيعة).

أما المثال الأبرز الذي يمكن أن نتعلم منه في مجال نقد المعرفة من حيث علاقتنا بالعالم وبالأشياء، فقد تمثل في الفينومينولوجيا التي أرسى هوسرل دعائمها باعتبارها توجهًا منهجيًّا في النظر والمعرفة.

ومن شاء تفصيلًا موجزًا لهذا التوجه المعرفي في الفكر المعاصر، فليرجع إلى مقالي السابق في هذه الجريدة الرصينة بعنوان «أوهام الفكر».

غير أن التفكير النقدي أو الناقد لا يُعد مجرد ضرورة في مجال الفكر والثقافة بوجه عام، وإنما يُعد أيضًا ضرورة إلزامية في مجال التعليم بوجه خاص.

ولذلك فإن الجامعات الأجنبية المرموقة قد أدرجت «التفكير الناقد» باعتباره من المقررات الدراسية اللازمة للدارس، خاصةً في مجال العلوم الإنسانية، وعلى رأسها الفلسفة.

والواقع أن بعضًا من الجامعات العربية قد فطنت إلى أهمية هذا الأمر في تأسيس المعرفة، فاعتمدت «التفكير الناقد» باعتباره متطلبًّا دراسيًّا جامعيًّا.

ولكننا نلاحظ أن هذا المقرر الدراسي في معظم الجامعات العربية قد تحول إلى مجرد كتاب دراسي يقوم بتدريسه غالبًا محاضرون لا يمتلكون هم أنفسهم رؤية نقدية في كتاباتهم! كما أن نظم التعليم التي لا تزال تعتمد على الحفظ والتلقين تُحوِّل هذا النوع من الدرس الفلسفي إلى مجرد معلومات دراسية يتم استدعاؤها واختبارها من خلال أسئلة الامتحانات وحسب، وليس من خلال إجراءات وتطبيقات عملية لهذه المعلومات باعتبارها خبرات معرفية يتم اكتسابها في إطار الدرس الفلسفي.

وعلى هذا كله أرى أننا لم نُحسِن حتى الآن الاستفادة من درس التفكير النقدي أو توجه «التفكير الناقد»، لا في مجال الدرس والفكر، ولا في مجال الحياة العملية الذي نتداول فيه بشكل يومي أفكارنا ومعتقداتنا من خلال الحوار والنقاش، أعني- في النهاية- أن التفكير النقدي لم يتخلل بعد أسلوبنا في التفكير بوجه عام.

ولقد نوهت من قبل في بداية هذا المقال إلى شيء من أسباب هذه الظاهرة التي يتم اختزالها في المعرفة النظرية ببعض المبادئ المنطقية، وهو ما يؤدي إلى قصور في فهم عملية تأسيس العقل النقدي، ولكن المختصين يمكن أن يعكفوا على دراسة تفاصيل تلك الظاهرة في سائر المجالات، وعلى رأسها المجال التعليمي؛ بهدف وضع خارطة لعلاجها من خلال إجراءات علمية وتربوية.