عُمان والسعودية.. ثوابت راسخة وعلاقات مميزة

01 سبتمبر 2026
01 سبتمبر 2026

العلاقات التاريخية العمانية السعودية تعد من العلاقات النموذجية على الصعيد العربي على مدى أكثر من خمسة عقود.

ولعل المؤشرات الاقتصادية للتعاون بين البلدين تتصاعد إيجابا على كل المستويات وفي مختلف المجالات الحيوية، وخاصة التبادل التجاري والاستثمار المشترك وعلى الصعيد الثقافي والتعليمي، وذلك في إطار جهود قيادتي البلدين الشقيقين في رسم استراتيجية عميقة للتكامل الاقتصادي، كما أن التنسيق السياسي بين مسقط والرياض متواصل على كافة الأصعدة.

وتأتي زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى المملكة العربية السعودية ولقاؤه المثمر مع أخيه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء لتضفي أهمية كبيرة في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية التي تمر بالمنطقة والعالم؛ وعلى ضوء ذلك فإن تواصل التنسيق والتشاور بين قيادتي البلدين يعد ذا أهمية خاصة.

إن العلاقات العمانية- السعودية تنطلق من وشائج تاريخية، ويتمتع البلدان بثقل سياسي وحضاري يعزز دورهما المهم على صعيد خفض التصعيد في المنطقة، خاصة في ظل المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية، من خلال بذل المزيد من الجهود نحو تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، والعمل على دفع قطار المفاوضات.

لقد بذلت الدبلوماسية العمانية- والسعودية أدوارا حيوية من أجل إنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية، كما يتواصل التنسيق العماني السعودي ـ سواء على صعيد الزيارات المتبادلة أو الاتصالات أو من خلال التواصل مع المجتمع الدولي ـ لاحتواء التصعيد الذي سبب الكثير من حالة عدم الاستقرار للمنطقة والعالم.

لقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين مسقط والرياض خلال السنوات الست الأخيرة قفزات نوعية على صعيد التبادل التجاري، وفي مجال الاستثمار المشترك، ولعل طريق الربع الخالي الدولي بين البلدين أضاف نقلة نوعية من خلال صعود المؤشرات التجارية، كما أن مجلس التنسيق الاقتصادي العماني السعودي يلعب دورا محوريا في تشجيع المبادرات والخطط التي من شأنها الدفع بالتعاون والتكامل الاقتصادي بين البلدين إلى الأمام في ظل حراك اقتصادي وتنسيق سياسي مميز.

ولا شك أن زيارة جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى السعودية سوف تعزز من متانة تلك العلاقات والدفع بها إلى طموحات أكبر في كل القطاعات الاقتصادية والإنتاجية خاصة في مجال الطاقة، وعلى صعيد تبادل الخبرات في المجال الصناعي وفي مجال التعليم والذكاء الاصطناعي وغيرها من المجالات التي تركز عليها رؤية «عمان ٢٠٤٠» ورؤية «المملكة العربية السعودية ٢٠٣٠».

إن الوضع السياسي المضطرب في المنطقة يحتاج إلى مثل هذا التنسيق السياسي والتشاور بين قيادات دول المنطقة خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، ويبذل جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مع القيادة السعودية جهودا كبيرة لإيجاد ذلك التنسيق بهدف تحقيق السلام وخفض التصعيد.

وتؤدي الديبلوماسية العمانية بقيادة جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ دورًا محوريًا فيما يخص إيجاد الحلول الموضوعية والرجوع إلى مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال تطبيق مذكرة التفاهم والتي وقعها الجانب الأمريكي والجانب الإيراني والتي تنهي الحرب والدخول في مفاوضات جادة حول النقاط الأساسية التي تتحدث عنها مفكرة التفاهم، خاصة إنهاء الحرب والتوصل إلى توافق عادل ومنصف ومستدام للبرنامج النووي الإيراني، ورفع العقوبات الاقتصادية عن إيران؛ بحيث تدخل المنطقة في مناخ من الاستقرار والسلام على ضفتي الخليج العربي وأيضا العراق واليمن من خلال إيجاد منظومة أمنية وعلاقات حسن جوار تنهي الصراع والخلافات بشكل كامل حتى تتفرغ المنطقة وشعوبها للتنمية والازدهار الاقتصادي والتعايش المشترك من خلال القواسم التاريخية المشتركة التي تجمع شعوب المنطقة على مدى قرون من التعاون والتجارة.

إن زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى المملكة العربية السعودية تأتي في مرحلة حساسة ومعقدة تمر بها المنطقة في ظل مناخ من عدم اليقين بين الأطراف ذات العلاقة بالصراع الأمريكي الإيراني.

ولعل الاجتماع المثمر بين قيادتي بلادنا سلطنة عمان والشقيقة المملكة العربية السعودية سوف يكون له نتائج إيجابية على مجمل الأوضاع في المنطقة في ظل الدور المحوري الذي تلعبه مسقط والرياض في بذل الجهود الدبلوماسية الكبيرة لخفض التصعيد والوصول إلى قواسم مشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لإنهاء الحرب والانطلاق إلى المفاوضات التي أشرنا في مقال الأسبوع الماضي إلى أنها الخيار الأوحد لإنهاء الصراع والخروج من المأزق الاستراتيجي الذي وجدت الإدارة الأمريكية نفسها داخله بعد أن شنت الحرب وفق حسابات غير صحيحة.

وعلى ضوء ذلك؛ فإن اللقاء العماني- السعودي على مستوى قيادتي البلدين ينطلق من إحساس بالمسؤولية الوطنية لإيجاد حلول واقعية لإبعاد المنطقة عن المزيد من المخاطر والعودة إلى آفاق السلام والاستقرار الذي يعد هو السمة الحضارية للتعاون بين الدول والشعوب بعيدًا عن لغة الحرب.

إن المنطق السياسي يفرض أهمية مثل هذه المشاورات والتنسيق العماني السعودي انطلاقا من إحساس القيادتين بأن إيجاد الحل السياسي هو الأهم للمنطقة ومقدراتها ومصالح شعوبها؛ لأن استمرار الصراع والحرب ليس مصلحة خليجية ولا دولية، فالجميع تضرر من آثار الحرب اقتصاديا وسياسيا، كما أن إغلاق مضيق هرمز يعد خسارة كبيرة للاقتصاد العالمي.

ومن هنا، فإن المشاورات العمانية السعودية في هذا التوقيت تعد على جانب كبير من الأهمية؛ لما يشكله البلدان من ثقل على الساحتين الإقليمية والدولية، وذلك في إطار بذل المزيد من الجهود لخفض التصعيد والوصول إلى مقاربة سياسية بين طهران وواشنطن للدخول في المفاوضات لإنهاء كل مظاهر الصراع والمواجهة.

كما أن هذا التنسيق العماني السعودي سوف يصب في مصلحة تعزيز العلاقات الثنائية المميزة بين البلدين في كل المجالات.

حفظ الله جلالة السلطان المعظم في حله وترحاله.