مختصون: الأداء المالي للنصف الأول يعكس متانة الاقتصاد.. والتنويع رهان الاستدامة
أظهرت مؤشرات الأداء المالي لسلطنة عُمان خلال النصف الأول من عام 2026 تحسن في وضع المالية العامة مع ارتفاع الإيرادات العامة بنسبة 13% لتبلغ نحو 6.602 مليار ريال مقابل إنفاق بلغ نحو 6.619 مليار ريال، ما أسهم في تراجع العجز إلى 17 مليون ريال فقط مقارنة بـ259 مليون ريال خلال الفترة نفسها من عام 2025.
ويرى مختصون أن هذه المؤشرات تظهر تحسنا في قدرة المالية العامة على تحقيق قدر أكبر من التوازن بين الإيرادات والإنفاق، خصوصًا أن نمو الإيرادات جاء بوتيرة أعلى من نمو الإنفاق، فيما حافظ الدين العام على استقراره النسبي عند نحو 14.16 مليار ريال، كما أسهم سداد أكثر من 915 مليون ريال من مستحقات القطاع الخاص في تعزيز السيولة لدى الشركات، ودعم النشاط الاقتصادي مؤكدين في استطلاع لـ(عمان) أهمية التركيز على الأولويات المعززة للاستدامة المالية، ودعم مسار التنويع الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
وقال الدكتور خالد بن سعيد العامري رئيس الجمعية الاقتصادية العمانية أن مستوى الدين العام جاء مستقر نسبيا عند 14.16 مليار ريال عماني بنهاية الربع الثاني للعام الجري (مقارنة بـ 14.12 مليار ريال في الفترة ذاتها من عام 2025م، أي بارتفاع بسيط نسبته 0.3% فقط) يظهر إدارة حذرة ومتوازنة للملف الائتماني لسلطنة عمان؛ إذ يأتي الاستقرار متزامنا مع تحسن ملحوظ في الإيرادات العامة التي بلغت 6602 مليون ريال عماني بزيادة قدرها 13% عن الفترة المماثلة من عام 2025م، مما أدى إلى انضباط العجز المالي وانخفاضه بشكل حاد إلى 17 مليون ريال عماني فقط مقارنة بـ 259 مليون ريال في منتصف عام 2025م مؤكداً أن هذه المؤشرات تعكس قدرة المالية العامة على تغطية التزاماتها؛ إذ بلغت التحويلات لبند مخصص سداد الديون 150 مليون ريال عماني خلال النصف الأول ما يدعم الجدارة الائتمانية لسلطنة عمان، ويعزز من كفاءة إدارة المخاطر المالية، ومواجهة الاستحقاقات القادمة بثبات دون الحاجة للجوء إلى استدانة جديدة مرتفعة الكلفة.
المصروفات الإنمائية
وأوضح العامري أن الناتج المحلي الإجمالي حقق بالأسعار الثابتة نمواً بنسبة 2.6% بنهاية الربع الأول، ولعب الإنفاق الحكومي دوراً محفزاً ومحورياً في هذا النمو، لا سيما مع تسريع وتيرة الصرف على المصروفات الإنمائية التي بلغت 798 مليون ريال عماني (بنسبة إنجاز وصلت إلى 61% من الميزانية المعتمدة للإنمائي والبالغة 1300 مليون ريال عماني). وتسهم السياسة المالية المتبعة ضمن خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026-2030م) في إعادة توجيه الإنفاق نحو مشاريع ذات عائد استثماري ملموس؛ حيث تخصص الخطة 400 مليون ريال عماني سنوياً لمشاريع التحول الاقتصادي أُنفق منها 146 مليون ريال عماني خلال النصف الأول من هذا العام مبيناً: إن الالتزام بسداد مستحقات القطاع الخاص التي تجاوزت 915 مليون ريال عماني مع معدل إنجاز زمني يُقدر بـ 5 أيام عمل في المتوسط، يوفر سيولة نقدية مباشرة للشركات والمؤسسات الوطنية، وهو ما ينعكس إيجاباً على الثقة الاستثمارية، وتوسيع قاعدة الأنشطة غير النفطية.
وأكد العامري أن انخفاض أسعار النفط والتذبذبات العالمية يُشكل دائماً ضغطاً هيكلياً، إلا أن أداء النصف الأول أظهر تحسناً كبيراً في صافي إيرادات الغاز بزيادة 32% لتسجل 1164 مليون ريال عماني مع نمو الإيرادات الجارية بنسبة 6% لتصل إلى 2045 مليون ريال عماني، وهو ما يقلل الاعتماد التدريجي على أسعار الخام المباشرة، كما أظهرت الميزانية قدرة عالية على موازنة متطلبات النمو والتنمية الاجتماعية دون إخلال بالاستدامة المباشرة؛ حيث خصصت 2706 ملايين ريال عماني للقطاعات الاجتماعية والأساسية، إضافة إلى استمرار تقديم الدعم لمنظومة الحماية الاجتماعية وقطاع الكهرباء والمنتجات النفطية بقيمة إجمالية تجاوزت 773 مليون ريال عماني. ويكمن المقوم الأساسي للمحافظة على هذا المسار في الاستمرار بحساب أسعار نفط ميزانية مبنية على استراتيجيات تحوطية حذرة مع الاعتماد على الحصيلة الإضافية في تعزيز الاحتياطيات، وتسريع سداد أصول الدين العام.
أولويات الاستدامة
وذكر العامري أن أبرز الأولويات لتعزيز الاستدامة المالية، ودعم النمو الاقتصادي تكمن في الاستمرار في التركيز على ضخ المصروفات الإنمائية نحو مشاريع التنويع الاقتصادي ذات القيمة المضافة والمحفزة للقطاعات الواعدة (كالتطوير العقاري، اللوجستيات، الصناعة، والصحة والتعليم)، ومواصلة كبح نمو المصروفات الجارية والعمل على رفع كفاءتها، وتوجيه أية وفرات مالية نحو دعم المبادرات الاستثمارية أو السداد المباشر للالتزامات بالإضافة إلى تعزيز بيئة الأعمال لتشجيع القطاع الخاص على قيادة المبادرات الاستثمارية، وتخفيف العبء عن الميزانية العامة للدولة، أضف إلى ذلك ضمان وصول الدعم المستهدف لكافة الفئات المستحقة بفعالية للحد من أي آثار تضخمية قد تؤثر على القوة الشرائية بالتوازي مع ضمان التوازن المالي الشامل.
إيرادات النفط والغاز
من جانبه أوضح علي بن عبدالله الريامي خبير اقتصادي بقطاع النفط والغاز أن الأداء المالي لسلطنة عمان خلال الربع الثاني من عام 2026 شهد تحسنا في الإيرادات، وضبطا للعجز بالإضافة إلى استمرار الإنفاق الإنمائي بوتيرة جيدة رغم التحديات التي يشهدها الاقتصاد العالمي والمتمثلة في تباطؤ النمو وارتفاع معدلات التضخم مشيرا إلى أن المؤشرات الصادرة عن الربع الثاني من العام شهدت أداء مالي إيجابي؛ إذ تحقق نمو في الإيرادات بالتزامن مع ضبط العجز واستمرار الإنفاق الإنمائي، إلا أن استمرار الاعتماد على النفط في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي وتوقعات انخفاض أسعار النفط خلال عام 2027 يفرض ضرورة تسريع التنويع الاقتصادي، وتعزيز الإيرادات غير النفطية؛ لضمان استدامة المالية العامة.
وحول ارتفاع صافي إيرادات النفط بنسبة 10% إلى نحو 3.332 مليار ريال رغم انخفاض متوسط سعر النفط المحقق من 75 دولار إلى 74 دولار للبرميل، أوضح الريامي أن العامل الحاسم في هذا النمو تمثل في ارتفاع حجم الإنتاج إلى نحو 1.074 مليون برميل يوميا مبينا أن زيادة الكميات المصدرة عوضت أثر التراجع الطفيف في الأسعار، وهو ما يعكس قدرة سلطنة عمان على الاستفادة من الطاقة الإنتاجية المتاحة لتعزيز الإيرادات النفطية.
وفيما يتعلق بنمو إيرادات الغاز بنسبة 32% أشار إلى أن هذا النمو يعكس تزايد أهمية قطاع الغاز كمصدر داعم للمالية العامة في ظل توسع عقود التصدير وارتفاع الطلب الإقليمي والدولي على الغاز الطبيعي المسال.
ولفت إلى أن الغاز بدأ يشكل أهمية موازية للنفط بما يعزز تنويع الإيرادات، ويقلل من هشاشة الموازنة أمام تقلبات أسعار النفط، وأن عدم وصول الغاز القطري إلى الأسواق بشكل سلس أسهم في وجود طلب على الغاز العماني وارتفاع أسعاره.
وحول التوقعات بانخفاض متوسط سعر خام برنت إلى 64.76 دولار للبرميل في عام 2027 قال الريامي: إن هذا الانخفاض في حال حدوثه قد يفرض مخاطر مباشرة على المالية العامة، من بينها تراجع الإيرادات النفطية، وإمكانية عودة العجز إلى مستويات أعلى، وأن انخفاض أسعار النفط قد يفرض ضغوطا على الإنفاق الإنمائي والاجتماعي إذا لم تتم مواصلة تعزيز الإيرادات غير النفطية إلى جانب احتمالية زيادة الاعتماد على الاقتراض لتمويل العجز الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع الدين العام، وزيادة كلفة خدمته.
توسيع قاعدة الإيرادات
وأشار الريامي إلى أهمية توسيع قاعدة الإيرادات غير النفطية من خلال تطوير قطاعات السياحة والخدمات إلى جانب الاستفادة من الضرائب الانتقائية والرسوم لتوفير مصادر دخل أكثر استقرار خلال الفترة المقبلة كما وأشار إلى أهمية تعزيز مساهمة الغاز والطاقة المتجددة في الإيرادات بالتزامن مع ضبط الإنفاق الجاري، ورفع كفاءة الإنفاق الإنمائي لضمان تحقيق أعلى عائد اقتصادي واجتماعي.
ودعا إلى بناء احتياطيات مالية خلال سنوات الفوائض لاستخدامها كأداة تحوط عند انخفاض أسعار النفط إلى جانب تسريع مشاريع التحول الاقتصادي المخصصة في خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة والبالغة 400 مليون ريال سنويا بما يسهم في إيجاد مصادر دخل مستدامة، وتعزيز قدرة المالية العامة على مواجهة تقلبات أسواق النفط.
وقال اليقظان بن محمد الشكيلي: إن مؤشرات الأداء المالي تضمنت مؤشرات جيدة في تحسن الإيرادات وضبط للعجز بالتزامن مع استمرار التحسن في الإنفاق الإنمائي بالرغم من التحديات التي يشهدها الاقتصاد العالمي مثل تباطؤ النمو وارتفاع معدلات التضخم مؤكدا أن أهمية هذه النتيجة لا تكمن في الأرقام المطلقة فقط، وإنما في العلاقة بين نمو الإيرادات والإنفاق، إذ نمت الإيرادات بوتيرة أعلى من الإنفاق، كما أن التحسن لم يكن مدفوع فقط بارتفاع أسعار النفط، وإنما جاء أساسا نتيجة ارتفاع إنتاج النفط إلى نحو 1.074 مليون برميل يومي إلى جانب نمو صافي إيرادات الغاز بنسبة 32%، وارتفاع الإيرادات الجارية غير النفطية بنسبة 6%.
وبين أن الاقتراب من التوازن المالي تحقق بالتزامن مع توسع الإنفاق الإنمائي بنسبة 16%، ما يعني أن التحسن لم يأت على حساب الاستثمار العام، وإنما تزامن مع توسع في الإنفاق التنموي.
وأضاف أن هذه المؤشرات تمنح وصف موازنة 2026 بأنها "ميزانية الانطلاقة" باعتبارها نقطة بداية الخطة الخمسية الحادية عشرة مؤكدا أن سلطنة عمان تدخل هذه المرحلة من وضع مالي يسمح بتمويل طموحها التنموي مع المحافظة على الانضباط المالي الذي تحقق خلال سنوات الخطة الخمسية العاشرة.
وحول انخفاض العجز إلى 17 مليون ريال قال الشكيلي: إن الرقم مبشر، لكنه لا يمثل حتى الآن دليل قاطع على تحول بنيوي دائم في المالية العامة، موضح أن النصف الأول استفاد من متوسط سعر نفط بلغ نحو 74 دولار للبرميل مقارنة بالافتراض المتحفظ في ميزانية 2026 والبالغ 60 دولار.
وأشار إلى أن أسعار النفط ستظل مرتبطة بمتغيرات عالمية وجيوسياسية متقلبة ما يعني أن جزءًا من التحسن الحالي يرتبط بظروف سعرية قد لا تستمر بالقوة نفسها.
ولفت إلى أن الإنفاق الإنمائي يمثل عامل آخر ينبغي أخذه في الاعتبار، إذ تم صرف نحو 61% من المخصص السنوي البالغ 1.3 مليار ريال حتى منتصف العام، ما يعني أن جزء من الإنفاق المعتمد سيظهر خلال النصف الثاني، وهو ما قد يفرض ضغوط على جانب الإنفاق خلال الأشهر المقبلة؛ ولذلك يرى أن الحكم النهائي على مسار العجز ينبغي أن ينتظر نتائج نهاية العام، وربما أكثر من سنة مالية مؤكدا أن أهمية التحسن لا ينبغي التقليل منها، خصوصا أنه يأتي ضمن مسار إصلاحي طويل مشيرًا إلى أن وكالات التصنيف الائتماني الثلاث ستاندرد آند بورز وموديز وفيتش منحت عمان درجة الاستثمار خلال السنوات الماضية، وهو ما جاء نتيجة تراكم إصلاحات هيكلية شملت خفض الدين العام، وتحسين حوكمة الشركات الحكومية، وليس نتيجة ربع مالي واحد.
وفيما يتعلق بالإنفاق العام أوضح أن ارتفاع المصروفات الإنمائية بنسبة 16% إلى نحو 798 مليون ريال مقابل نمو المصروفات الجارية بنسبة 6% إلى نحو 4.369 مليار ريال يعكس تحول مهم في تركيبة الإنفاق مشيرا إلى أن الإنفاق الإنمائي هو الذي قاد نمو الإنفاق الإجمالي البالغ 9%، وليس الإنفاق التشغيلي، وهو ما يختلف عن النمط الذي كان سائد خلال سنوات ضبط المالية العامة عندما كان الإنفاق التنموي أكثر عرضة للتقليص، وبين أن نحو 146 مليون ريال من المصروفات الإنمائية وجهت إلى مشاريع التحول الاقتصادي ضمن مخصص سنوي يبلغ 400 مليون ريال بما يعني توجيه جزء من الإنفاق الإضافي نحو قطاعات التنويع الاقتصادي، ومنها الصناعات التحويلية والسياحة والاقتصاد الرقمي، كما أشار إلى انخفاض بند المساهمات والنفقات الأخرى بنسبة 2% ما يعكس أن التوسع في الإنفاق كان موجهًا بصورة أكبر نحو الاستثمار التنموي.
أما حول مؤشرات الدين العام قال الشكيلي: إن استقراره عند نحو 14.16 مليار ريال بنهاية الربع الثاني بارتفاع طفيف نسبته 0.3% مقارنة بالفترة نفسها من 2025 يمثل مؤشرا على اتساق مسار المالية العامة؛ حيث إن استقرار القيمة الاسمية للدين بالتزامن مع نمو الناتج المحلي الإجمالي يعني تحسن نسبة الدين إلى الناتج المحلي بما يشير إلى أن سلطنة عمان باتت تعمل على تخفيف عبء المديونية من خلال النمو، وليس فقط عبر تقليص الإنفاق.
وفيما يتعلق بسداد أكثر من 915 مليون ريال من مستحقات القطاع الخاص أكد أن هذه المدفوعات تمثل ضخ مباشر للسيولة في الاقتصاد المحلي لتدعم قدرة الشركات والمقاولين والموردين على الوفاء بالتزاماتهم تجاه الموظفين والموردين والجهات التمويلية، خصوصا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وأضاف أن انتظام دورة السداد إلى جانب الالتزام بسداد المستحقات مكتملة الدورة المستندية خلال خمسة أيام عمل في المتوسط يمكن أن يحول الملف من معالجة متأخرات متراكمة إلى إصلاح إجرائي مستدام يدعم بيئة الأعمال والسيولة خلال الفترة المقبلة.
وأشار إلى أن أهمية هذا الإجراء تزداد في ظل تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال الربع الأول من 2026 بنسبة 35.7% رغم ارتفاع الرصيد التراكمي للاستثمار الأجنبي بنسبة 8.7%، ما يعني أن الاعتماد على الاستثمار الأجنبي وحده كمحرك للسيولة والنمو لا يضمن تدفقات منتظمة في كل فترة.
وأكد أن انتظام السداد الحكومي يمثل أداة تستطيع الحكومة التحكم بها بصورة مباشرة، ويمكن أن يشكل رافعة مهمة لدعم القطاع الخاص، وتعزيز دوره كمحرك للنمو في قطاعات الصناعة والسياحة والاقتصاد الرقمي بما يتماشى مع مستهدفات التنويع الاقتصادي في الخطة الخمسية الحادية عشرة.
