"مرحبا بكم في مطعم التنين" يسرد حرب العراق بعيون صينية
يقدم فيلم "مرحبا بكم في مطعم التنين" (Once Upon a Time in the Middle East ) حكاية تجري في العراق إبان حرب عام 2003، مع خلفية الحرب التي تناقش مصير الإنسان والنجاة والتعايش، وكيف يمكن للحياة اليومية أن تستمر في المكان الذي يحاول العنف ابتلاعها، حيث يقف مطعم صيني صغير يتحول من مشروع تجاري إلى ملاذ للمدنيين.
لكن قيمة الفيلم تتجلى مع سؤال يفرض نفسه منذ المشاهد الأولى: ماذا يحدث عندما تروى حكاية الشرق الأوسط من خارج المنطقة -"من منظور صيني" نموذجا-؟
البحث عن الرزق
تدور أحداث الفيلم في "مطعم التنين" بحضور شخصيات ومكان ورموز، حيث يأتي شيوي فو الطاهي الصيني الذي يصل إلى الشرق الأوسط بحثا عن العمل والمال كرجل عادي يريد أن يكسب رزقه ويعيش بعيدا عن وطنه، وبالرغم من أنه ليس بطلا أو جنديا أو صاحب مشروع سياسي، لكن الحرب تفرض عليه مسارا لم يختره، ليتغير موقع المطعم في حياته ويتحول المكان من مصدر للدخل إلى مساحة لحماية المدنيين والأطفال.
ومن خلال الأحداث يحاول البطل أن يساعد الآخرين، فإن لم يستطع إيقاف الحرب فإنه على الأقل يمكنه أن يطعم جائعا، ويحمي طفلا، ويوفر لحظة من الأمان.
إنقاذ المستقبل
في المقابل يعيش الطفل سيف في بيئة تهدد بانتزاع طفولته، حيث تعرضه الحرب للخطر الجسدي والنفسي ليتحول إلى مشروع مليء بالخوف والعنف ويعيد إنتاجهما في مستقبله. إلا أن القدر يفتح أمامه طريقا مختلفا حين يتعلم الطبخ من المطعم ويتلقى مهارة يمكن أن تمنحه حياة خارج دائرة الحرب.
ويركز المخرج على دور "المغرفة" التي تناقض البندقية، فالأولى تطعم وتبني والثانية تهدم وتقتل.
وبعد نحو عقدين، يظهر سيف بعد أن كبر وأصبح طاهيا، وكان مستقبله دليلا على إنقاذ طفل ومنحه فرصة حياة صحية.
أثر المطعم
يبدأ مطعم التنين كمشروع تجاري، ثم يتحول إلى مكان للقاء، ثم ملاذ للمدنيين، قبل أن يصبح رمزا للحياة اليومية التي تقاوم الانهيار.
وتبرز أهميته بتجسيد وظيفته الدرامية في غمرة الحرب داخل مساحة محدودة تتكون من مطبخ ومائدة وشارع وطفل، وأشخاص يحاولون مواصلة يومهم، محولا الحرب من حدث تاريخي إلى تجربة ملموسة.
نار تمنح الحياة ونار تسلبها
يبني الفيلم لغته البصرية على التناقض بين عالمين، ففي الداخل نجد النار والبخار والطعام والسكاكين والأطباق وحركة الأيدي والمائدة، أما الخارج فيضج بالقصف والجنود والدخان والخراب والخوف.
كما أن التصميم الصوتي والمونتاج يعكسان المواجهة نفسها، عندما تقف أصوات إعداد الطعام وحركة المطبخ في مواجهة أصوات الرصاص والانفجارات، فيتحول الصوت اليومي إلى علامة على استمرار الحياة في مواجهة الحرب، حيث ينتقل الفيلم بين إيقاع الحياة العادية وإيقاع الخطر، وبين الهدوء داخل المطعم والفوضى خارجه.
كوميديا في قلب المأساة
منح اختيار الكوميديا داخل الفيلم مساحة للتنفس، فالشخصيات لا تظهر طوال الوقت كضحايا، فهم يضحكون ويتجادلون ويأكلون محاولين العيش.
كما أن تلقائية شين تنغ في أداء شيوي فو منحت الشخصية قدرة على الانتقال بين المواقف الكوميدية واللحظات الجادة دون أن تفقد حضورها الإنساني. وبالرغم من أن الكوميديا يمكن أن تخفف من ثقل المأساة أو تضعف أثر الحرب، إلا أن الفيلم نجح في إبقاء التوازن بين الحرب والهزل.
تصوير داخل الصين
تبدو مشاهد الفيلم شرق أوسطية ولكن الحقيقة التي صدمت المشاهدين أن جزءا كبيرا من المشاهد التقطت داخل الصين، من الشوارع والمحلات إلى المطعم والديكورات والتفاصيل البصرية.
حيث نجح الإنتاج في نقل الصورة الحقيقية للحرب في مساحة منحت صناع العمل سيطرة على الصورة مع مشاهد الانفجارات والخراب وحركة الكاميرا وإعادة بناء المكان. ومع ذلك يقول القائمون بالعمل إن المشاهد العربي يمكنه التقاط تفاصيل عامة أو مصطنعة لا تنتمي إلى العراق تحديدا، ويمكن توصيفه بأنه ظهر كشرق أوسط سينمائي كما تتخيله السينما الصينية.
من حاجز إلى جسر
يظهر التعدد اللغوي في الفيلم، حيث تتجاور اللغات الصينية والعربية والإنجليزية، كزينة تضفي الواقعية وتدخل في صميم العلاقات بين الشخصيات. وتتدرج الأحداث في البداية تمثل اللغة حاجزا تنتج سوء فهم ومواقف كوميدية، تتحول بعدها العلاقات وتتطور حتى يصبح التواصل ممكنا رغم اختلاف اللغات.
ويحقق الفيلم التعايش بدون إلغاء الاختلاف، فالشخصيات لا تحتاج إلى أن تصبح متشابهة، ويكفيها أن تتشارك المكان والطعام والحاجة إلى الأمان.
الطعام.. رمز النجاح
أكثر العناصر حضورا في الفيلم هو الطعام وهو اختيار ذكي من الناحية الدرامية والثقافية، فالمائدة في الثقافتين الصينية والعربية ترتبط بالضيافة والاجتماع، ولذلك يمكن للطعام أن يعمل لغة مشتركة تتجاوز الفوارق.
وبحسب النقاد فإن الفيلم قدم رموزا متنوعة للمشاهد، فالطعام يعني الحياة، والمطعم يعني السلام، والنار تعني الدفء، والمغرفة تعني المستقبل، والبندقية تعني العنف. وهي منظومة رمزية واضحة وسهلة التلقي، تجعل المشاهد يستبق ما يريد الفيلم قوله.
صورة مغايرة
وصلت قصص كثيرة عن الشرق الأوسط إلى الجمهور العالمي عبر سينما غربية امتلكت موقعا مهيمنا في إنتاج الصور المتعلقة بالمنطقة. أما مطعم التنين فيقدم تجربة مختلفة حين تروي الصين قصة تقع في العراق، وتضع شخصيات عربية داخل إنتاج صيني واسع الانتشار.
يحاول الفيلم الابتعاد عن الصورة النمطية للمواطن العربي التي ظهرت في عدد من الأعمال السينمائية الغربية، حيث يرتبط العربي أحيانا بالإرهاب والهامشية، إلا أن العراقيين في مطعم التنين يظهرون مدنيين وأطفالا وعائلات وعمالا وأصحاب أعمال ونازحين، أي بشرا لهم حياتهم ومخاوفهم وعلاقاتهم.
كما أن حضور اللغة العربية والممثلين العرب وبعض اللمحات الموسيقية والثقافية منحت الشخصيات العربية مساحة أكبر داخل الحكاية. ناهيك عن أن العرب حاضرون بقوة داخل مركز السرد الصيني، حيث يقود شيوي فو هو التحول الدرامي في البيئة العراقية.
ويحاول الفيلم الجمع بين الطرفين بممثلين عرب، مع لغة عربية، وموسيقى وعناصر ثقافية محلية، إلى جانب طاقم وشخصيات ومنظور صيني، مسلطا الضوء على الحضور الثقافي الصيني. فالمخرج والكتاب والإنتاج واللغة الأساسية والمنظور الدرامي صيني، بينما البيئة والشخصيات واللغة العربية تمنح العمل حضورا عربيا.
الإنسان هو مركز الحكاية
تشكل الحرب والاحتلال الأمريكيان الإطار الذي تتحرك فيه الشخصيات، فالفيلم لا يتخذ موقفا محايدا من القوة العسكرية، إذ يضعها في مواجهة حياة المدنيين ويقدم الحرب باعتبارها قوة مدمرة للحياة اليومية. ويستخدم الفيلم الحدث التاريخي إطارا دراميا، وليس وثيقة سياسية أو دراسة تاريخية.
وينقل الفيلم تجربة إنسانية بعيدا عن الخلفية السياسية، حيث تبقى قصة الطاهي والطفل والمدنيين والمطعم الذي يحاول أن يحافظ على الحياة حتى لو حذفت أحداث الحرب. ليتجاوز الفيلم حدود المكان، كما أن الفيلم يوصل رسالة صريحة بأن الخوف الذي يشعر به الطفل، والجوع الذي يشعر به النازح، ورغبة الإنسان في حماية أسرته، ليست تجارب تنتمي إلى جنسية واحدة.
وتمنح القفزة الزمنية في نهاية الفيلم الحكاية معنى يتجاوز لحظة الحرب التي لا تنتهي بمجرد توقف المعارك وإنما تستمر آثارها في الذاكرة وفي مصائر الذين عاشوها.
ولذلك فإن عودة شيوي فو ولقاءه بسيف بعد نحو عشرين عاما تعمل كاختبار لنتيجة ما حدث في الماضي. ولا يدعي الفيلم أن الحرب اختفت، أو أن الموتى عادوا، أو أن الخراب أمكن محوه، ولكن إنسان نجا من الحرب دون أن يصبح نسخة أخرى منها.
آراء النقاد
أوضح النقاد أن فيلم "مرحبا بكم في مطعم التنين" نجح في تحويل المكان والطعام والصوت إلى عناصر سردية، وفي تقديم الحرب من مستوى الحياة اليومية بدل اختزالها في المعارك. كما أن التعدد اللغوي والثقافي منحه بعدا يتجاوز الحكاية المحلية، بينما تضيف شخصية سيف إلى النهاية معنى واضحا يتعلق بالمستقبل وإمكانية كسر دائرة العنف. وتكمن قوة الفيلم في أنه لا يحاول أن يجعل بطله أكبر من الحرب. فشيوي فو لم يهزم جيشا، ولم يغير التاريخ، ولم ينقذ مدينة بأكملها، إلا أن قدرته تلخصت بمحافظته على حياة شخص يقع ضمن نطاق قدرته.
وكانت أبرز المآخذ التي طرحها النقاد أن بعض رموزه شديدة الوضوح، وبعض رسائله تشرح أكثر مما ينبغي، وقد تبدو البيئة الشرق أوسطية في بعض المواضع أقرب إلى تصور سينمائي صيني للمنطقة منها إلى تفاصيل عراقية دقيقة. كما أن الشخصيات العربية، رغم حضورها الإنساني، تظل محكومة بمركز سردي صيني، وهو أمر ينبغي أخذه في الاعتبار عند الحديث عن تمثيل العراق.
شارك في الفيلم نخبة من النجوم الصينيين والعرب أبرزهم النجم الصيني شين تنغ الذي جسد دور البطولة الطباخ الصيني، وجيانغ تشيمينغ، وعمر شريف ممثل مصري جسد شخصية الطفل "سيف" واختير للدور من بين نحو 6000 طفل. بالإضافة إلى بيتر دانيال آدم وأمين منير ومحمد العبيدي وشريف صبحي. الفيلم من إخراج كل من وين مويي ومو يي وين، وشارك في كتابة السيناريو كل من ون مويه، وتشيانغلي لانغ، ووي تشونغ.
