حدث مرعب في فلسطين
فلسطين لم تشهد فقط في شهر أغسطس موجة حر شيطانية، أذابت لحم الناس، وقصفت كبرياءهم، وعزلتهم عن أعمالهم وعلاقاتهم، ثمة حدث زلزالي حار آخر هز أركان الإبداع الثقافي، وأحرج هيبته، وخلخل أسسه، هو ما يسمى (المؤتمر الوطني للكاتبات الفلسطينيات)، عُقد تحت إشراف وزارة الثقافة الفلسطينية، قبل أسابيع في متحف محمود درويش، وضم قراءات شعرية وندوات وتكريمات، يهدف هذا المؤتمر كما قيل إلى تحويل الكاتبة الفلسطينية إلى ساردة للأدب وليس موضوعًا له، ووصف مدير عام الوزارة إلى ضرورة إعادة الاعتبار للمرأة الكاتبة بوصفها ذاكرة حية، وحارسة لجماليات اللغة وشاهدة على تحولات الإنسان والمكان والقضية.
هذه عناوين مهمة ورائعة، لكن السؤال هو: من هن الكاتبات اللواتي تم اختيارهن، ليشهدن على تحول الإنسان والقضية وليحرسن جماليات اللغة ويحرسن الذاكرة؟ باستثناء شاعرة أو شاعرتين، دمرت كاتبات المؤتمر المختارات لأسباب لم أفهمها، راحة محمود درويش وهن يصرخن على بعد أمتار من بيته الصامت، حاول محمود أن يتحرك باتجاه القاعة التي يتدفق فيها الصراخ الشعري، ليقول للصراخ: يا عيب الشوم، وأمامي يحدث هذا الرعب الشعري؟ وفي عقر داري؟ لكنه لم يقدر على النهوض، فتذكر أنه ميت، بعظام من تراب، وعقل من جمجمة، حاول أن يبكي فعجز، فالأموات لا يبكون، فأوكل الشاعر القومي هذه المهمة لنا، نحن الذين نعرفه تمامًا، جلسنا كثيرًا معه، نعرف كبرياءه وعزة نفسه وثقته بعبقريته، فلنبك عنه حسرة وعجزًا، فلا مقدرة لدينا لطرد الصراخ، أو حجبه، وها نحن نبكي ما حدث ونشق ثيابنا ونلطم خدودنا.
لا أستطيع أيها القراء الأعزاء أن أنقل لكم كلمات ما يسمى هذه الأمسيات الشعرية، أخاف عليكم من الحزن، وأخاف أن يضرب هذه المقالة فايروس الخجل، فتختفي من حاسوب التحرير، من أين يأتي هذا التعذيب الشعري؟ ألا يكفي شعبنا تعذيب الاحتلال وتعذيب المستوطنين وتعذيب الفاسدين؟ هذه أسئلة صعبة وكبيرة تحتاج كتبًا كاملة، سأسأل أسئلة خفيفة تتسع لمساحة هذا المقال: كيف اختارت الوزارة هؤلاء الكاتبات بالذات؟ لماذا استبعدت كاتبات معروفات مبدعات، لهن رصيد من الكتب المعروفة التي ترجم بعضها إلى لغات عالمية مثل أحلام بشارات ومايا أبو الحيات وعايشة عودة، ودالية طه، وشذى حنيش وأسماء عزايزة، وهلا شروف، وغيرهن؟ لماذا لم تشرك الوزارة مبدعي البلاد الحقيقيين في اختيار الكاتبات؟ لماذا هذه الفجوة المستمرة، بين وزارة الثقافة وبين المبدعين؟
ولكن مهلاً، لماذا كل هذا النواح؟ هذا يحدث في كل بلد من العالم العربي، أقول لنفسي معزيًا، في الأردن مثلًا، صُعق المبدعون الحقيقيون قبل أسابيع، من أمسيات شعرية لشعراء غير معروفين، على هامش مهرجان جرش، وبإشراف من رابطة الكتاب الأردنيين، الفضائح هناك هي نفسها التي هنا، عنوانها الركاكة، في كل بلد عربي ثمة مهرجان للركاكة الشعرية، (المفجع هو أن القائمين على هكذا مهرجان لا يعرفون أنهم عنوان للركاكة، بالعكس هم ينظرون للمبدع الحقيقي بأنه عنوان للغموض والتغريب والتعقيد اللغوي، وضياع الهوية، والتخلي عن الالتزام، بقضايا الأمة).
إذن يبدو أن هذا قدر الثقافة الحقيقية في عالمنا العربي، فاهدأ إذن، لن أهدأ سأسأل: هل تحدث هذه الركاكة في أوروبا؟ لا أظن ذلك، لا أحد يجرؤ هناك على إقامة مهرجان لشعراء تم اختيارهم لأسباب شخصية أو عائلية أو حزبية، هناك احتمال أن يتم انتقاد مهرجان أدبي لأسباب إدارية أو مالية أو سياسية، لكن أن يتم مهاجمة مستوى قصائد المشاركين، لم أسمع عن ذلك؟ وأتمنى أن أكون مخطئًا.
في تاريخ ركاكة شعر المهرجانات العربية ثمة نماذج كثيرة حفظتها لنا الصحافة الثقافية، ففي مقال نشره بشير البكر عام 2024 بعنوان «شعراء المهرجانات العرب»، وصف ظاهرة انتشار المهرجانات الشعرية وتكرار الوجوه فيها، وقال إن بعض هذه المهرجانات لم ينتج، رغم كثرتها، قصيدة أحدثت أثرًا أو ندوة ذات قيمة، والأمر لا يقتصر على النقد الصحفي.
فقد كتب الشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري عن ازدياد المهرجانات الشعرية، وانتقد منظمي مهرجانات قال إن بعضهم لا علاقة له بالشعر ولا معرفة له بالشعراء، واتهمهم باستدعاء «العيال على الشعر وأدعياءه»، واعتبر أن المشهد الثقافي المغربي يعاني من الشللية في الملتقيات والإعلام وحفلات التكريم.
