الاقتصادية

مختصون: الجودة والإدارة المالية أساس استدامة ونمو المشروعات المنزلية

25 أغسطس 2026
25 أغسطس 2026

تتجه المشروعات المنزلية في سلطنة عمان نحو التحول من أنشطة توفر دخلا إضافيا للأسر إلى مشروعات قادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل وبناء علامات تجارية، إلا أن نجاح هذا التحول يتطلب أكثر من زيادة المبيعات، إذ ترتبط استدامة المشروع بثبات الجودة والإدارة المالية والتسويق والابتكار والقدرة على الاستفادة من التحول الرقمي والوصول إلى أسواق أوسع.

ويؤكد مختصون أن قطاعات المنتجات الغذائية والحرفية والخدمات الرقمية تمتلك فرصا واعدة للنمو، شريطة توفير منظومة دعم متكاملة تشمل التدريب والتمويل والتسويق والتوجيه وتسهيل الوصول إلى الأسواق، بما يمكّن المشروعات المنزلية من تجاوز نطاقها المحدود والتحول إلى أنشطة إنتاجية مستدامة تسهم في تنويع الاقتصاد الوطني.

Image

مقومات النجاح

قال الدكتور عبدالله بن خلفان العزري، نائب مساعد الرئيس للشؤون الأكاديمية بفرع جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بإبراء: من السهل أن ينجح المشروع في جذب الانتباه في بدايته، لكن الأصعب هو أن يحافظ على ثقة العميل، ولهذا تبقى الجودة والاستمرارية من أهم مقومات النجاح، فالعميل الذي يشتري المنتج مرة بسبب الإعلان قد لا يعود إليه إذا وجد أن الجودة تغيرت أو أن موعد التسليم لم يحترم أو أن خدمة ما بعد البيع لم تكن بالمستوى المطلوب، كما أن تغير أذواق المستهلكين يتطلب من صاحب المشروع أن يكون قادرا على التطوير والابتكار. فالمنتج الذي ينجح اليوم قد يحتاج إلى تعديل غدا، والسوق الذي كان مناسبا للمشروع قد يصبح أكثر تنافسية مع مرور الوقت، وهنا تظهر أهمية التعلم المستمر، ليس فقط في مجال صناعة المنتج، وإنما في الإدارة والتسويق والتقنية والمالية.

وأضاف العزري أنه من أكثر الجوانب التي قد لا تحظى بالاهتمام الكافي في المشروعات المنزلية الإدارة المالية، فقد يحقق المشروع مبيعات جيدة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يحقق أرباحا حقيقية، ومن المهم أن يعرف صاحب المشروع تكلفة المنتج بدقة وأن يفرق بين الإيرادات والأرباح وأن يفصل أموال المشروع عن أمواله الشخصية. كما أن إعادة استثمار جزء من الأرباح في تطوير المعدات وتحسين التغليف وتوسيع التسويق وتطوير المنتج، قد تكون أكثر أهمية من سحب جميع الأرباح للاستهلاك الشخصي. وهنا تحديدا يبدأ المشروع في اكتساب عقلية استثمارية؛ أي أن المال المتحقق من المشروع لا ينظر إليه باعتباره دخلا فقط، وإنما باعتباره أداة للنمو.

ويرى العزري أن التحول الرقمي من أكثر العوامل التي أعادت تشكيل مستقبل المشروعات المنزلية، فالمشروع الذي كان يعتمد في السابق على العملاء في الحي أو الولاية أصبح قادرا على الوصول إلى عملاء في محافظات أخرى، بل وإلى أسواق خارج سلطنة عمان، متى ما توفرت لديه القدرة على التسويق والتوصيل والالتزام بالمتطلبات اللازمة.

كما أسهم انتشار وسائل الدفع الإلكتروني وخدمات التوصيل في جعل عملية البيع أكثر سهولة، بينما وفرت المنصات الرقمية أدوات تسويقية لم تكن متاحة لصاحب المشروع الصغير في السابق، وهذا يعني أن المنافسة لم تعد محلية فقط، فصاحب المشروع العماني اليوم ينافس منتجات أخرى تصل إلى المستهلك من داخل سلطنة عمان وخارجها، ولذلك فإن التحدي لم يعد مجرد إنتاج السلعة، وإنما إنتاج سلعة ذات جودة وقيمة وهوية تستطيع أن تجعل المستهلك يختارها.

الاستمرار والنمو

وأوضح العزري أن مستقبل المشروعات المنزلية في سلطنة عمان لا يرتبط بعدد المشاريع التي تبدأ كل عام، وإنما بعدد المشاريع التي تستطيع الاستمرار والنمو وخلق قيمة اقتصادية حقيقية، ومن المهم أن ننتقل في نظرتنا إلى هذه المشروعات من كونها "مشروعات صغيرة" إلى كونها مشروعات في مرحلة مبكرة؛ فالصغر قد يكون مرحلة، لكنه لا ينبغي أن يكون سقفا للطموح.

وأشار إلى أنه قد يكون من المفيد أن يركز الدعم خلال المرحلة المقبلة على مساعدة المشاريع الواعدة في الانتقال إلى مستويات أعلى من الإنتاج، وتطوير علاماتها التجارية وتحسين قدراتها الرقمية وربطها بالأسواق وسلاسل التوريد، وتعزيز الثقافة المالية والإدارية لدى أصحابها. فالمشروع المنزلي الناجح لا يقدم فائدة لصاحبه وأسرته فقط؛ بل يمكن أن يكون بداية لعلامة تجارية عمانية وفرصة عمل ومصدرا للطلب على موردين محليين، ومنتجا قادرا على المنافسة خارج حدود سلطنة عمان؛ فالاقتصاد المتنوع لا يُبنى فقط بالمشروعات الكبيرة، وإنما يبدأ أيضا من الأفكار الصغيرة التي تجد البيئة المناسبة للنمو، وربما يكون أحد أهم التحولات الاقتصادية التي نحتاج إلى ترسيخها هو أن تتحول الأسرة من مجرد مستهلك إلى منتج، ومن صاحب مهارة إلى رائد أعمال، ومن مشروع منزلي محدود إلى قيمة اقتصادية عمانية قابلة للاستمرار والمنافسة.

الجودة والإدارة المالية

من جانبه قال عاطف بن عبد الصمد البلوشي محاضر بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية: حتى اليوم ما زالت المشاريع المنزلية في سلطنة عُمان محدودة الأثر، إذ لا تتجاوز مساهمتها في الناتج المحلي 1%، وغالبا ما توفر دخلا إضافيا لا رئيسيا للأسر، لكن التجربة الفيتنامية أثبتت نجاح هذا النموذج؛ فقد أسهمت المشاريع المنزلية بنحو 13% من الناتج المحلي، ووفرت أكثر من 8 ملايين فرصة عمل، لذلك، هذا النشاط واعد في عمان، لكنه يحتاج إلى التمويل والتدريب والتسويق والتوجيه حتى يتحول إلى مصدر دخل حقيقي ومستدام.

وأشار البلوشي إلى أن توسع المشروعات المنزلية من شأنه أن ينشط الاقتصاد المحلي ويخلق فرص عمل ويزيد دخل الأسر، كما يمكن أن تصبح هذه المشروعات صناعات تكميلية توفر الخدمات والمدخلات للمؤسسات الأكبر، والأهم أنها قد تشكل اللبنة الأساسية لنظام ريادي يحول المجتمع من ثقافة البحث عن الوظيفة إلى ثقافة صنع الفرصة؛ فقد يبدأ المشروع من مرآب المنزل ثم يتحول إلى مؤسسة منتجة ومستدامة.

Image

وأضاف البلوشي أن بعض المشروعات المنزلية تنجح في التحول إلى علامات تجارية، بينما تتوقف أخرى عند نطاق محدود وذلك لأن رحلة التحول من مشروع منزلي إلى علامة تجارية طويلة، وتعتمد على طبيعة النشاط. فالعلامة التجارية لا تعني الاسم والشعار فقط، بل الثقة التي تتكون بين المستهلك والمنتج من خلال الجودة الثابتة، كما أنه لا بد من وجود بيئة داعمة واستعداد الجهات التمويلية والمجمعات التجارية للتعامل مع هذه المشروعات، كما يحتاج صاحب المشروع إلى المعرفة والمهارة لاكتشاف حاجة في السوق وتحويلها إلى قيمة مضافة، وكذلك يأتي دور التمويل والسيولة والقدرة على رفع الإنتاج والتوزيع دون التنازل عن الجودة، أما المشروعات التي تتوقف عند نطاق محدود، فعادةً ما تفتقد واحدا أو أكثر من هذه العناصر، خاصة ثبات الجودة والسيولة والتسويق والقدرة على زيادة الإنتاج والتوزيع، مشيرة إلى أن سهولة الوصول إلى الأسواق الرقمية خفضت الحواجز أمام أصحاب المشروعات المنزلية إلى حد ما؛ فالأسواق الرقمية خفضت تكلفة الدخول وسهلت الوصول إلى المستهلك لكنها لم تلغِ الحواجز، بل أوجدت تحديات تقنية وقانونية ومهارية جديدة، وأوضح بالقول: في أحد أبحاثنا وضعنا الطلبة في بيئتين مختلفتين: سوق داخلي منظم في حرم الجامعة، وموقع إلكتروني أنشئ لأغراض البحث، وعلى الرغم من تدريبهم على إدارة المبيعات والترويج الإلكتروني والتقليدي، كانت نتائج البيع عبر الإنترنت خجولة، بينما حققوا نتائج مبهرة عبر نقاط البيع داخل الحرم، والاستنتاج أن سهولة إنشاء قناة للبيع الإلكتروني لا تعني سهولة تحقيق المبيعات؛ فالنجاح يحتاج إلى المهارة والثقة والتسويق الفعال وأنظمة الدفع والتوصيل والالتزام بالمتطلبات القانونية.

وبين البلوشي أن أهم ثلاثة عوامل تحدد قدرة المشروع المنزلي على الاستمرار والتوسع أولًا جودة المنتج وثباته وقدرته على تقديم قيمة حقيقية تبني ثقة المستهلك، ثانيًا امتلاك صاحب المشروع المهارات الإدارية والتسويقية و المالية، إلى جانب التمويل والسيولة اللازمة لزيادة الإنتاج، ثالثا وجود بيئة داعمة تتيح الوصول إلى الأسواق، سواء عبر المنصات الرقمية أو المجمعات التجارية مع تسهيل الإجراءات القانونية والتقنية، هذه العوامل الثلاثة هي التي تحدد ما إذا كان المشروع سيبقى محدودا أم يتحول إلى علامة تجارية مستدامة.

ويرى البلوشي انه لا أن أكبر فرص نمو المشروعات المنزلية في سلطنة عمان تتركز في ثلاث قطاعات، هي المنتجات الغذائية مثل الصلصات والبهارات والحلويات والتمور والمخبوزات؛ لأنها منتجات مطلوبة بشكل مستمر، وبإمكانها الانتقال من المطبخ المنزلي إلى المجمعات التجارية والأسواق الخارجية. وكذلك الصناعات الحرفية والإبداعية مثل البخور والعطور واللبان والمنسوجات والفخار والهدايا العمانية؛ لارتباطها بالهوية العمانية والقطاع السياحي. إضافة إلى الخدمات الرقمية مثل التصميم والتسويق الإلكتروني وصناعة المحتوى والتصوير والبرمجة؛ لقلة تكلفتها وقدرتها على الوصول إلى أسواق خارج سلطنة عمان.

كما أضاف البلوشي أنه بإمكان التجارة الإلكترونية نقل المشروعات المنزلية من السوق المحلي إلى الأسواق العالمية، ولكن الكميات التي تنتجها بعض هذه المشروعات قد لا تكون كافية لجعل التصدير مجديا، خاصة مع تكاليف التغليف والشحن. حيث إن هناك نقصا في مهارات إدارة المنتجات والتسعير والترويج والتعامل مع الطلبات عبر المنصات الإلكترونية. وأيضاً لا يكفي مجرد عرض المنتج إلكترونيا؛ بل يجب على الأسرة أولا بناء اسم تجاري أو علامة تجارية محليا تمنح المستهلك والموزع الثقة بأن المنتج ذو جودة، ومستوف للفحوصات والاشتراطات الأساسية، بعد ذلك تصبح التجارة الإلكترونية أداة حقيقية للتوسع والوصول إلى الأسواق الخارجية.

وأضاف البلوشي أن سلطنة عمان بحاجة إلى منظومة دعم أكثر تكاملاً تربط بين الترخيص والتمويل والتدريب والتسويق والتوسع؛ فالترخيص وحده لا يصنع مشروعا ناجحا، والتمويل دون مهارات أو اختبار حقيقي للسوق قد يتحول إلى عبء على صاحب المشروع، لذلك، فالحاجة ماسة إلى منظومة متكاملة تبدأ بالتدريب ثم اختبار المنتج في السوق، وبعدها الترخيص والتمويل والتسويق والتوسع.

ومن هنا تأتي فكرة إنشاء معهد تدريبي متكامل لا يكتفي بالتدريب النظري، بل يضع المتدربين في بيئة تحاكي الواقع؛ بحيث يشكلون فَرقا ويطورون منتجاتهم ويحددون الأسعار ويسوقونها ويتعاملون مع عملاء حقيقيين ويحققون إيرادات خلال البرنامج، وبذلك لا يتخرج المتدرب بشهادة فقط، بل بمشروع أثبت قدرته على البيع وأصبح جاهزا للحصول على التمويل والتوسع في السوق.

Image

من جانبها قالت الدكتورة مطلوبة بنت أيوب الزدجالية عضو غرفة صناعة وتجارة عمان: انه هناك العديد من القطاعات التي تمتلك فرصة للنمو من خلال المشروعات المنزلية في سلطنة عمان ولديها فرص واسعة، خصوصا في الأغذية والمنتجات العمانية التقليدية، الصناعات الحرفية والعطور والبخور والأزياء والتصميم والمنتجات التجميلية المسموح بها، المنتجات السياحية والهدايا، والخدمات الرقمية والتصميم والمحتوى.

وأعتقد أن المنتجات المرتبطة بالهوية والثقافة العُمانية لديها فرصة مميزة، لأنها لا تستهدف المستهلك المحلي فقط، وإنما يمكن تسويقها أيضًا للسياح وللأسواق الخارجية إذا تم تطوير المنتج والتغليف والعلامة التجارية بالشكل المناسب.

وأضافت الزدجالية ان التجارة الإلكترونية يمكن أن تكون بوابة التصدير للمشروع المنزلي، فهي تسمح لصاحب المشروع بعرض منتجاته أمام عملاء خارج سلطنة عمان دون الحاجة في البداية إلى وجود متجر أو فرع في الدولة المستهدفة، لكن الانتقال للأسواق الخارجية يحتاج إلى أكثر من إنشاء متجر إلكتروني؛ يجب الاهتمام بالمواصفات والتغليف والدفع الإلكتروني والشحن وخدمة العملاء، والامتثال للأنظمة في الدول المستهدفة.

وأكدت الزدجالية ان نجاح المشروع لا يعتمد على جهة واحدة؛ بل نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة تبدأ بتسهيل الترخيص ثم التدريب ثم توفير التمويل المناسب ثم المساعدة في التسويق والوصول إلى الأسواق، وبعد ذلك دعم التوسع والتصدير.

والأهم أن يكون الدعم متدرجا حسب مرحلة المشروع؛ فالمشروع الناشئ يحتاج إلى شيء مختلف عن المشروع الذي أصبح لديه منتج وعملاء ويريد التوسع.