حمدة تخلع عن أمي ثوب الإنكار
في زاوية غير بعيدة، استندت إلى الأريكة بتثاقل، يحاذيها التلفاز، تنتظر بدء شارة مسلسلها البدوي المفضّل. تطلّ البطلة من نافذته بعينين واسعتين غمرهما الكحل بكثافة، فتفتن به وتغويها لتجربته، فتتذكّر كحل الأثمد الذي وضعته بمروده النحاسي في رفّ مهمل منسيّ في ثلّاجة المطبخ. ينبعث صوتها إليّ بإلحاح:
ــ ناوليني مرود الكحل يا مريم...
كنتُ منصبّة على إعداد وجبة الغداء، بعد مدة من الانقطاع شغلني فيها عنه طارقُ الحزن الذي ألمّ ببيتنا وهزّ أركانه. ها قد فرغ المطبخ أخيرا من جموع الغرباء وتنفس الصعداء. كم أبدو ممتنّة لهذه الظهيرة الاستثنائية التي سأطهو فيها الغداء بنفسي، بلا أياد دخيلة ووجوه ثقيلة.
أتفقد أركانه بشوق جارف، فأطيل النظر إلى كل زاوية فيه، المائدة التي فرغت منها الضحكات، والفرن، ورفوف الأواني المصفوفة بعناية بأطباقها متباينة الأحجام، وأطقم الفناجين وكؤوس الشرب.
أمدّ يدي نحو الرفوف العلوية وأخرج علب البهارات، أفتح أغطيتها واحدا تلو الآخر، وأقرّبها من أنفي وأشمّها باشتهاء.
يداهمني وجهه مشرقا وهو يحرك اللقمة بيده اليمنى ويبتسم ابتسامته الأرنبية التي اشتقت إليها أكثر من أي شيء:
ــ من لذائذ الحياة ومتعها (المكبوس) الذي تصنعه حبيبتي مريم.
قالها وهو يشير إلى الطبق فأقرر أن أطهو (مكبوسا) على الفور، لكنني وجمت في مكاني عندما أتاني صوتها تطلب الاكتحال! لقد اكتحلت عيناها بالبؤس طوال هذه المدة دون أن ينقضي، أهي محاولة لانتزاعه منهما فتعود إليّ عيناها الضاحكتان؟
يأتيني صوتها نافِرا هذه المرة:
ــ ألم تسمعيني؟ هيا، لا تُبطئي.
خلعتُ قفازات الطهي ومضيتُ إليها خالية اليدين، نظرت إليَّ بغرابة:
ــ أين الكحل؟
اقتربتُ منها وقد أسندتُ يدي على جذعها بحنو، يخترق صوتُ (حمدة) بطلة المسلسل البدوي (راس غليص) حالةَ الصمت التي حالت بيننا، بوشمها البدوي التقليدي المرسوم على ذقنها بعناية، وعينيها الصارمتين رغم سحرهما.
ليتها تقوم بهذه المهمة عني، وتخرج من شاشة التلفاز، وتنزع الكحل العربي من عينيها، بل وتلك القلائد والأساور الفضية التي تتوشح بها وترنّ بخفوت كلما أقبلت بحسنها وأدبرت. لكن حمدة لم تفعل شيئا، وظلت متسمرة أمام الشاشة، في صراعها مع القبائل التي أفسدت فرحتها بزواجها من فارس قلبها (ردّاد).
قلتُها بجسارة:
ــ تعرفين يا أمي أنكِ في حالة لا يسمح لكِ فيها بوضع الكحل والزينة، أنتِ في العِدّة.
نظرت إليّ بريبة، في محاولة منها لتغيير الموضوع:
ــ لا تنسي نصيب أباكِ من الغداء، ضعيه في حافظة الطعام الفضية، لقد جهزتُها له. هيا عودي إلى المطبخ. أشاحت بنظراتها شاردة، لا أدري إلى أين، أإلى الشاشة حيث تستقر عيناها، أم إلى عالم آخر، عالم يسكنه غياب أبي الذي ينهش تفكيرها؟
انتبهت إلى شارة المسلسل وهي تعلن نهاية الحلقة. نهضت إلى غرفتها، وأشعلت قليلًا من البخور. فتحت الدولاب، وأخرجت المنامة القطنية التي يفضّلها كثيرا. لطالما ناكفتْه على ضرورة رميها والاستغناء عنها، لكنه كان يشاكسها قائلا:
ــ هل تجثم على صدرك؟ أحب منامتي وأنا سعيد بارتدائها.
تبسط طاولة الكي، وتطرحها فوق ظهرها لتهمّ بكيّها. لطالما كان يعمل بنظام أسبوعين في صحراء مرمول ثم لا يلبث أن يعود ليقضي أسبوعين آخرين برفقتها وأبنائه، لكنه هذه المرة تأخر كثيرا ولم يعد...
تنتبه إلى المنامة فترفعها لتثبتها في علّاقة قديمة أُسندت إلى الباب، تدسّ المبخرة داخلها فينبعث دخانها بكثافة، تطير مع غيماته وتغرق في دوامة فكرها، تشتعل كهذا الجمر كلما حدّثوها عن حقيقة غيابه. الخبر الذي باغتها كالصاعقة ويوشك أن يحيل قلبها رمادا لولا إصرارها على إنكاره.
كم هي عنيدة لا تسمح لي بالاقتراب من غرفتها. كنت سأفرغ الدولاب من أشيائه ومقتنياته، وأفرغ ذكرياته الشاهدة أمام ناظريها لعلها تصدّق فكرة غيابه، ليبقى وحده يقظا في ذاكرتنا، عصيا على النسيان.
تواصل الرنين على هاتفه الذي خبأته بحرص شديد في تجويف السرير الخاص بي، أجاريها بسؤال فارغ:
ــ هل ردّ عليك؟
ــ نعم، يسلّم عليكم ويسأل عنكم واحدا واحدا.
تستيقظ أمي كعادتها كل صباح، تحضّر الشاي وخبز الرخال المحلّى على الطريقة التي يحبها أبي. لا تبرح تلك الخبيزات المدهونة بالسمن والسكر مكانها، تطيل النظر إليها ببؤس شديد، ثم تفرغها في سلة البهائم.
تنتبه إلى سيارته السوداء (الجيب) القابعة بوجوم في مكانها منذ أشهر، تحضر إسفنجة غسيل ناعمة، ومنظف زجاج، ومنشفة صغيرة، وتطرحها كلها في طشت صغير مستدير، ثم تدلف به إلى الحوش، تتيبس أمامها كغصن ذابل، يطلّ عليها طيفه، فتناوله العُدّة وهي تتمتم:
ــ عليك ألّا تتأخر، ستقصد عرصة السمك لتجلب لنا بعض السَّهوة للغداء.
لم تمتثل أمي لما شاءه القدر وتصر على نكرانه. إنها تحتفظ بأبي في كل تفاصيل حياتها، وتتمسك بوجوده كما لو أنه بيننا، يخيل إليها أنه يحدثها فتحدثه، تُسرّ إليه بحديث كالهمس، وتشكونا إليه ناقمة، وقد تطلق ضحكة رنانة مريرة في المكان تفتت أكبادنا ثم تفسرها قائلة وهي تدس وجهها في طرف ثوبها:
ــ لقد أضحكني أبوكم كعادته...
تعود حمدة من جديد لتتسيّد شاشة التلفاز كأميرة على عرش. تحتدم الأحداث، تراقبها أمي بحذر، وتضع يدها على قلبها خشية أن يباغتها الحزن على حبيبها رداد، لكن غليص لم يحفل بقلب أمي اللاهث على حمدة، فيقوم هو ورجاله بالهجوم على رداد وقتله غدرا، ثم تُساق حمدة إلى الأسر بلا رحمة.
يسيح الكحل من عينيها الفاتنتين كمطر أسود وهي تصرخ بحرقة أسفا على رداد. وثبت أمي من جلستها في ذهول وجثمت على ركبتيها وأخذت تنتحب وتبكي بغزارة. لم يحدث أن سالت من عينيها دمعة واحدة منذ رحيل أبي.
تظن حمدة أن أمي كانت تشاطرها الحزن وأنها خلعت فؤادها على مصيرها المشؤوم كما ظننت أنا للوهلة الأولى لكنها كانت تبكي رحيل أبي المباغت في حادث السير الذي أخذه منا وكأنه سيق إليها للتو.
لم يكن رداد هو الذي مات بل أبي، ووحدها حمدة هي التي خلعت عنها ثوب الإنكار، لتصدّق أمي أخيرا فكرة موته وتسلّم بها.
زكية الشبيبي قاصة عمانية
