العرب والعالم

نساء غزة خارج العناوين.. "ختام " احدى الناجيات اللواتي لم تنتهِ حربهن

22 أغسطس 2026
22 أغسطس 2026
خمس اطفال وبيت مفقود وزوج خلف القضبان

عزة -د. حكمت المصري : تستيقظ ختام شعبان، 36 عامًا، في خيمة مهترئة، تتفقد أبناءها الخمسة النائمين إلى جوارها، ثم تبدأ يومًا جديدًا في محاولة إعداد ما تيسر من الطعام. تنظر إلى وجوههم واحدًا واحدًا، قبل أن تبدأ رحلة البحث من أجل البقاء.

نزحت ختام أكثر من 20 مرة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة. في كل مرة كانت تحمل أطفالها وتترك خلفها مكانًا ظنته مأوى، لتجد نفسها مضطرة إلى الرحيل مجددًا لكن النزوح لم يكن وحده ما أثقل حياتها.

في ديسمبر2023، اعتُقل زوجها أحمد من مدرسة خليفة شمال قطاع غزة، ومنذ ذلك الوقت تعيش الأسرة على وقع الانتظار.

لا تعرف ختام الكثير عن مصيره. تجمع أخباره من الأسرى الفلسطينيين الذين يُفرج عنهم، تسألهم عن اسمه ومكان وجوده، حتى أخبرها أحد المفرج عنهم بأنه موجود في سجن النقب.

منذ ذلك الحين، أصبحت قوائم أسماء الأسرى المقرر الإفراج عنهم جزءًا من يومها. كلما سمعت عن صفقة تبادل أو إفراج، تبحث عن اسم أحمد.

تقول: "نبقى في حالة قلق شديد نبحث عن قوائم الأسماء علّنا نجد اسم أحمد بينهم، لكننا دائمًا نفشل، فنأخذ في البكاء".

فقدت ختام منزل العائلة في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وتقول إن المنزل أصبح ضمن منطقة لا تستطيع الأسرة الوصول إليها. ومع فقدان البيت وغياب الزوج، وجدت نفسها أمام مسؤولية خمسة أطفال أكبرهم 14 عامًا.

أصبحت ختام، كما تقول، الأب والأم والمعيلة في آن واحد.

تحاول أن تنجو بأطفالها وسط حياة قاسية تتداخل فيها آثار النزوح والفقر وشح الغذاء والمياه وارتفاع تكاليف المعيشة. وفي خيمتها الصغيرة، لا تبدو الحرب خبرًا بعيدًا؛ إنها تفاصيل يومية تبدأ بالطعام وتنتهي بالخوف.

لكن خوف ختام على زوجها ازداد بعد الأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام بشأن اقتراح وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إقامة خنادق مائية حول سجن النقب وإدخال التماسيح إليها، قبل أن تتحدث تقارير في يوليو 2026 عن بدء أعمال مرتبطة بالمشروع.

بالنسبة إلى ختام، لم يكن الخبر مجرد قصة سياسية، بل تعلق بالرجل الذي ينتظره أطفالها منذ أكثر من عامين ونصف.

تقول: "أخذت أبكي طوال الليل عندما سمعت عن التماسيح. منذ ذلك الوقت وأنا أرى كوابيس في منامي. أبنائي أخذوا يبكون على والدهم وعلى مصيره المجهول".

ويأتي خوفها في ظل ارتفاع أعداد الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023. وبحسب بيانات مؤسسات الأسرى الفلسطينية، تجاوز عدد الفلسطينيين المحتجزين 9,600 أسير ومعتقل في أبريل 2026، بينهم نحو 86 أسيرة و350 طفلًا، فيما بلغ عدد المعتقلين الإداريين 3,532.

لكن الأرقام لا تستطيع أن تشرح معنى الانتظار بالنسبة إلى أم لا تعرف متى يعود زوجها، ولا كيف سيعود، ولا ما الذي بقي منه بعد سنوات من الاحتجاز.

تقول ختام إنها سمعت من أسرى أُفرج عنهم عن مشكلات صحية ونفسية يعاني منها كثير من المعتقلين بعد الإفراج عنهم.

"أتمنى أن يخرج زوجي بسلام. معظم الأسرى الذين يتم الإفراج عنهم يخرجون بمشكلات صحية كبيرة، ومشكلات نفسية أكبر نتيجة ما يتعرضون له من تعذيب وانتهاكات وظروف صعبة داخل السجون" تقول.

داخل خيمة ختام، تبدو الحرب في تفاصيل أكثر بساطة وقسوة. حر شديد يتصبب معه أطفالها عرقًا، وقوارير تنتظر شاحنة المياه لملئها، وملابس تحتاج إلى الغسل، وطعام تحاول توفيره بما تبقى لديها من إمكانات.

وبينما كانت تعد الطعام لأطفالها، قالت: "كنت أتمنى أن يكون زوجي بيننا حتى نتقاسم هذا الألم، منذ ثلاث سنوات وأنا أتحمل المسؤولية لوحدي، أنام وأصحو وأنا أصارع من أجل البقاء، أخشى على أبنائي من هذه الحرب، وأتمنى أن يتم الإفراج عن زوجي حتى يستلم بعض المهام عني".

قصة ختام ليست قصة امرأة واحدة. خلف الخيام الممتدة في غزة نساء فقدن أزواجهن أو أبناءهن أو بيوتهن، وأخريات ينتظرن أسيرًا أو مفقودًا، فيما تحاول جميعهن الاستمرار في أداء أدوار لم يخترنها.

فالمرأة التي نجت من القصف لم تنجُ بالضرورة من الحرب. قد تنجو من الموت، لكنها تجد نفسها أمام نزوح متكرر، وفقدان، وفقر، وخوف على الأطفال، ومسؤولية إعالة أسرة، وانتظار لا يعرف موعدًا للنهاية.

لهذا، تبقى نساء غزة خارج العناوين؛ لأن العناوين تتحدث عن أعداد القتلى والنازحين والمعتقلين، بينما خلف كل رقم امرأة تحمل حكاية كاملة.

ختام واحدة منهن؛ امرأة فقدت بيتها، وغاب زوجها، وحملت خمسة أطفال على كتفيها، وما زالت كل صباح تستيقظ لتبحث عن الطعام والماء، وكل مساء تنام على أمل أن يأتي يوم تسمع فيه طرقًا على باب خيمتها، فيعود أحمد.

لقد نجت ختام من الموت، لكن حربها لم تنتهِ بعد.