"السهر" .. إقبال متزايد على طلبات الطعام واستنزاف لصحة الأبناء وميزانية الأسر
تغيرت تفاصيل الحياة اليومية لدى كثير من الأسر خلال الإجازة الصيفية، فيتأخر نوم الأبناء وتزداد ساعات بقائهم في المنزل، ما يرفع من إقبالهم على طلب الوجبات الجاهزة، خاصة في ساعات الليل المتأخرة. ويرى أولياء الأمور أن السهر وطول فترة البقاء في المنزل من أبرز أسباب هذه الطلبات، في حين يحاول الآباء الموازنة بين تلبية رغبات أبنائهم وتشجيعهم على البدائل المنزلية الصحية. ويؤكد المختصون أن الإفراط في الوجبات السريعة والسهر قد يؤثران في صحة الأبناء وعاداتهم الغذائية، مشددين على أهمية دور الأسرة في تنظيم أوقات النوم والطعام، ووضع حدود واضحة دون اللجوء إلى المنع المطلق.
تقول انتصار الندابي إن طلب الأبناء للطعام من الخارج يزداد خلال فترة الإجازة الصيفية، مقارنة بأيام الدراسة، ويرجع ذلك إلى تغير نمط الحياة والسهر لساعات متأخرة خلال الإجازة، مشيرة إلى أن السهر ليلا يعد من أبرز الأسباب التي تدفع الأبناء إلى طلب الوجبات في أوقات متأخرة.
وحول كيفية تعاملها مع هذ السلوك، قالت: أحاول تحقيق التوازن من خلال إقناع الأبناء بتناول وجبات معدّة في المنزل، مع الحرص على أن تكون مشابهة للوجبات التي يفضلون طلبها من الخارج، بما يجعل البديل المنزلي أكثر قبولا لديهم. كما أوضحت لهم أن الاعتماد المتزايد على طلب الطعام من الخارج يؤثر على ميزانية الأسرة على المدى البعيد، خاصة مع الرسوم الإضافية التي تفرضها تطبيقات طلب الطعام، مثل الضرائب وعمولات التوصيل وغيرها من الرسوم، إلى جانب ما وصفته بزيادة اعتماد الأطفال على الرفاهية حتى في خياراتهم الغذائية.
ويرى راشد بن سليمان الريامي أن تناول الأبناء للطعام ليلا لا يعود دائما إلى حاجة حقيقية، إذ قد يتحول مع السهر إلى عادة مرتبطة بمشاهدة البرامج واستخدام الأجهزة الإلكترونية، كما قد يفضل بعض الأبناء إعداد الطعام بعد نوم الوالدين، رغبة في تناول ما يشتهونه بحرية. مضيفا: لا أمانع من إعداد أطعمة لأنفسهم ولكن بشرط أن تكون صحية، موضحا أن المنع التام ليس الحل الأفضل دائما، وأن بناء العادات الغذائية الصحية يحتاج إلى التدرج والتوجيه، وما يعتاده الطفل في سنواته الأولى قد ينعكس على اختياراته الغذائية ونمط حياته وصحته مستقبلا.
من جانبها تقول حنان بنت عبدالرزاق: تزداد طلبات الأبناء في الفترة المسائية لمكوثهم في المنزل فترة طويلة وعدم الخروج يوميا، ومع السهر الطويل يحتاجون إلى وجبات غذائية غير وجبة العشاء التي تطبخ في المنزل، لذا نضطر إلى تلبية رغبتهم وشراء وجبات أغلبها غير صحية وتؤثر على صحتهم ونشاطهم. وتضيف: لذلك أصبحت أتعامل مع الموقف بعدم تلبية طلباتهم، والبحث عن بديل صحي في المنزل، ولكن في كثير من الأحيان يصر الابن على الطلب من الخارج وتجربة طعام جديد أو وجبة دسمة، كما أحاول أن أوضح له سلبيات هذه الوجبات ووضع قواعد صحية في تغذية الأطفال ليلا.
السهر والتغذية
تقول حكمت بنت شويرد اليعقوبي رئيسة قسم التغذية بمستشفى عبري: من المعروف خلال الإجازة الصيفية، يتغير التوقيت في كل بيت وتتغير معه أنماط الحياة، فيحلو للأبناء السهر حتى ساعات متأخرة ويرافق هذا السهر -في كثير من الأحيان- إقبال متزايد على تناول الوجبات السريعة والمشروبات السكرية في وقت متأخر من الليل، بصفتي أخصائية تغذية علاجية وقبل ذلك أمّ تعايش هذه التفاصيل اليومية في بيتها، فما أود أن أوضحه هو رؤية صحية للتعامل مع هذه الظاهرة.
وأشارت إلى أن السهر ليس مجرد تأخير في وقت النوم، بل هو إرباك مباشر للساعة البيولوجية للجسم من خلال اختلال الهرمونات عند السهر، وينخفض هرمون "الجلبتين" المسؤول عن الشبع، ويزداد إفراز هرمون "الجريلين" المسؤول عن الجوع، وهذا ما يعطي الأبناء الشعور بالجوع رغم تناوله وجبة العشاء مسبقا، بالإضافة إلى الرغبة في الطاقة السريعة لأن الدماغ مجهد بسبب قلة النوم ويبحث عن مصدر سريع للطاقة، ولا يجد أسرع من السكريات والدهون لتعويضه.
كما أشارت إلى أن تناول الوجبات الدسمة والسريعة في ساعات متأخرة يحمل أضرارا صحية مباشرة منها عسر عمليات الهضم، مما يؤدي إلى الحموضة، والارتجاع، ونوم غير مريح، كما يؤدي إلى زيادة الوزن والدهون بسبب كثرة السعرات الحرارية التي لا يستهلك منها شيء بالحركة ليلا وتتحول مباشرة إلى دهون مخزنة، إضافة إلى ارتفاع مستويات السكر بسبب تناول الوجبات السريعة الغنية بالنويات المكررة التي تسبب قفزات سريعة في سكر الدم، تعقبها حالة من الخمول والكسل في اليوم التالي.
وبينت إخصائية التغذية البدائل الصحية المناسبة للعشاء والتي تلبي رغبة الأبناء، وهي تقديم اللبن أو الزبادي مع الفواكه مثل الركائز الصيفية (البطيخ، الموز، المانجو، الفراولة)، فهو مرطب ومغذي ويساعد على التهدئة قبل النوم. وتناول الشوفان بالحليب والمكسرات يعد خيارا دافئا وخفيفا يمنح الشعور بالشبع لفترة أطول، كما يمكن إعطائهم الذرة المشوية أو المسلوقة، وتعد وجبة ممتازة ولذيذة يفضلها الصغار والكبار، أو تناول ساندويتشات خفيفة بالخبز الأسمر مع جبن قليل الدسم أو بيض مسلوق مع شرائح الخيار والطماطم.
وأوضحت أخصائية التغذية أنه يمكن للأسرة أن تنظم العادات الغذائية خلال سهر الأبناء لفترات متأخرة من الليل، وأن التنظيم لا يعني الحرمان بل يتطلب مرونة وحلولا منطقية وهو تناول ما هو موجود في الثلاجة مثل الفواكه المقطعة والمكسرات واللبن، وتقنين برامج التوصيل بوضع طلب المطاعم "مكافأة" مرة في الأسبوع، ما يشكل نظاما يوميا، وشغل الأبناء خلال فترة النهار والمساء بأنشطة حركية لتفريغ طاقاتهم والنوم مبكرا.
الأسر المستهلكة
ومن جانبها قالت سارية بنت سعيد الغنيمي، باحثة اجتماعية وعضوة بجمعية الاجتماعيين العُمانية: الأيام الروتينية تختلف عن نمط الحياة أثناء الإجازة الصيفية، تتغير الأنماط داخل كثير من الأسر، فيتأخر وقت النوم والاستيقاظ بحجة أنها إجازة وكمكافأة يتم تمديد نوم الأطفال أو المراهقين أو بالأحرى يتم إلغاء أية قيود لتوقيت النوم والطعام لدى كل أفراد العائلة في كثير من الأحيان، وتزداد ساعات استخدام الأجهزة الإلكترونية، وتتراجع الأنشطة المنظمة، بالتزامن مع ارتفاع الإقبال على المطاعم والوجبات السريعة التي أصبحت سلوكا شائعا لدى الجميع، ورغم أن تناول هذه الوجبات قد يبدو في ظاهره سلوكا فرديا بسيطا، فإن تكراره وانتقاله من مناسبة استثنائية كما اعتدنا في السابق إلى ممارسة يومية يجعله ظاهرة اجتماعية مرتبطة بنمط الحياة والأسرة والثقافة الاستهلاكية في مجتمعاتنا، ومع تطور وازدياد الإعلانات المقدمة في جميع مواقع التواصل وتطبيقات التوصيل أصبح من السهل وبضغطة زر أن يقوم الطفل الذي لا يتجاوز العاشرة وحتى أقل من عمره بطلب وجبته الخاصة من مطعمه المفضل.
وأضافت: من منظور علم الاجتماع، لا يمكن فصل السلوك الغذائي للأبناء عن البيئة الاجتماعية التي يعيشون فيها؛ فالسهر، على سبيل المثال، لا يؤثر فقط في عدد ساعات النوم، بل قد يعيد تنظيم اليوم بأكمله؛ فكلما تأخر وقت النوم والاستيقاظ، اختل توقيت الوجبات لدى العائلة، وازدادت احتمالية تناول الطعام في ساعات متأخرة، كما يصبح اللجوء إلى الوجبات الجاهزة أكثر سهولة خصوصا مع توفر خدمات التوصيل وانتشارها، وقلّت تجمعات الأسرة على الوجبات الرئيسية وهي تدريجيا تسبب في فردانية الأفراد في أكل الطعام بمفردهم مع تقليص الحوارات اليومية مع جميع أفراد الأسرة.
وأشارت إلى أنه في المجتمع العُماني نشهد خلال السنوات الأخيرة تحولا ملحوظا في أنماط الاستهلاك، بالتزامن مع اتساع سوق المطاعم والوجبات السريعة وتطور أساليب التسويق الرقمي، ولم تعد المطاعم بالنسبة إلى بعض الأسر مجرد وسيلة للترفيه أو كسر الروتين، وإنما أصبحت جزءا من الروتين اليومي نفسه، حيث إن هذه العادة لدى المراهقين مكتسبة من ذويهم، فإن الطفل يعتاد على تناول الوجبات وذلك لسماح أولياء الأمور واعتيادهم على تقديم الوجبات السريعة لهم؛ وهنا تكمن الإشكالية الاجتماعية، عندما تتحول الوجبة التي كان يُنظر إليها بأنها خيار استثنائي إلى ممارسة متكررة، فإنها قد تعيد تشكيل علاقة الأسرة بالطعام وبالوقت وبالمشاركة الأسرية.
وعن أبرز الأسباب؛ أوضحت أنها تتمثل في التسويق الحديث، إذ إنه -التسويق الحديث- لا يبيع الطعام فقط، بل يبيع تجربة وصورة ونمط حياة؛ فالإعلانات الموجهة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والعروض المرتبطة بشخصيات محببة للأطفال والمراهقين، والصور الجذابة، وخدمات التوصيل السريعة؛ كلها تعد عوامل تجعل قرار الشراء أكثر سهولة وأقل ارتباطا بالحاجة الفعلية، حيث إن هذا التأثير لا يقتصر على الأطفال والمراهقين فقط، بل يمتد إلى البالغين أيضا؛ لأن الاستهلاك أصبح مرتبطا بالراحة والسرعة والمكافأة النفسية، وهو ما ينجم عنه الكسل وفقدان جودة ومهارة الطبخ والاستمتاع أثناء الطبخ المعد لأفراد الأسرة .
وبينت أن الاستجابة المتكررة لطلبات الأبناء، قد تتحول تدريجيا إلى نمط مكتسب؛ فالطفل الذي يتعلم أن طلب الوجبة السريعة يقابل دائما بالموافقة، قد يربط بين الرغبة والحصول الفوري على ما يريد، ومع تكرار السلوك يصبح تغييره مستقبلا أكثر صعوبة. لذلك، لا تكمن المشكلة في تناول الوجبات السريعة بحد ذاتها، وإنما في اعتيادها وتحولها إلى الخيار الأساسي، وتظهر بعض المؤشرات التي تستدعي انتباه الأسرة، مثل اضطراب مواعيد الوجبات، وكثرة الأكل في ساعات الليل، ورفض الطعام المنزلي بصورة مستمرة، والاعتماد المتكرر على التوصيل، وقلة تناول الأطعمة المتنوعة، والخمول أو تغير الوزن بصورة ملحوظة. وهذه المؤشرات لا ينبغي أن تُفهم بمعزل عن السياق الصحي للطفل، لكنها قد تكون إشارات تستحق المراجعة من قبل أفراد الأسرة. وهنا يأتي دور الأسرة في وضع حدود واضحة دون تحويل الطعام إلى مصدر للعقاب أو الحرمان، ويمكن الاتفاق على أيام محددة لتناول الوجبات الجاهزة، وإشراك الأبناء في اختيار وجبات منزلية صحية وإعدادها، مع ترك مساحة للاختيار ضمن حدود متفق عليها. وتربويا الحزم لا يعني المنع المطلق، كما أن المرونة لا تعني الاستجابة الدائمة.
وأشارت الباحثة الاجتماعية إلى أن الوالدين يمثلان النموذج الأول الذي يتعلم منه الأبناء. فإذا كان الأب أو الأم يطلبان الطعام الجاهز بصورة يومية، فمن الصعب إقناع الطفل بأهمية الطعام المنزلي من خلال التوجيه وحده، فالقدوة العملية أكثر تأثيرا من الخطاب المباشر وتوجيه النصيحة، لأن العادات تُكتسب بالممارسة والملاحظة والتكرار. ومن زاوية اجتماعية أوسع، فإن تراجع إعداد الطعام داخل المنزل لا يحمل آثارا غذائية فحسب، بل قد يؤثر أيضا في العلاقات الأسرية، فالطبخ وتناول الطعام المشترك يمثلان مساحة للتفاعل والحوار وتقاسم الأدوار داخل الأسرة. وعندما يحل الطعام الجاهز محل هذه الممارسات بصورة شبه دائمة، قد تتراجع بعض فرص التواصل اليومي، ويصبح المنزل أقل ارتباطا بفكرة المشاركة في إعداد الطعام وأكثر ارتباطا بالاستهلاك السريع. لذلك، فإن مواجهة طلبات الأبناء في الإجازة الصيفية لا ينبغي أن تتحول إلى معركة بين المنع، والاستجابة، بل إلى فرصة لإعادة تنظيم نمط الحياة داخل الأسرة. فالمطلوب ليس إلغاء المطاعم وإنما إعادة وضعها في مكانها الطبيعي، فهي خيار للترفيه والتغيير، ليس بديلا يوميا عن الحياة المنزلية. وفي النهاية، فإن بناء علاقة متوازنة مع الطعام يبدأ من الأسرة، ويتشكل عبر القدوة والحدود الواضحة والوعي بالتأثير المتزايد للثقافة الاستهلاكية على خياراتنا اليومية.
