No Image
ترجمة

التقارب الاقتصادي العالمي يتباطأ

20 أغسطس 2026
20 أغسطس 2026
كيون لي

شهد الاقتصاد العالمي تحوّلًا جذريًا خلال العقدين الماضيين، مدفوعًا، على وجه الخصوص، بالأزمة المالية العالمية عام 2008، وتصويت المملكة المتحدة عام 2016 لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وتصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين. ويُظهر أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي عن آفاق الاقتصاد العالمي، الصادر في أبريل الماضي، كيف أثّرت هذه الصدمات في المسارات الاقتصادية لكل من الاقتصادات الناشئة والمتقدمة.

عندما صاغ جيم أونيل، الخبير الاقتصادي في جولدمان ساكس آنذاك، مصطلح «بريك» (BRIC) عام 2001، كانت اقتصادات الأسواق الناشئة الأربعة التي أشار إليها -البرازيل وروسيا والهند والصين- تُعد صاحبة إمكانات هائلة للنمو. غير أن مساراتها خلال ربع القرن الماضي جاءت شديدة التفاوت.

لنبدأ بأكبر الاقتصادات الناشئة. فقد بلغت القوة الاقتصادية النسبية للصين -مقاسة بناتجها المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة- ذروتها عند 76.6% عام 2021. ثم تراجعت إلى 70.4% في 2022، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى سياسة «صفر كوفيد» وأزمة القطاع العقاري، قبل أن تنخفض إلى 63.8% العام الماضي. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ترتفع قليلًا إلى 64.9% في 2027. وتفرض القيود التي يواجهها نموذج النمو الصيني المعتمد على الصادرات، إلى جانب الجهود الأمريكية الموجّهة لاحتواء صعود الصين، ضغوطًا واضحة على نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، بما يوحي بأننا ربما نكون قد شهدنا بالفعل «ذروة الصين» من حيث قوتها الاقتصادية النسبية.

لكن الصورة تختلف عندما يتعلق الأمر بمستويات المعيشة، المقاسة بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بعد تعديله وفق تعادل القوة الشرائية. فمن 2021 إلى 2026، ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين مقارنة بالولايات المتحدة من 29.2% إلى 33.5%، مع تقلص فجوة الدخل بنحو نقطة مئوية واحدة سنويًا. وإذا استمر هذا المسار، فسيتجاوز نصيب الفرد في الصين 40% من المستوى الأمريكي بحلول أوائل إلى منتصف ثلاثينيات هذا القرن. ومن شأن ذلك أن يضع الصين، من حيث المقارنة النسبية، ضمن فئة الاقتصادات مرتفعة الدخل.

وبالمقاييس المطلقة، ستبلغ الصين هذه العتبة في وقت أقرب. فقد وصل نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي إلى 14,230 دولارًا في عام 2025، ويُتوقع أن يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 14,874 دولارًا في 2026، وهو مستوى يتجاوز بوضوح عتبة الدخل المرتفع التي يحددها البنك الدولي عند 14,375 دولارًا. وبذلك، يبدو أن الصين قد نجحت في تفادي ما يُعرف بـ«فخ الدخل المتوسط».

أما الهند، فتسير في اتجاه مختلف من حيث التقارب؛ إذ تلحق بالولايات المتحدة من حيث الحجم الاقتصادي، لكنها تحقق تقدمًا بطيئًا في مستويات المعيشة. ففي عام 2000، كانت الهند تحتل المرتبة الثالثة عشرة بين أكبر اقتصادات العالم، وتسهم بنحو 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وبحلول عام 2022، صعدت إلى المرتبة الخامسة، بعد الولايات المتحدة والصين وألمانيا واليابان. وعلى الرغم من أن ضعف الروبية ومراجعات بيانات الناتج المحلي الإجمالي أدّيا إلى تراجع الهند خلف المملكة المتحدة وبقائها في المرتبة السادسة خلال عامي 2025 و2026، فمن المتوقع أن تعود إلى التقدم في التصنيف، لتصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم العام المقبل.

في المقابل، لم يحقق نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الهند، بعد تعديله وفق تعادل القوة الشرائية، سوى نمو متواضع خلال العقد الماضي، إذ ارتفع من 10.4% من المستوى الأمريكي عام 2016 إلى 13.6% هذا العام. وهذا يعادل زيادة سنوية في المتوسط لا تتجاوز 0.3 نقطة مئوية.

أما حجم الاقتصاد الروسي مقارنة بالاقتصاد الأمريكي، فقد بلغ ذروته عند 13.6% في عام 2013، أي قبل عام من ضم روسيا غير القانوني لشبه جزيرة القرم، وهو ما أدى إلى موجة من العقوبات الغربية.

وبحلول عام 2016، انخفضت النسبة إلى 6.8%، لكنها استقرت خلال السنوات الخمس الماضية بين 7% و8.8%، رغم الحرب في أوكرانيا. كما ظل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الروسي، المعدل وفق تعادل القوة الشرائية، مستقرًا أيضًا، متراوحًا بين 54.7% و55.6% من المستوى الأمريكي خلال الفترة نفسها.

وخسرت البرازيل موقعها على صعيدي الحجم الاقتصادي النسبي ومستويات المعيشة. فقد تراجع ناتجها المحلي الإجمالي مقارنة بالولايات المتحدة من 16.8% عام 2011 إلى 8.7% في 2019، ويبلغ حاليًا 8.1%. وبالمثل، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في البرازيل مقارنة بالمستوى الأمريكي من 30.8% عام 2011 إلى 25.9% في 2019، وظل منذ ذلك الحين قريبًا من هذا المستوى.

كذلك شهدت جنوب أفريقيا، التي انضمت إلى مجموعة «بريكس» عام 2010، تراجعًا مستمرًا في دخلها النسبي خلال العقد الماضي. ويبدو أن كلا البلدين عالقان بقوة في «فخ الدخل المتوسط».

وتخسر الاقتصادات المتقدمة الكبرى أيضًا أرضًا أمام الولايات المتحدة، سواء من حيث القوة الاقتصادية أو مستويات الدخل. فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا مقارنة بالناتج الأمريكي من ذروة بلغت 26% عام 2008 إلى 16.8% هذا العام، نتيجة ضعف اليورو، وصدمات أسعار الطاقة، وتراجع القدرة التنافسية في قطاعات التصنيع عالي التقنية والسيارات وأشباه الموصلات.

وكان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الألماني، المعدل وفق تعادل القوة الشرائية، قد بلغ 97% من المستوى الأمريكي عام 2011، لكنه أخذ في التراجع باطراد منذ ذلك الحين، ليصل إلى 91.1% في 2020 و81% في 2026.

أما اليابان، فقد أخذت تتراجع منذ تسعينيات القرن الماضي. فقد هبط ناتجها المحلي الإجمالي مقارنة بالولايات المتحدة من 74% في بداية ذلك العقد إلى 13.5% هذا العام.

وخلال الفترة نفسها، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الياباني، المعدل وفق تعادل القوة الشرائية، من 86% من المستوى الأمريكي إلى 63% في عام 2026. وبالنسبة إلى المملكة المتحدة، فقد تراجع ناتجها الاقتصادي مقارنة بالولايات المتحدة من 21.5% في عام 2007 إلى 13.2% في 2026، كما انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالمستوى الأمريكي من 81.3% في عام 2016 إلى 71.6% في 2026.

ولفترة من الزمن، كانت الاقتصادات المتقدمة في العالم، باستثناء الولايات المتحدة، تفقد موقعها بسرعة أمام الاقتصادات الناشئة. فقد تقلصت الفجوة في الناتج المحلي الإجمالي بين مجموعة السبع ودول «بريكس» من 57 نقطة مئوية في عام 2000 إلى 25 نقطة مئوية في 2016، حين كانت مجموعة السبع تستحوذ على 47.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مقابل 22.5% لدول «بريكس». غير أن زخم اللحاق الذي حققته «بريكس» توقف منذ عام 2016، ليس لأن أداء مجموعة السبع أصبح أفضل، وإنما لأن أداء الجميع أصبح أسوأ.

وفي الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة التفوق على الاقتصادات الكبرى الأخرى. فرغم أن حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي تراجعت منذ أن بلغت ذروتها عند 31.4% في عام 2001، فإنها ظلت فوق 25% خلال السنوات الخمس الماضية، وتبلغ أكثر قليلًا من 26% في عام 2026.

وعلى الرغم من كل الحديث عن التقارب الاقتصادي العالمي، فقد شهد العقد الماضي اتساع تقدم الولايات المتحدة، بينما واجه معظم العالم صعوبة في مجاراتها.