No Image
إشراقات

تربية النفس على الحِلم

20 أغسطس 2026
20 أغسطس 2026

في هذا الزمن الذي نعيشه يحتاج المسلم فيها إلى تربية نفسه على مجموعة من الصفات التي يكتسبها من خلال الممارسة والتعود حتى يعيش حياة إيمانية، ومنها أن يربي الإنسان نفسه على الحِلم، لأننا اليوم نعيش وسط قدر كبير من الاحتكاك، فنسمع فيه ما يعجبنا وما لا يعجبنا، ونقرأ آراء تخالفنا، ونقابل فيه أشخاصًا مختلفين عنا في الطباع والتفكير، ويعود الواحد منا إلى بيته وفي داخله شيء من ضيق النهار كله.

ولهذا أحب أن أتوقف عند الحِلم كأداة يومية لتربية النفس، فالمرء لا يصبح حليمًا لأنه مر بمواقف كثيرة كان يستطيع فيها أن ينفعل، ثم تعلم شيئًا فشيئًا كيف يمسك نفسه، وهذا ما دل عليه الحديث النبوي الشريف: «إِنَّما الحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ»، ويدل هذا الحديث على أن هذا خلق يمكن للإنسان أن يكتسبه، ويعود نفسه عليه، وكان العرب يعلمون ذلك، فهذا المنذر بن عائذ الذي يلقب بأشج عبد قيس، عندما قال له الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّ فيك خُلَّتَينِ يُحِبُّهما اللهُ: الحِلْمَ والأَناةَ»، فقال: «أخُلُقَينِ تَخلَّقتُ بهِما؟ أم خُلُقينِ جُبِلتُ علَيهِما؟» فقال: «بل خُلقَينِ جُبِلتَ عليهما»، فقال: «الحمدُ للهِ الَّذي جبَلَني على خُلقَينِ يُحِبُّهما اللهُ ورسولُه»، فالحلم من الأخلاق التي يمكن للمسلم أن يتخلق بها.

والقرآن حين ذكر أهل الإحسان، قال: «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»، فالغيظ موجود وكظمه هو العمل الذي يقوم به صاحبه، لم تقل الآية إن هؤلاء لا يغضبون، وإنما تحدثت عن تعاملهم مع الغضب حين يحضر، وهذه نقطة تستحق أن نتذكرها عندما نغضب، فالمسلم سيضيق صدره وسيحزن، وقد يغضب من تصرف يراه جارحًا أو ظالمًا، لكن هناك مسافة بين أن أشعر بالغضب وأن أجعل غضبي يتولى الحديث عني.

أحيانًا يكون أفضل ما يفعله المرء في تلك اللحظة ألا يفعل شيئًا، يجلس قليلًا ويصمت ويخرج من المكان أو يترك الهاتف، أو يؤجل حديثًا كان يظن أنه لا يحتمل التأجيل، هذه أفعال بسيطة تمنع الخلاف، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى معنى القوة من هذا الباب حين قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، فالقوة هنا أن تملك نفسك وقد تملكك الغضب وأنت تجمح نفسك.

والمسلم يعرف نفسه في مثل هذه اللحظات أكثر مما يعرفها في أوقات الراحة، فيكتشف أنه يغضب إذا شعر أن أحدًا لا يحترمه، أو أن يكون غضبه مرتبطًا بأن يخالفه شخص أمام الآخرين، وربما يكون أكثر انفعالًا مع من يحبهم لأن القريب يعرف أين يلمس موضع الاستفزاز، وقد يكون الإنسان هادئًا مع الغرباء، ثم يحمل إلى بيته كل ما جمعه خلال يومه من توتر، والبيت في الغالب هو المكان الذي يشعر فيه المرء أنه يستطيع أن يتصرف على طبيعته كما هو، ولذلك قد يخرج فيه ما كتمه طوال النهار، فربما يعود الأب من عمله ويكون قد مر بمواقف كثيرة، ثم يجد طفلًا يكرر الخطأ نفسه أو يطلب شيئًا في لحظة لا يريد فيها الأب أن يسمع شيئًا، فينفجر غضبه، والطفل لا يعرف شيئًا عن يوم أبيه، هو يرى أبًا أمامه فقط، وقد يكون الخطأ الذي ارتكبه صغيرًا جدًا، لكن التعب جعل رد الفعل أكبر من الخطأ، لذلك فإن من الحلم أن يعرف الإنسان متى يكون غير مستعد للنقاش، لا بأس أن يقول لأهل بيته: «دعوني أرتاح قليلًا ثم نتحدث»، هذه أهدأ بكثير من أن يدخل في حديث وهو ممتلئ بالتعب ثم يخرج منه بكلام يندم عليه.

وإذا أتينا إلى الأبناء فإنهم يزرع فيهم خلق الحلم من خلال معاملتهم مع آبائهم، فعندما يرى الطفل أباه يغضب ثم يسكت، يعرف أن الغضب لا يعني الصراخ، وعندما يرى أباه يخطئ ثم يعتذر، يفهم الابن أن الاعتذار لا ينقص من قدر صاحبه، وقد يكون الاعتذار من أصعب ما تفعله النفس حين تكون معتادة على تبرير نفسها، فربما يجرح الزوج زوجته بالكلام، ثم يبحث عن سبب لما قاله، وبهذه الطريقة يتحول الخطأ من شيء نراجعه إلى شيء ندافع عنه، والحلم يحتاج إلى لحظة صدق مع النفس.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحلم الناس، وفي سيرته مواقف كثيرة يظهر فيها هذا الخلق بصورة عملية، فقد جاءه الأعرابي يطلب المال وجذب رداءه حتى أثر في عنقه، ثم طلب منه فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم وأحسن إليه، وهذا لا يعني أن الحلم ضعف أمام الخطأ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يبين الحق، ويغضب لله حين تنتهك حرماته، ويأمر وينهى، لكن غضبه لم يكن غضبًا شخصيًا يبحث عن الانتقام، وهذه التفرقة مهمة في حياتنا، لأن بعض الناس يخلط بين الحلم وبين ترك الموقف، إذا أساء إليه شخص، ظن أن عليه إما أن ينتقم أو أن يكون ضعيفًا، بينما يستطيع أن يحفظ حقه، ويضع حدًا للتجاوز، ويتحدث بوضوح، دون أن يسمح للغضب أن يختار له كلماته، قد تقول لشخص أساء إليك: «هذا الكلام لا أقبله»، ولا تحتاج إلى أن تجرحه حتى تثبت ذلك، وقد ترفض تصرفًا دون أن تهين صاحبه، وقد تضع مسافة بينك وبين شخص يؤذيك، دون أن تجعل قلبك مشغولًا به طوال الوقت.

ولذلك فالحلم في هذه المواقف لا يلغي الحزم، وإنما يمنع الحزم من أن يتحول إلى خصومة شخصية، وفي زمننا ربما أصبحت الحاجة إلى هذا الخلق أكبر بسبب سهولة الرد، في السابق كان الإنسان إذا غضب من شخص ربما احتاج إلى أن ينتظر حتى يراه، أما اليوم فالغاضب يستطيع أن يكتب رسالة في لحظة، ويرسلها إلى الشخص نفسه وإلى غيره، وقد ينشر كلامه أمام مئات الناس قبل أن تهدأ نفسه، خاصة في مجموعات الواتساب.

وأحيانًا تكون التربية الحقيقية للنفس أن ترى تعليقًا يستفزك، وتكتب الرد في ذهنك، ثم لا تكتبه في الهاتف، أن تسمع رأيًا يخالفك، وتعرف أن بإمكانك الدخول في نقاش طويل، هذه التعاملات الصغيرة لا تبدو دينية في ظاهرها، لكنها تدخل في صميم تهذيب النفس، فالدين لا يربينا على الأخلاق في المسجد فقط، وإنما في الطريق والبيت والسوق، وفي مجالس الناس وفي الطريقة التي نختلف بها مع من يخالفنا.