عمان اليوم

مختصون: ضرورة تطوير مسارات الذكاء الاصطناعي وربطها بالمهارات البشرية والتفكير النقدي

14 أغسطس 2026
14 أغسطس 2026

دعا مختصون إلى ضرورة تطوير مسارات الذكاء الاصطناعي وربطها بالمهارات البشرية والتفكير النقدي، وتوجيهها وفقا لمتطلبات إنتاج المعرفة ودعم البحوث وتحليل السلوك المجتمعي.

وأوضح المختصون في سلسلة محاضرات حول الذكاء الاصطناعي وعلاقته بالمجتمع ومجالات البحث العلمي، نظمها فريق زوم بجمعية الاجتماعيين العمانية، أن الذكاء الاصطناعي منظومة تقنية قائمة على التعلم من البيانات ومحاكاة القدرات البشرية، وأصبح واقعًا على المجتمع و المؤسسات التعليمية ولا بد من التعامل معه وتوظيفه بما يعزز جودة المخرجات العلمية.

وقالت الدكتورة فاطمة الدوحاني مدرب معتمد في النضج المؤسسي في مجال الذكاء الاصطناعي وأدوات المستقبل: إن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مساندة أو خيار إضافي، بل أصبح جزءًا أساسيًا من البيئة التعليمية والبحثية الحديثة، في ظل الاعتماد المتزايد على الأدوات الرقمية في الوصول إلى المعرفة وتحليلها وإنتاجها.

وأوضحت أن هذا التحول يفرض على الباحثين تطوير مهاراتهم العلمية والتقنية، والانتقال من مفهوم «الباحث الفرد» الذي يعمل بصورة تقليدية إلى نموذج «الشراكة البحثية الذكية» التي توظف التقنيات الحديثة بصورة واعية ومنهجية، بما يسهم في رفع كفاءة البحث العلمي وجودته، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يُعدّ بديلًا عن الباحث، ولا يمكنه أن يحل محل التفكير العلمي أو التحليل النقدي، وإنما يمثل أداة داعمة تساعد الباحث على تنظيم عمله، واختصار الوقت والجهد، وتسهيل الوصول إلى المعلومات وتحليلها.

وأشارت إلى أن الاستخدام الفعّال لهذه الأدوات ينبغي أن ينطلق من امتلاك الباحث لأساسيات البحث العلمي ومهاراته الجوهرية؛ لأن التقنية وحدها لا تصنع باحثًا متميزًا، وإنما تسهم في دعم الباحث الواعي القادر على توظيفها بصورة صحيحة.

وتطرقت إلى عدد من التحديات التي تواجه الباحثين في العصر الحديث، وفي مقدمتها الكم الهائل من الدراسات المنشورة يوميًا، وما يرافق ذلك من صعوبة في الوصول إلى الدراسات الأكثر ارتباطًا بموضوع البحث، فضلًا عن الوقت الطويل الذي تستغرقه قراءة الدراسات السابقة وتحليلها وتنظيمها.

كما تناولت التحديات المرتبطة باللغة، خاصة أن نسبة كبيرة من الأبحاث العلمية المحكمة تُنشر باللغة الإنجليزية، الأمر الذي قد يشكل عائقًا أمام بعض الباحثين في الوصول إلى المعرفة الحديثة والاستفادة منها، موضحة أن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت توفر حلولًا عملية تساعد الباحث في مختلف مراحل البحث العلمي، بدءًا من توليد الأفكار وصياغة الأسئلة البحثية، وصولًا إلى تحليل البيانات وكتابة النتائج.

وركزت د.فاطمة الدوحاني على الأبعاد الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، محذّرة من مخاطر الاعتماد الكلي على النصوص والمخرجات التي تنتجها التطبيقات الذكية دون مراجعة أو تحقق.

وأوضحت أن من أبرز التحديات الأخلاقية احتمالية الوقوع في الانتحال العلمي، أو استخدام معلومات غير دقيقة أو مراجع غير موثوقة، خاصة أن بعض الأدوات قد تنتج محتوى يبدو علميًا ومقنعًا رغم احتوائه على أخطاء أو معلومات غير موثقة.

كما شددت على أن الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى إضعاف مهارات التفكير النقدي والتحليل لدى الباحث إذا تحول استخدام هذه الأدوات من وسيلة مساعدة إلى اعتماد كلي يلغي دور الباحث الحقيقي، ومن هنا تبرز أهمية أن يحافظ الباحث على «صوته العلمي» وهويته الفكرية أثناء الكتابة والتحليل والمناقشة، وألا يسمح للتقنية بأن تحلّ محلّ شخصيته العلمية أو قدرته على النقد والتفسير، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب بناء ثقافة بحثية جديدة تقوم على التوازن بين الاستفادة من التقنيات الحديثة، والحفاظ على الأمانة العلمية والدور الحقيقي للباحث في إنتاج المعرفة العلمية الرصينة.

محركات التغيير

من جانبها أشارت الدكتورة فاطمة الرئيسي باحثة في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وتقنيات معالجة اللغة، إلى ضرورة تأطير مفهوم الذكاء الاصطناعي باعتباره منظومة تقنية قائمة على التعلم من البيانات ومحاكاة القدرات البشرية، مشيرة إلى أهمية تطوير مساره وتحويله من مجرد أداة لحل المشكلات إلى منظومة قادرة على إنتاج المعرفة وتحليل السلوك المجتمعي، بما ينعكس في اتساع تطبيقاته على مجالات متعددة كالتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، حيث إن التطور النوعي في التقنية لم يعد يقتصر على تحسين الكفاءة، بل امتد ليؤثر في طبيعة القرارات البشرية، مما يفرض ضرورة إعادة النظر في الأدوار التقليدية للإنسان داخل المجتمع.

وتحدثت الباحثة عن مجموعة من محركات التغيير الرئيسية، في مقدمتها التسارع غير المسبوق في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتزايد حجم البيانات، واتساع نطاق الاستخدامات المجتمعية، إلى جانب بروز تحديات أخلاقية متعلقة بالخصوصية والتحيز الخوارزمي. كما لفتت إلى أن هذا التسارع قد يؤدي إلى فجوة متنامية بين المجتمعات المنتجة للتقنية وتلك المستهلكة لها، الأمر الذي ينعكس على العدالة الرقمية وإمكانيات الوصول المتكافئ إلى المعرفة.

وتطرقت إلى جملة من القضايا الاجتماعية الناشئة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من أبرزها التحيُّز الضمني في الخوارزميات، وتراجع بعض المهارات البشرية نتيجة الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالهوية الرقمية وتغير أنماط التفاعل الاجتماعي .

وعلى مستوى السيناريوهات المستقبلية، أشارت الرئيسي إلى تعددية المسارات المحتملة، حيث يمكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز جودة الحياة وتحقيق التنمية المستدامة في حال توجيهه لخدمة الإنسان، في حين قد يؤدي الاستخدام غير المنضبط إلى تراجع دور الإنسان وتحوله إلى مجرد وسيط في منظومة معرفية تقودها الآلة.

وفي هذا السياق، برزت أهمية الانتقال من منطق التفاعل مع التقنية إلى منطق توجيهها، بما يضمن تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي والحفاظ على القيم الإنسانية، مؤكدة على ضرورة تبني استجابات مؤسسية ومجتمعية واعية، تركز على تطوير منظومات التعليم لتواكب التحولات الرقمية من خلال تعزيز مهارات التفكير النقدي والتحليلي، وبناء أطر تنظيمية تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب دعم البحث العلمي متعدد التخصصات الذي يجمع العلوم التقنية والاجتماعية، مبينة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مواكبة التطور التقني فحسب، بل في ضمان بقاء الإنسان فاعلًا ومؤثرًا في تشكيل مستقبل المجتمع في عصر تتسارع فيه الخوارزميات وتتراجع فيه الحدود بين الإنسان والآلة.

أنظمة البحث

من جانبه أوضح الخليل العبدلي مؤسس أكاديمية تقنيات الذكاء الاصطناعي أن الاستخدام الفاعل للذكاء الاصطناعي في البحث العلمي لا يتحقق بمجرد الانتقال بين عدد كبير من الأدوات أو طلب كتابة فقرات منفصلة منها، وإنما من خلال بناء نظام بحثي متكامل يمكن استخدامه بصورة متكررة ومنظمة.

وأشار إلى أن هذا النظام يتكون من مجموعة عناصر مترابطة، تبدأ بصياغة سؤال دقيق، ثم إجراء البحث عن المعلومات، والتحقق من النتائج، وتنظيم المصادر، وإعداد تعليمات واضحة للأداة، وصولًا إلى إنتاج مخرجات تتناسب مع طبيعة المهمة البحثية. وأوضح أن هذه المنهجية تتيح للباحث بناء بيئة عمل مرة واحدة، ثم تطويرها بإضافة المعلومات والمصادر الجديدة كلما تقدم المشروع، بدلًا من البدء من الصفر في كل مرة، مشيرا إلى أن المهارة الأهم ليست معرفة أسماء الأدوات وحدها، إنما معرفة كيفية تصميم تدفق عمل بحثي يحدد ما الذي ستفعله الأداة، وترتيب الخطوات التي ستنفذها، والمصادر التي ستعتمد عليها، والشكل النهائي المطلوب للمخرجات، كما أن جودة المخرجات ترتبط بدرجة كبيرة بجودة التعليمات أو المطالبات التي يقدمها الباحث للأداة.

ولا ينبغي أن تقتصر صياغة الأمر على سؤال عام، بل يفضل أن يتضمن مجموعة من العناصر المنظمة، منها، المهمة والسياق ومصدر المعلومات والدور والنطاق وتسلسل الخطوات وشكل المخرجات والقيود.

كما أوضح الفرق بين النموذج اللغوي والوكيل الذكي؛ فالنموذج يقوم أساسًا بتحليل النصوص وتوليد الإجابات، بينما يستطيع الوكيل تنفيذ مهام أكثر تركيبًا، مثل الدخول إلى الملفات، واستخدام بعض المواقع والأدوات، والتنقل بين مصادر متعددة، وتنفيذ سلسلة من الإجراءات للوصول إلى نتيجة محددة.

وبيّن العبدلي أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في البحث العلمي لا تكمن في قدرته على توليد النصوص بسرعة، إنما في إمكان توظيفه لبناء بيئة بحثية منظمة تساعد على جمع المصادر، وتصنيفها، وتحليلها، وربطها بمراحل المشروع، وإنتاج مخططات ومخرجات أولية تدعم عمل الباحث.

الإنتاجية العلمية

من جانبه قال الدكتور أحمد ماهر شحاته أستاذ مشارك بقسم دراسات المعلومات بجامعة السلطان قابوس أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية مساندة، بل أصبح شريكًا مهمًا في منظومة إنتاج المعرفة، من خلال قدرته على دعم الباحث في اكتشاف المعلومات، وتنظيمها، وتحليلها، وأتمتة عدد من المهام المتكررة التي كانت تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بات قادرًا على إنتاج النصوص، والصور، والأصوات، والأكواد، والعروض، والتقارير، بما يفتح آفاقًا واسعة أمام الباحثين لاستخدام هذه الأدوات بصورة مهنية واحترافية في مختلف مراحل البحث العلمي.

الباحث أولًا

وأوضح الدكتور شحاته أنه ينبغي التعامل مع هذه الأدوات بوصفها أدوات مساندة للباحث، تعزز قدراته وتدعم جهده، دون أن تحل محل التفكير والتحليل البشري ومسؤوليته الأكاديمية؛ فالقيمة الحقيقية للبحث العلمي لا تتحقق بمجرد استخدام الأدوات التقنية، وإنما من خلال قدرة الباحث على توظيفها بوعي، ومراجعة مخرجاتها نقديًا، والتحقق من دقتها، وربطها بالسياق العلمي والمنهجي للدراسة مشيرا إلى أن جودة المخرجات ترتبط ارتباطًا مباشرًا بدقة الأمر المدخل ووضوحه، حيث إن الأمر الفعّال ينبغي أن يتضمن أربعة عناصر رئيسة، هي: تحديد الشخصية أو الدور المطلوب من الأداة، وتقديم السياق الكافي للمهمة، وتحديد المطلوب بوضوح، ووضع القيود أو الشروط التي تضبط شكل المخرجات ومحتواها، كما أن كتابة الأوامر أصبحت مهارة بحثية ومهنية مهمة، يكتسبها الباحث بالتجربة والممارسة، وتزداد أهميتها كلما كانت المهمة أكثر تعقيدًا.

وأشار إلى أن بعض الأدوات المتقدمة تتيح تنفيذ مهام معقدة مثل جمع البيانات من المواقع الإلكترونية، وتحويل الملفات، واستخلاص المعلومات، وتحليل المحتوى، بل وقد تمتد إلى البرمجة وتصميم المواقع الإلكترونية. وفي هذا السياق، نبّه إلى أهمية الحذر عند منح بعض التطبيقات أذونات وصول كاملة إلى الملفات أو الجهاز، لما قد يترتب على ذلك من مخاطر أمنية أو تعديلات غير مقصودة، مؤكدًا أن الاستخدام المهني لهذه الأدوات يتطلب وعيًا تقنيًا وأخلاقيًا في الوقت نفسه؛ إذ لا يجوز للباحث الاعتماد الكلي على النصوص المولدة آليًا أو استخدامها مباشرة في الأوراق العلمية دون مراجعة أو إعادة صياغة أو تحقق من المصادر، حيث إن المسؤولية النهائية عن دقة المعلومات، وصحة المراجع، وجودة التحليل، وسلامة الاستنتاجات تقع على عاتق الباحث نفسه، وأن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تُخطئ أو تُنتج مراجع غير حقيقية أو معلومات غير دقيقة، الأمر الذي يستدعي مراجعة بشرية دقيقة ومستمرة ، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي ورغم قدرته الكبيرة على تسريع العمل البحثي، لا ينبغي أن يؤدي إلى إضعاف التفكير النقدي أو تقليل جودة البحث العلمي. فالتوازن المطلوب يتمثل في استخدام هذه الأدوات لتعزيز قدرات الباحث، وتحسين أفكاره، ومراجعة أعماله، وتيسير إجراءاته، مع الحفاظ على الدور الأصيل للعقل البشري في التحليل، والمقارنة، والتفسير، واتخاذ القرار العلمي.