"غرّاق فلّاح".. هندسة عُمانية قديمة تعبر بالأفلاج أسفل الأودية
يعرف نظام "غرّاق فلّاح"، أو "السحارات" في بعض الأدبيات العلمية، كأحد أبدع الحلول الهندسية التي ابتكرها العمانيون قديمًا لتمكين قنوات الأفلاج من عبور مجاري الأودية والمنخفضات دون انقطاع جريان الماء أو استخدام أي آلية ضخّ صناعية، وهو مبدأ عرفته حضارات قديمة كالفراعنة والرومان والإغريق.
وفي هذا الحوار مع الدكتور سعيد بن شنان الخلاسي أستاذ مساعد بكرسي اليونسكو للأفلاج بجامعة نزوى، نتوقف عند تجربة هذا النظام في فلج القسوات بولاية إزكي، أحد أفلاج محافظة الداخلية.
س 1: ما أبرز الخصائص التاريخية والهيدرولوجية لفلج القسوات؟
ج:. يصنف فلج القسوات ضمن النوع العدي أو الداوودي وهو من الأفلاج العميقة دائمة الجريان؛ إذ يستمد مياهه من الخزانات الجوفية العميقة بتدفق طبيعي دون أي آلية ضخّ صناعية. يمتد مجراه لمسافة تقارب 6.4 كيلومتر، منها نحو 4 كيلومترات مغطاة و2.4 كيلومتر مكشوفة، وقد سجل عند شريعته معدل تصريف يتراوح بين 17 و 139 لترًا في الثانية، بملوحة تقارب 182 جزءًا من المليون ودرجة حموضة 8.7 وفق دراسة استقصائية ميدانية.
ويروي هذا الفلج قريتي سدّي وحارة الرحى، بحصة تبلغ الثلث لسدّي والثلثين لحارة الرحى، ضمن دورة ري كاملة تتم كل 17 يومًا، ويستفيد منه بشكل مباشر أكثر من 4000 نسمة، وتعود أصول الفلج إلى أكثر من ألف عام؛ إذ ورد ذكره في كتاب (بيان الشرع) للفقيه محمد بن إبراهيم الكندي الذي يعود إلى القرن الخامس الهجري، كما تحمل وثيقة نادرة بخط الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، مؤسس دولة اليعاربة في القرن السابع عشر، إشارة صريحة إلى اسم الفلج، وهي محفوظة في دار المخطوطات العُمانية.
س : لماذا أنشئ نظام غرّاق فلّاح في فلج القسوات؟
ج: تنبع مياه فلج القسوات من منطقة جبلية عند وادي قنت، حيث تتجمع المياه الجوفية عند أم الفلج نتيجة طبيعة الصخور وتكوينات الأرض هناك، التي تسمح بتخزين مياه الأمطار وتسربها التدريجي نحو باطن الأرض. ثم تشق المياه طريقها عبر تضاريس وعرة حتى تصل إلى بداية قرية سدّي، ويعترض مسارها وادي حلفين بمنخفضه الحاد وتصريفه السيلي الموسمي. وبحسب ما هو موثق عن هندسة الأفلاج العمانية عمومًا، فإن اختيار مسار الفلج يبنى أصلًا على وجود انحدار طبيعي تدريجي بين المرتفع الجبلي والأرض الزراعية يتيح جريان الماء بالجاذبية وحدها، لذلك استدعت طبيعة الأرض غير المستوية، ووجود هذا الحاجز الطبيعي بين ضفتي الوادي، لذا فقد ابتكر المصممون الأوائل حلًا هندسيًا يعبر بالماء أسفل مجرى الوادي بدل مجابهته على السطح، فكان نظام (غرّاق فلّاح) هو الإجابة الهندسية لهذا التحدي الطبوغرافي الاستثنائي.
وقد شيدت الأجزاء القديمة من هذا النظام باستخدام الحصى والصاروج العماني وهو عبارة عن طين محروق بطرق خاصة يستخدم بمثابة الإسمنت التقليدي وهو مزيج محلي معروف بمقاومته للماء ومتانته عبر القرون، قبل أن تحل مواد الإسمنت والحديد في أعمال الترميم الحديثة.
س : كيف يعمل غرّاق فلاّح من الناحية الهندسية؟
ج: يقوم النظام على تطبيق عملي لمبدأ الأواني المستطرقة، حيث تنحدر المياه عبر فتحة عمودية تسمى "الغراق" إلى قناة مغلقة أسفل قاع الوادي، مدفوعة بضغط الماء والفارق في المنسوب، ليصعد من جديد عند فتحة الضفة المقابلة المسماة الفلّاح، ليواصل جريانه نحو المزارع والقرى. كما حافظ المصممون على انحدار كافٍ داخل القناة يمنع ترسب الطمي والحصى، مع ترك نقاط مراقبة وصيانة دورية تسهل عملية تنظيفه، وتشير الدراسات العامة عن الأفلاج العمانية إلى أن أعمدة الصيانة كانت تغرس على مسافات متقاربة تقدر تقليديًا ما بين 15 و18 مترًا تقريبًا على طول المجرى.
وتعرف هذه الفكرة في الهندسة المدنية الحديثة باسم (السيفون المقلوب)، وهي تقنية تستخدم في شبكات الري والصرف الصحي حول العالم لعبور الأنهار والطرق والوديان دون الإخلال بالانحدار الهيدروليكي العام للشبكة، ما يعني أن العمانيين طبقوا عمليًا مبدأ هندسيًا معترفًا به عالميًا اليوم، قبل تسميته والتنظير له في المراجع الهندسية الحديثة بقرون طويلة.
س : ما المبدأ الفيزيائي الذي يفسر استمرار جريان الماء داخل غرّاق فلّاح؟
ج: لأن استمرار الجريان يعتمد على قانون فيزيائي مرتبط بالضغط الهيدروستاتيكي، حيث تسعى السوائل المتصلة إلى المحافظة على المناسيب بفعل الجاذبية، بصرف النظر عن مسار القناة أو انحدارها أو ارتفاعها. وتعرف هذه الخصيصة علميًا بجزء من "قانون ستيفن" في الموائع الساكنة، وهو المبدأ الذي أثبته العلم الفرنسي بليز باسكال تجريبيًا في القرن السابع عشر، والذي تعمل بموجبه أيضًا خزانات المياه المرتفعة "أبراج المياه" في المدن الحديثة لتوزيع الماء بضغط منتظم على الطوابق المختلفة. فغرّاق فلّاح، من هذه الزاوية، هو تطبيق ميداني مبكر جدًا لمبدأ فيزيائي لم يوثق علميًا في أوروبا إلا بعد قرون طويلة من استخدامه العملي في أفلاج سلطنة عمان. وما دامت القناة السفلية محكمة ومغلقة ومتصلة بإحكام بين فتحتي الغرّاق والفلّاح، فإن الماء سيستمر في العبور بلا توقف طالما بقي مستوى المصدر أعلى من نقطة الخروج، كما ساهمت أعمال الصيانة المستمرة في الحفاظ على كفاءة هذا الجزء الحساس من الفلج أثناء فترات السيول.
س : كيف تمكن العمانيون من تحديد المناسيب والانحدار دون أجهزة حديثة؟
ج: اعتمد بناة الأفلاج قديمًا على خبرة متوارثة ومراقبة دقيقة لسلوك الماء نفسه، فكانوا يستخدمون مجاري تجريبية صغيرة ومناسير مؤقتة لتتبع اتجاه الجريان الطبيعي، ويستعينون بتسوية بصرية عبر خيوط ممدودة بين نقاط مرجعية على مسافات متقاربة لضبط الانحدار التدريجي اللازم لاستمرار التدفق دون أن يصبح الميل حادًا فيجرف القناة، أو منعدمًا فيوقف الجريان. كما لجأوا إلى حفر حفريات عمودية استكشافية للتأكد من عمق المياه الجوفية قبل بدء حفر القناة الرئيسية.
واستُغلت أعمدة الصيانة المنتشرة على امتداد المجرى في متابعة استقامة القناة أثناء تنفيذها، وكان (العريف) أو خبير الفلج الذي يُشرف على هذه القياسات، وينقل تلك المعارف لتتوارث جيلًا بعد جيل، وينقلها لمن يخلفه دون أي توثيق مكتوب في الغالب. وهذه المعرفة الميدانية، رغم بساطة أدواتها، مكّنت من إنجاز منشآت تحقق دقة هندسية تضاهي في نتائجها ما تحققه الأجهزة الحديثة.
س : ما الذي يجعل هذا النظام مميزًا مقارنة بطرق نقل المياه الأخرى؟
ج: يتميز غرّاق فلّاح بأنه يعبر العوائق الطبيعية معتمدًا بالكامل على الجاذبية والضغط الطبيعي للماء، دون أي تدخل ميكانيكي أو استهلاك للطاقة، وهو ما يمنحه استدامة طويلة، مقارنة بأنظمة الضخ أو الأنابيب المعدنية الحديثة التي تحتاج إلى تشغيل وصيانة مكلفة. كما أن إخفاء القناة أسفل الوادي يحميها من التبخر ومن أضرار السيول، وقد اختارت حضارات قديمة أخرى، كالرومان في قنواتهم المائية الشهيرة، إلى تعلية القناة فوق قناطر حجرية مرتفعة لعبور الوديان والمنخفضات، بينما اختار المهندس العماني الحل المعاكس تمامًا بإخفاء القناة أسفل الوادي، وهو خيار يتطلب فهمًا أدق للضغط الهيدروستاتيكي.
ويكتسب هذا التميز بعدًا إضافيًا في فلج القسوات؛ إذ أن الوادي الذي يعبره غرّاق فلّاح هنا ليس مجرى صغيرًا أو منخفضًا محليًا، بل هو وادي حلفين نفسه، أحد أكبر أودية سلطنة عمان وأشدها غزارة.
س : هل توجد نظائر طبيعية لمبدأ غرّاق فلّاح في الطبيعة العُمانية؟
ج: من أكثر الاكتشافات إثارة أن الطبيعة نفسها كوّنت في عمان أنظمة جيولوجية تعمل بالمبدأ ذاته دون أي تدخل هندسي بشري. ومن أبرز الأمثلة الموثقة كهف الهوتة بولاية الحمراء، حيث يدخل الماء إلى التجويف الصخري الأول الذي يقوم مقام (الغرّاق)، ليخرج بعد رحلة جوفية طويلة من التجويف الثاني المعروف بـ(كهف الفلج)، أي (الفلّاح) بالمعنى الهندسي نفسه. وتغذّي هذا النظامَ الطبيعي مياهُ الأمطار المتساقطة على الجبل الشرقي؛ إذ تنحدر على هيئة شعاب تعبر مسار الوادي باتجاه غرّاق كهف الهوتة عند ارتفاع 1000 متر عن سطح البحر، عبر موقعين: يستوعب أولهما كامل جريان الوادي حين يكون نزوله خفيفًا، أما حين يشتد الجريان فتتجه المياه الفائضة إلى التجويف الأكبر والأخير، لتغوص في أعماق الجبل وتظهر لاحقًا -على بُعد نحو 3 كيلومترات عند مخرج الوادي (الفلّاح) عند ارتفاع أدنى يبلغ 700 متر تقريبًا، وهو المخرج نفسه المعروف بمخرج كهف الهوتة.
وهذا التطابق بين نظام طبيعي شكّلته المياه والصخور عبر آلاف السنين، ونظام هندسي صمّمه الإنسان العُماني بخبرته الميدانية، يوحي بأن بناة الأفلاج استلهموا حلولهم من ملاحظة سلوك الماء في تضاريس بلادهم نفسها قبل أن يعيدوا صياغته هندسيًا في قنوات الأفلاج.
ويعدّ هذا النظام جزءًا حيًا من منظومة اجتماعية اقتصادية ما تزال تنظم حياة القريتين حتى اليوم عبر نظام توزيع تقليدي دقيق يقوم على وحدة الأثر التي تعادل نصف ساعة تقريبًا، وتضمن وصول حصة كل قرية عبر هذا الرباط المائي رغم الحاجز الطبيعي الفاصل بينهما.
