"خريف ظفار" بين جمال الطبيعة وعدالة الأسعار
قلي البيض بدون نار؟.. قد تستغرب من الفكرة لكنك تستطيع عمل ذلك بالاعتماد على حرارة الشمس في فصل الصيف في دول الخليج العربي التي تصل درجة الحرارة فيها في بعض الأحيان إلى 50 درجة مئوية، ويصبح متوسط الدرجات فوق الـ40 درجة مئوية طوال الفصل أمراً اعتيادياً، فهذا الجزء من كوكب الأرض معروف بارتفاع حرارته طوال السنة، وتزداد الحرارة شدة في أشهر الصيف الساخن.
لكن إن نظرنا إلى أقصى جنوب شبه الجزيرة العربية فسوف يظهر مناخ آخر يميل إلى الاستوائية في محافظة ظفار، والتي في الفترة نفسها تصبح وكأنها جنة من جنان الأرض، فتتفجر فيها العيون والشلالات وتتساقط فيها الأمطار، ومع اعتدال درجات الحرارة فيها التي لا تتعدى الـ33 درجة مئوية في الغالب تتشكل صورة خلابة منقطعة النظير، جالبة معها مئات الآلاف من السياح القادمين من خارج المحافظة والسلطنة الحبيبة الراغبين في الاصطياف هرباً من حر الصيف اللاذع.
لكن مع كل عودة للخريف.
هناك أيضاً عودة لتساؤل مهم وهو لماذا الأسعار ترتفع في فصل الخريف؟ وهل هي فعلاً مرتفعة؟ وهل هناك استغلال من قبل مقدمي الخدمات؟
سعر الشقق خارج الموسم أقل بكثير من سعرها أثناء الموسم، ويصبح البحث عن شقة عائلية مناسبة وبسعر معقول أشبه بالبحث عن حبة رمل وسط صحراء، فقد تجد أو لا تجد، وتصبح بعض المنتجات مثل النارجيل (المشلي) بضعف سعره خارج موسم الخريف، وغيرها من المنتجات والخدمات الأخرى.
فلماذا هذا الارتفاع؟ هل هو جشع أم هناك عوامل أخرى؟ مع تشابك هذا الموضوع وتشعبه، دعونا أولاً ننظر إلى فكرة الموسم السياحي، وهو أن كل مكان له موسمه السياحي الخاص الذي يتوافد عليه السياح ويسبب ذلك ارتفاعاً مؤقتاً للأسعار خلال فترة الموسم.
فدعونا مثلاً ننتقل بالخريطة إلى أعلى قليلاً إلى جزيرة سانتوريني اليونانية، فسوف نجد أن خلال ذروة الصيف، وهو ذروة توافد السياح فيها، تصل بعض الغرف الفندقية الفاخرة إلى 22 ألف يورو، وترتفع إلى 45 ألف يورو للفلل الكبيرة (Gethotelsdeal)، وتنخفض إلى أدنى مستوى سعري لها في الفترة بين نوفمبر - مارس، وهي مواسم خارج الذروة، ليصبح متوسط سعر الغرف والفنادق من 80 يورو إلى 150 يورو فقط (Nomadtravel.app).
نعم، الأسعار ترتفع بشكل طبيعي في كل ذروة سياحية، وخريف ظفار ليس استثناء. لكن من وجهة نظر نتفق أو نختلف عليها، فسوف نجد أن هناك بعض الذين يرفعون الأسعار بشكل مبالغ فيه في بعض الخدمات التي يقدمونها، فالبعض يرفع أسعار الشقق بدون تقديم خدمة حقيقية فيها تتماشى مع السعر المرتفع للمنتج.
لكن من وجهة نظر أخرى مختلفة، فهناك قاعدة اقتصادية منطقية تقول بأن قلة المعروض الذي يرافقه زيادة الطلب فينتج ارتفاع أسعار بالتبعية، وهذا الحاصل في الموسم، فمع قلة الغرف الفندقية يلجأ الزوار إلى استئجار غرف أو فلل من ملاك عقارات أخرى، وهذا يجعل الإيجارات غير متوازنة في بعض الأحيان، الأمر الذي يستدعي مراقبة حكومية للتسعير في الموسم نفسه، ويكون المبلغ يقابله خدمات تعادل ذلك المبلغ أو تزيد عليه قليلاً بسبب أنه موسم سياحي يحدث لشهرين ونصف فقط طوال السنة، ويجب المراعاة في هذا الأمر.
الخريف بالنسبة لكثيرين من ساكني محافظة ظفار فرصة مثالية لزيادة دخلهم وتنشيط الحركة في المحافظة، فالزوار يرتادون المطاعم والمحلات التجارية والأسواق الشعبية والفعاليات الموسمية، وذلك يرفع من القيمة الاقتصادية للموسم ويرجع بالإيجاب للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المختلفة في المحافظة.
فبحسب إحصائية المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لزوار خريف ظفار عام 2025، بلغ عدد الزوار للمحافظة أكثر من مليون زائر، وأنفقوا ما مجموعه 125 مليون ريال عماني، وهو أعلى مستوى إنفاق منذ ثلاث سنوات، وقد استفادت المحافظة من هذا النشاط عبر دعم الفنادق، المطاعم، التسوق، الترفيه بشكل مباشر.
بطبيعة الحال موسم خريف ظفار موسم مميز، وهذه القضية نراها ترتفع كل موسم، ولكن دعونا لا ننسى أن هناك الكثير من الناس الذين يعتمدون على هذه الفترة من السنة لكسب مصدر رزق إضافي لهم يعينهم.
فصحيح أن الإيجارات قد تكون مرتفعة في بعض الأحيان، لكن إن نظرنا إلى الموضوع بشكل عام فسنرى أن المؤجر نفسه لا يستطيع التأجير طول السنة إلا خلال فترة الخريف القصيرة فقط.
فالأمر يستدعي فقط مراقبة الأسعار بشكل معقول وتنظيم السوق السياحي واستغلال الموسم بشكل إيجابي يخدم الكل ساكنين وزوار، ولا ننسى أن هذا الموسم هو نعمة من الله علينا للهروب من حرارة الصيف.
