نزع سلاح غزة جزء من الحرب على إيران وتمكين إسرائيل من رقبة المنطقة

09 أغسطس 2026
09 أغسطس 2026

أستسمح القارئ الكريم في التوقف مؤقتا عن تحليل المشهد المباشر للحرب الأمريكية على إيران في طور الصراع الإقليمي الشامل الذي دخلته في العشرين يوما الماضية لألتفت إلى التطور الخطير الأخير الذي مثله إعلان حماس موافقتها على نزع سلاحها. حقيقة الأمر أن موافقة حماس غير المسبوقة في التخلي عن سلاحها ليس بعيدا عما انتهيت إليه في مقال الأسبوع الماضي من أن «التصعيد الحالي بالانفلات لحرب قد تحرق كامل الإقليم إنما يعود إلى أفخاخ سياسية تم نصبها في مرحلة التراجع عن مذكرة التفاهم في أكثر من جبهة».. فهذا الاتفاق هو أحد هذه الفخاخ بامتياز التي تستهدف منه الولايات المتحدة ليس فقط الانقلاب على مذكرة التفاهم التي تمت مع إيران واستبدالها بمذكرة أخرى تسمح لترامب بالحديث عن نصر مطلق وأيضا بصياغة نظام أمن إقليمي شرق أوسطي تحاصر فيه إيران وتفكك فيه شبكة نفوذها الإقليمي مع قوى المقاومة. بعبارة أوضح إن هذا الاتفاق الذي ينزع السلاح من المقاومة الفلسطينية حليفة طهران ليس فعلا منعزلا بل هو جزء من الحرب على إيران التي تستهدف القضاء على ما سمي «بجبهة وحدة الساحات» وترك إيران وحيدة في الصراع. منذ عهد أوباما وحتى الآن انتقلت عقيدة الأمن القومي الأمريكي لاعتبار التهديد الرئيسي لهيمنة واشنطن المفردة على العالم هو التهديد الصيني وبالتالي فإن ساحة الصراع انتقلت لآسيا والمحيطين الهادي والهندي وهو ما يستوجب نقل التركيز والقسم الأساسي من الموارد العسكرية والاستراتيجية إلى هذه المنطقة. 

هنا تبلورت استراتيجية تخفيف الأعباء الأمنية المباشرة في الشرق الأوسط وتفويض حلفائها بتحمل معظم هذه الأعباء خاصة إسرائيل التي تتحول فيه إلى وضع وكيل أو نائب الإمبراطور. نزع سلاح حماس ليس مجرد انتصار كبير لإسرائيل وهزيمة كبيرة للمقاومة والقضية الفلسطينية - على الأقل بشكل مؤقت - لكنه في السياق الأمريكي جزء من عملية تمكين إسرائيل من رقبة المنطقة، يطمئن واشنطن أن تل أبيب قادرة على تنفيذ المهمة. مهمة استمرار هيمنة أمريكا المطلقة ولكن بحضور مباشر أقل. سبق إعلان تنازل حماس الاتفاق الإسرائيلي اللبناني الذي يقضي بنزع سلاح حزب الله الحليف العقائدي والعسكري الرئيس في شبكة الحضور الجيوسياسي الإيراني. وتلاها ما يمكن وصفه بنجاح واشنطن لأول مرة منذ ٢٠٠٣ بإقناع رئيس حكومة عراقي «علي الزيدي» بالتوجه لنزع سلاح الفصائل العراقية الشيعية المسلحة القريبة من إيران. 

هذان البلدان العربيان صارا بالنجاح الأمريكي في بناء لبنات في نظامها الإقليمي مشروعا مفتوحا على حرب أهلية إذا أجبرت هذه الأطراف على نزع سلاحها بالقوة. لكن متى كانت مصائر الشعوب تهم القوى العظمى! ولن تفعل إسرائيل ولا الولايات المتحدة لهما شيئا إذا اندلعت هنا أو هناك لا قدر الله. بموازاة ذلك طورت واشنطن علاقة تحالف مع سوريا ما بعد الأسد المعادية لإيران وتستهدف ليس فقط تشجيعها على ما تقوم به من منع وصول السلاح من إيران لمحور المقاومة اللبناني الفلسطيني ولكن أيضا دراسة خطط لقيام سوريا بأدوار في لبنان والعراق في عملية تجريد حزب الله والفصائل العراقية من سلاحهما. مهمة عنها قال ترامب: إن سوريا الحليفة للغرب أقدر على القيام بها من إسرائيل. لا يبقى هنا من حلفاء إيران إلا الحوثيين وقد تكفلت خطوات واشنطن في مرحلة ما بعد زيارة روبيو للخليج الشهر الماضي وبعد هدوء طويل في تجديد حالة الصراع المسلح في اليمن وعودة الاشتباكات السعودية مع الحوثيين. 

اتفاق نزع سلاح حماس بهذا المعنى كان ساحة أخرى من ساحات إضعاف إيران إقليميا وإدخالها المفاوضات الجديدة في وضع تقدم فيه تنازلات عجزت حرب الـ ٤٠ يوما عن إجبارها عليها. بعبارة أخرى ومن وجهة نظر ترامب ونتنياهو، وأنهما تلقيا كلا على حدة هدية انتخابية لا تقدر بثمن عندما توجت حماس إنجازات لبنان والعراق وسوريا بإنجاز رابع على الساحة الفلسطينية وافقت فيه على نزع سلاحها. يقدمه كلاهما لجمهوره من الناخبين بوصفه انتصارا كاملا في تحطيم ما عرف بشبكة الدفاع المتقدم أو طوق النار الذي شيدته إيران حول إسرائيل. 

قد ينجح نتنياهو في تحويل هدية خروج حماس من ساحة العمل المقاوم المسلح في انتخابات أكتوبر العامة إلى البقاء في السلطة وقد لا تكون كافية فيخسر السباق أمام آيزنكوت أو تحالف بينيت/ لابيد. 

وقد يتلقف ترامب وحزبه الجمهوري هدية حماس مع هدايا لبنان والعراق وسوريا والجزيرة العربية في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل وقد لا تكفي الهدية في استعادة شعبيته التي بلغت أدنى مستوى لرئيس أمريكي في فترة حكمه الثانية. 

لكن ما هو مؤكد من تجربة التاريخ القريبة والقريبة جدا هو أنه على التنبؤ السياسي أن يكون حذرا في تصديق إعلانات السيطرة المطلقة التي دأبت أمريكا منذ حلولها محل بريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط منذ نحو ٧ عقود على التبشير بها ثم تتعرض بعدها لانتكاسات كبري. 

ولماذا نذهب بعيدا فقد كانت أمريكا في سبتمبر ٢٠٢٣ أواخر عهد بايدن قد وصلت إلى نقطة بدا فيها أنها تدفع الصين بعيدا عن الشرق الأوسط وتجهض مكاسب وموضع قدم كانت بكين قد حققتها من بينها ضم دول عربية حليفة لواشنطن مثل مصر والسعودية إلى تجمع البريكس. وبدا أنها ستتفرغ أكثر للصين في آسيا وقد بدا الشرق الأوسط وقتها بأكمله مكورا كورقة في قبضة يدها عبر إسرائيل عندما تم التوقيع على اتفاق ممر بهارات الذي كان سينقل السعودية وعشرات الدول الإسلامية/العربية لدول التطبيع الإبراهيمي مع إسرائيل. 

وكان الممر سيحول إسرائيل لمقام الهيمنة الاقتصادية على أهم ممر تجارة مع آسيا وأوروبا متفوقا على هرمز وقناة السويس وباب المندب بما يدعم وضع الهيمنة العسكرية كوكيل لواشنطن. 

جاء السابع من أكتوبر وإبادة إسرائيل الوحشية الجماعية لغزة وعدوانها على سبع دول بالإقليم ليوقف القطار المندفع ويخرجه من مساره لينقلب في الفراغ. 

كل ما تفعل وتريد واشنطن هو إعادة عقارب الساعة إلى عشية السابع من أكتوبر تحيي به وتوسع المسار الإبراهيمي وتفرض نظاما إقليميا من الخارج على وحداته الأصيلة، فهل تنجح ويعيد التاريخ نفسه أم أنه حتى إذا عاد فإنه في المرة الثانية يصبح مهزلة؟ 

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري