ثمن التغيير..

07 أغسطس 2026
07 أغسطس 2026

أن تتقوقع في محيطك، في ذاتك، في جغرافيتك، في المساحة المتاحة لك، ينظر إلى ذلك على أنه إشكالية موضوعية في الوعي بما يدور حولك، وهو أمر باعث على الملل، أيضا؛ أن تتحرر من محيطك، من ذاتك، من جغرافيتك، من المساحة المتاحة لك؛ ينظر إلى ذلك بكثير من الريبة، وهو أمر باعث على القلق؛ خاصة إذا كان هذا التحرر يذهب بك بعيدا عن ما اعتاد عليه الآخرون من حولك، ووفق هذه المعادلة الصعبة عليك أن توازن بين متطلبات التغيير،

وبين الالتزام بما تمليه عليك القيم، والنظم، والقوانين، والأعراف، وخصوصية الزمان والمكان، هذا إذا كان الأمر على المستوى الشخصي، أما إذا كان الأمر على المستوى العام؛ فإن التغيير هو مطلب وجودي لا مناص عنه بل هو فرض عين، ومن يقلقه التغيير، فذلك يعاني شيئا من الرهاب المصطنع يسمى «معاداة التغيير» لأن لتحقيق التغيير ثمنا غير منكور؛ فهو ينقل الحالة الساكنة الخاملة، إلى حالة من الديناميكية والحركة،

وهذا الثمن ليس في مقدور كل واحد منا تحمله، لأنه يصطدم بصورة مباشرة برغباتنا، واحتياجاتنا الخاصة: المادية والمعنوية؛ حتى على المستوى العام، لأن التغيير معناه التضحية، والتغيير معناه التنازل عن متعلقات الذات المشحونة بالخصوصية، والمثقلة بالوجاهة، وتحقيق الذات، ولذلك فالذين يعتنقون التغيير؛ هم من استطاع أن يتحرر من متعلقات الذوات الخاصة، ورأوا في مساحة التغيير الخروج عن المألوف والمعتاد، وهم يدفعون ثمن ذلك ويدركونه، ومع ذلك هم مستعدون لتحمل المسؤولية مهما كان الثمن، ولذلك قيل: «من لم يدفع ثمن التغيير في نفسه؛ سيدفع ثمن البقاء في مكانه» والبقاء هنا التموضع، وهو المولد لكثير من النمطية والتكرار، والبقاء على الهدوء القاتل،

وهذا ما لا تقبله حركة الكون من حولنا، فتقلب الليل والنهار، وحركة البحار والأنهار، وتغير أوراق الأشجار، وحركة الرياح وتنقل حبات الرمال؛ كلها تشي إلى أن التغيير أمر وجودي، لا يحتاج إلى كثير من التعليل والمراجعة والتفكير كحالة عامة، أما في شأن البنية التكوينية لتغيير الأشياء فهي؛ بلا شك؛ تحتاج إلى كثير من التفكير والمراجعة والتعليل.

يقيّم التغيير على أنه حالة ديناميكية مستمرة -كما جاء أعلاه- تسعى إلى إيجاد واقع مغاير لما عليه الحال، فالحال يبقى صورة نمطية خرجت عن حالتها الاستهلاكية المتكررة إلى إيجاد بدائل، وصور جديدة، وإن ظلت في دائرة الاستهلاك، إلا أنها بروح جديدة، فالتطوير في ذات الشيء؛ هو تغيير بامتياز،

ولذلك فالذين يزعجهم التغيير؛ يبدو أنهم فقدوا بوصلة الاستمرار بمتطلبات الحياة اليومية التي تخضع لمحفزات كثيرة كلها تدعو إلى التغيير، كما هو حالة حركة الكون التي نعيشها، وتشير أصابع الاتهام هنا؛ أكثر؛ إلى كبار السن، الذين يلجؤون باستمرار إلى الانحياز إلى حالات الهدوء والسكينة، حيث تزعجهم الإرهاصات والتحولات المستمرة، بخلاف الأصغر عمرا، وهم المتبنون؛ دائما؛ لأفكار التغيير والتطوير، وهم المتصادمون؛ دوما؛ مع من يكبرهم، لاختلاف وجهات النظر بين الطرفين،

وإذا كان الكبار من حقهم الهدوء والسكينة، فكذلك الصغار من حقهم الحركة والديناميكية في رسم حيواتهم اليومية، وهي المعبرة عن حقيقة ما يعتلي بين جوانبهم الهمة والنشاط، ومن المقولات في ذات المعنى: « هذه الحياة لن تقف لتراعي حزنك، إما أن تقف أنت وتكملها رغم انكسارك أو أنك ستبقى طريحا للأبد!» والمقولة منسوبة إلى تشي جيفارا- ويقينا؛ أن المتبنين للتغيير، لن يرضوا أن يكونون طريحي الفراش.

يتحتم في هذه المسألة؛ أكثر؛ أن التغيير ليس صورا احتفالية موقوتة بزمن، تتلاشى مع انتهاء الزمن المحدد لها، بل هي إنجاز تراكمي، تقوم عليه كل البناءات الذاتية الإنسانية في بعديها المادي والمعنوي، فاكتمال الأشياء لم يولد من فراغ، مع التأكيد على أن التغيير يتطلب الكثير من الاستحقاقات المادية والمعنوية أيضا، فالمسألة ليست بسيطة؛ وفق ما يتخيل نظريا.