إعصار شاهين يعيد تشكيل ذاكرتي التاريخية
بينما كنت في مهمة عمل في جزيرة لامو، إحدى جزر أرخبيل لامو على الساحل الكيني، حيث كانت سفن أجدادنا العُمانيين تتوسد وتتسيد الساحل الشرقي لإفريقيا، انتشرت الأنباء ببوادر تشكل إعصار أطلق عليه اسم "شاهين"، ضرب السواحل العُمانية في 3 أكتوبر 2021م، وتركزت آثاره المدمرة على بعض الولايات الساحلية، وكان لولاية "السويق"، مسقط رأسي، حصتها الكبيرة من تلك الآثار. كان ذلك الحدث اختبارًا قاسيًا للخوف والهلع والعجز أيضًا.
أخذتني الذاكرة بعيدًا، إلى يونيو من عام 1890م، حيث تعرضت عُمان لإعصار قوي حدث من منتصف ليلة 4 يونيو حتى منتصف ليلة 5 يونيو سنة 1890م، امتد أثره المدمر على الساحل من صور إلى السويق، وإلى الداخل حتى وادي سمائل، على نحو ما يشير إليه لوريمر في دليل الخليج التاريخي، تحت عنوان: "إعصار رهيب يونيو 1890م"، بمعلومات مقتضبة جدًا.
وبالعودة إلى موسوعة عُمان: الوثائق السرية في مجلدها الأول، وجدت تفاصيل أكثر في تقرير الوكيل السياسي البريطاني المرفوع في يوليو 1890م، حيث ذكرت الوثيقة: "حدثت هنا زوبعة قوية صاحبها هطول عنيف ومستمر للأمطار، وامتدت على طول الساحل من صور إلى السويق، وذلك في 4 و5 من الشهر. وقد بدأت أولًا منتصف ليلة 4 من الشهر، إلا أن الرياح اشتدت في صبيحة 5 من الشهر، التي كانت ذات اتجاه شمالي شرقي. وفي حوالي الساعة العاشرة والنصف حدثت العاصفة، التي استمرت حتى حوالي منتصف الليل.
وكانت كمية المطر التي تم تسجيلها في المستشفى المدني منذ بدء العاصفة حتى نهايتها، أي حوالي 24 ساعة، قد بلغت 11 إنشًا و24 سنتيمترًا، وقد تأثرت بها منطقة مطرح لأنها مفتوحة من الجهة الشمالية الشرقية، حيث جنحت فيها العديد من المراكب". ويضيف الوكيل السياسي في تقريره: "لم تقتصر آثار هذه العاصفة على هاتين المدينتين، وإنما امتدت إلى المناطق الداخلية، حيث وصلت وادي سمائل من جانب ووادي بني غافر من جانب آخر".
وبحسب ذلك التقرير، تم إحصاء عدد الضحايا جراء ذلك الإعصار، حيث بلغ عددهم 727 شخصًا، وربما يكون العدد أكبر من ذلك لعدم وصول تقارير من مناطق أخرى كثيرة، على نحو ما يشير إليه الوكيل السياسي. أما الخسائر التي وقعت في الأملاك، فقد تركزت في أشجار النخيل، وكانت الخسائر فادحة، حيث اقتُلعت آلاف الأشجار من جذورها وحملتها الفيضانات بعيدًا، وعمت الفيضانات أيضًا المناطق الشرقية.
وتم اتخاذ خطوات مباشرة لسحب المياه الراكدة إلى قاع الوادي، ويشير التقرير إلى أن ظروف مدينة مسقط كانت ما تزال خطرة بسبب المياه التي نفذت إليها. وفي وثيقة أخرى مؤرخة في 21 سبتمبر 1890م، يوضح الوكيل السياسي البريطاني الأضرار التي تم حصرها عن الإعصار، حيث يشير إلى أن عدد أشجار النخيل التي تضررت واقتلعت من جذورها بلغ 109500 نخلة، أي خسارة بمقدار 1525000 دولار.
ومن اللافت في ذلك التقرير ما أشار إليه الوكيل السياسي بأنه نجح، من خلال تتبع المخطوطات القديمة، في التوصل إلى حدوث عاصفة واحدة مشابهة لهذه حصلت هنا -يعني عُمان- في ليلة الرابع من جمادى الأولى عام 251هـ/2 يونيو 862م، حيث دفنت المنطقة بين الغبرة وصحار، وحملت الفيضانات العديد من الناس، وأغرقت بلدانًا كاملة، وهي المناطق المحيطة بسمائل وبدبد، التي امتدت إلى صحار، وذلك بسبب فيضان وادي صلان.
وذلك الحدث الذي أشار إليه الوكيل السياسي في تقريره حدث في عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي (237-272هـ/851-886م)، وتحدثت عنه المصادر التاريخية العُمانية، حيث ذكر المؤرخ نور الدين السالمي في كتابه تحفة الأعيان: "وفي سنة إحدى وخمسين ومائتين كان بصحار وبعُمان السيل الكثير، وانهدم دور كثير، ومات فيه ناس كثير، وغرق السيل عامة عُمان، وبلغ الماء مواضع لم يبلغها قبل ذلك فيما بلغنا". وقد فصّل السالمي في وصف آثار ذلك الإعصار، أو كما تسميه المصادر بالجائحة.
وبالعودة إلى "إعصار شاهين"، الذي أعاد تشكيل ذاكرتي التاريخية، أعادني هذه المرة إلى عام 2007م وإعصار جونو. أذكر أنني كنت في السنة الجامعية الرابعة، في الفصل الصيفي، وعندما عدنا إلى جامعة السلطان قابوس تملكتني نوبة بكاء عارمة وأنا أرى الدمار الهائل الذي خلفه الإعصار، حيث اقتُلعت أغلب الأشجار، وتغيرت ملامح وخرائط الطرقات والممرات! فإعصار جونو كان إعصارًا مداريًا اجتاح السواحل الشمالية الشرقية من عُمان، تحديدًا بعض نواحي محافظة مسقط، وقريات، ونواحي من محافظة جنوب الشرقية، واستغرق مدة ثلاثة أيام، من 4 إلى 6 يونيو 2007م، وصُنّف بأنه أحد أقوى الأعاصير المدارية التي تشكلت في النصف الشمالي من المحيط الهندي منذ عام 1945م.
وخلف ذلك الإعصار دمارًا هائلًا بالبنية التحتية، وكلّف الاقتصاد العُماني حوالي مليار ونصف ريال لإعادة بناء البنية الأساسية من طرقات وجسور.
وما بقي في الذاكرة حقًا تلك الملحمة الوطنية التي عزفها أبناء عُمان في إغاثة المتضررين وإعادة الحياة إلى القرى والمدن التي تضررت، وبقي أيضًا مشاعر الخوف من الفقد في كل مرة نترقب فيها إعصارًا قادمًا!
وتحفظ الذاكرة التاريخية الكثير من الأعاصير التي مرت على عُمان؛ كإعصار عام 1927م الذي ضرب مناطق من عُمان، لا سيما في شمال الشرقية، وإعصار عام 1948م، الذي ضرب محافظة ظفار، وتعرف تلك السنة بسنة الحيمر، لأنها حدثت في وقت كان فيه النجم المعروف بالحيمر ظاهرًا، وصاحب الإعصار فيضانات قوية ورياح شديدة، خلفت دمارًا شديدًا، بالإضافة إلى انهيارات أرضية وخسائر في الأرواح والممتلكات.
ونذكر أيضًا إعصار عام 1951م، ويعرف هذا الإعصار بجرفة السبعين (1370هـ)، إذ تعرضت المنطقة الداخلية إلى إعصار هائل محمل برياح شديدة، وأدى ذلك إلى مقتل المئات ودمار هائل في القرى المتضررة. وإعصار عام 1959م، وتحديدًا في مايو، حيث تعرضت محافظة ظفار إلى إعصار قوي، وعرفت هذه السنة بسنة "الغريقة" بسبب غرق سفينة تحمل أناسًا كثيرين من المحافظة.
والقائمة تطول، فكما أن قدر عُمان أن تكون في هذا الموقع الجيوسياسي البالغ الأهمية والتأثير، فقدرها كذلك أن تكون عرضة دائمة للأعاصير والفيضانات والمنخفضات الجوية، وقدر أبنائها أن يعزفوا دائمًا سيمفونية التلاحم والتكافل بحب ووفاء وإباء.
