ثقافة

"مسك أحمر".. ترميم الروح تحت ركام الذاكرة

06 أغسطس 2026
06 أغسطس 2026

"لم يكن البقاء خياراً، كان أمراً يحدث ببطء، تماماً كقارورة عطر تفتح على مهل."

هكذا تبدأ الكاتبة نجد حوراني روايتها "مسك أحمر" الصادرة عن المؤسسة العربية (بيروت 2026) في 192 صفحة. تحاول حوراني أن تعبر الزمن وهي تقلب الذكريات منذ بداية الصرخة الأولى في داريا، إحدى مدن الريف الدمشقي التي سكنها الوجع، لتصل بعد عقد واحد ثم تتابع المسير نحو نصف قرن في خيال سلس لمدينة عرفت أنواع الدمار وتعالت أبراجها في حلم كان يشكل مساحة لاستجرار الذكريات المؤلمة: "لم يكن انحيازاً لباريس بقدر ما كان فراراً من هذه الكثافة التي تنتظرني هنا. من هذا الهواء المشبع بالذاكرة. من هذا القرب الذي لا يترك مسافة آمنة بين القلب ووجعه".

تتجمع تفاصيل الوجع والفجائع الكثيرة لتبني بنية الرواية التي نسجت من ألم الحرب فصولها بعناية، ملامسة ما دار في تلك السنوات عبر تعابير مكثفة توضح الصورة أمام القارئ. اقتربت الكاتبة من الآثار العميقة التي حفرتها الحرب في وجدان الإنسان، والتي باتت تاريخاً يُروى من واقع المأساة، فلم تكتفِ بالوقوف عند حدود التوثيق التاريخي للواقع السوري، بل نبشت في سيكولوجيا الفقد، وجدلية المكان، وقدرة الروح على المقاومة. يتقاطع في هذا العمل الوجدان بالتاريخ، والمباشر بالرمز، ليضع القارئ أمام تساؤل جوهري: هل تستطيع المدن والأرواح أن تُشفى عبر البناء المادي، أم أن الشفاء المكتمل يستلزم ترميماً لذاكرة غير قابلة للنسيان؟

تعتمد الرواية على تقنية البناء المزدوج في رحلة عبر زمنين ومكانين لتفكيك الهوية؛ إذ تتوزع الأحداث بين عام 2011 في داريا ورأس شمرا/أوغاريت، وبين عام 2051 في داريا الجديدة وباريس. في الزمن الأول، يتقاطع ألم النزوح والبحث عن الأمان مع خلفية حضارية ضاربة في القدم من خلال شخصية سلمى وحبها لأحمد، ليؤكد النص أن الإنسان امتداد لأول أبجدية وأول نوتة موسيقية عرفتها البشرية. أما في الزمن الثاني، فتقفز بنا الأحداث أربعين عاماً إلى الأمام لنرى مدينة شاهقة بالأبراج، تعود إليها الطبيبة ألمى القادمة من باريس لتستكشف خطى والدتها، وتكتشف أن التطوّر التقني لم يستطع محو عبق الياسمين والمسك العالق تحت طبقات الإسمنت.

تتحرك في هذا الفضاء شخوص تمثل أطيافاً مختلفة في مواجهة الصدمة؛ بين سلمى المتمسكة بالجذور، وألمى الباحثة عن ذاتها في الشتات، وأحمد ووالده الأستاذ برهان ببعدهما التنويري والصوفي، ورزان التي اختارت الانسلاخ والواقعية لتستمر الحياة. يقدم العمل شخصيات عانت من الاعتقال والنزوح والتهجير وركوب البحر وفقد الأحبة، كاشفاً ضعفها ورغباتها وخوفها ومحاولاتها المستمرة للتكيف مع واقع جديد من خلال مصائرها المتشابكة، وما تتركه التجربة القاسية من ندوب لا تظهر دائماً للعين. فالرواية تبحث عن الإنسان الذي بقي بعد العاصفة، وعن الطريقة التي يحمل بها ماضيه ليصنع حاضره.

كما تمنح الكاتبة للتفاصيل اليومية دوراً أساسياً في بناء عالمها الروائي؛ فالأشياء الصغيرة والعلاقات القريبة تصبح حاملة لمعانٍ أكبر من حجمها لأنها تكشف أثر التحولات الكبرى في حياة الأفراد، ليتحول الخاص إلى نافذة على العام وتصبح قصة العائلة صورة مصغرة لمأساة مجتمع بأكمله. وهذا التقابل بين الزمنين والمصائر، إضافة لكونه تقنية سردية، كان عدسة لاستكشاف كيف تتوارث الأجيال الأزمات النفسية والارتباط بالجذور.

يحمل عنوان الرواية "مسك أحمر" حمولة رمزية مكثفة؛ فالأحمر يرمز للدم النازف والتضحية، بينما المسك يعبر عن البقاء والخلود والعبق الذي لا يزول. تنسج الكاتبة شبكة من الرموز الشامية الكلاسيكية كالياسمين، والتراب، ورائحة البيوت القديمة والأطباق، وتجرّدها من النمطية الفولكلورية لتبني منها هوية سيكولوجية عابرة للشتات؛ فالمسك الأحمر هنا هو المعادل الموضوعي للإصرار على الحياة والإصرار على ألا تموت الذاكرة تحت ركام الأبنية المهدمة.

على الرغم من هذا البناء الطموح، فإن ما يُؤخذ على الرواية وقوعها في بعض المقاطع في مصيدة الاستطراد الوصفي والتداعي الإنشائي المكثف؛ حيث أُثقل السرد بجمل وصفية ومترادفات متتابعة تبدو في كثير من الأحيان كـ "حشو بلاغي". هذا النمط من التركيب البلاغي يُشعر القارئ أحياناً بنبرة تصنع تشبه المعالجات الآلية أو الجاهزة، مما يُغيب الحرارة الإنسانية العفوية لصالح الزخرفة اللفظية التي تقطع حبل التدفق الدرامي.

تصل الرواية إلى نهاية مفتوحة تطرح أسئلة كثيرة تتصل بالتحول الجديد، وما يجب البناء عليه كي تشفى الأرواح من غربتها وأوجاعها وذكرياتها التي لا تنطفئ بسهولة. وعلى الرغم من الملاحظات الفنية، توجّه "مسك أحمر" رسالة أنيقة مفادها أن المدن لا تُبنى بالحجر وحده، وأن الشفاء الحقيقي يبدأ من ترميم الروح ومواجهة الذاكرة بصدق وشفافية، تاركة القارئ أمام سؤال مفتوح: كيف يحمل الإنسان ذاكرته وندوبه، ويواصل البحث عن حياة جديدة بعد أن تغير كل شيء؟

Image