ثقافة

التشكيلي سـعــود الحُــنـيـني: أرسم الماضي ليبقى حاضرًا.. وأحفـظ ذاكــرة عُـمان بـاللـون

04 أغسطس 2026
04 أغسطس 2026

حوار: خلود الفزاري

اللوحة وسيلة لحفظ الذاكرة العُمانية واستحضار تفاصيل الإنسان والمكان - 

الهوية العُمانية قادرة على التعبيرعن نفسها بلغة الفن - 

اللوحة تبدأ من العقل ثم الخيال وتكتمل عندما تعبر القلب - 

تكوّنت شخصيته الفنية من خلال رحلة طويلة من التأمل والدراسة في مدارس فنية مختلفة، وكان للمدرسة الواقعية حضور أساسي في تكوينه، إلى جانب اهتمامه بالمدرسة السريالية؛ لما تحمله من قدرة على تجاوز الواقع الظاهر إلى عوالم الخيال والفكرة.

لكن هذه التأثيرات لم تكن بهدف تقليد أي تجربة، بل كانت مراحل في بناء رؤيته الخاصة؛ مستفيدا من جماليات هذه المدارس وأدواتها، بإعادة صياغتها من خلال إحساسه وبيئته وهويته العُمانية، وصولا إلى أسلوبه وبصمته الفنية.

حيث تركت ريشته أثرا للتراث العُماني كجزء من الذاكرة والهوية والوجدان، بكل ما يحمله من قصص العُماني وعلاقته بالمكان، وتفاصيل حياته اليومية، وقيمه التي تشكلت عبر أجيال طويلة.

«عمان» تتوقف مع الفنان التشكيلي الدكتور سعود بن ناصر الحنيني ليخبرنا عن تجربته ومسيرته الفنية.

من هم الفنانون أو المدارس الفنية التي تركت أثرًا في تكوين شخصيتك الفنية؟

تأثرت بشكل خاص بتجربة الفنان الهولندي رامبرانت، الذي تعلمت من أعماله أهمية الضوء والظل، وكيف يمكن للإضاءة أن تمنح العمل الفني عمقًا دراميًا وروحًا إنسانية. كما ألهمتني تجربة الفنان ليوناردو دافنشي في بناء التكوين الفني المتوازن، ودقة دراسة النسب والعلاقة بين العناصر داخل العمل. أما الفنان سلفادور دالي فقد كان له أثر في فهمي للمدرسة السريالية، وكيف يمكن للفنان أن يحرر الخيال ويمنح الفكرة مساحة للتعبير خارج حدود الواقع التقليدي.

لماذا ظل التراث العماني محورًا أساسيًا في تجربتك؟

منذ بداياتي، شعرت بأن البيئة العُمانية بما تحمله من تنوع وجمال؛ من البحر والصحراء والجبال والقرى القديمة إلى العمارة التقليدية والعادات الإنسانية، تمثل مصدرًا غنيًا لا ينضب للإلهام. لذلك حاولت من خلال أعمالي أن أوثق هذه التفاصيل بأسلوبي الخاص، وأن أقدمها بروح معاصرة تصل إلى الإنسان في أي مكان.

ولا يقتصر اهتمامي على رسم ما نراه اليوم من ملامح التراث، بل يمتد أيضًا إلى استحضار مشاهد من التاريخ العُماني والحياة القديمة التي لم تُوثَّق بصريًا. فأنا أبحث في الموروث الشعبي، والروايات الشفوية، والمراجع التاريخية، ثم أعيد صياغتها فنيًا لتتحول إلى ذاكرة بصرية تحفظ للأجيال القادمة جوانب من حياة الإنسان العُماني التي قد تندثر أو تُنسى مع مرور الزمن.

خاصة عندما تتناول تفاصيل لم توثقها الصورة أو لم تسجلها العدسة. لذلك لا أكتفي برسم الحاضر، بل أحرص أيضًا على إحياء الماضي، ليبقى حاضرًا في الذاكرة البصرية للأجيال القادمة.

أعمالك تجمع بين الواقعية والدقة العالية، لماذا اخترت هذا الأسلوب تحديدًا؟

اخترت الأسلوب الواقعي لأنه يمنحني القدرة على الاقتراب من الإنسان والتفاصيل التي تحمل المعنى، فالواقعية ليست مجرد نقل لما تراه العين ، بل محاولة لاكتشاف ما وراء الصورة من مشاعر وقصص وتفاصيل إنسانية.

ومع تطور الفن الواقعي عالميًا، ظهرت مؤخرا اتجاهات أكثر تقدمًا مثل الواقعية المفرطة (Hyperrealism)، التي وصلت إلى مستويات عالية من الدقة والقدرة التقنية، وأصبحت تمثل تحديًا جديدًا للفنان المعاصر. لذلك أؤمن بأن الفنان لا ينبغي أن يبقى عند حدود الأساليب السابقة، بل عليه أن يطور أدواته ويواكب ما وصل إليه الفن من تطور. ومن خلال تجربتي، حاولت أن أتعامل مع الواقعية ليس كنسخ فوتوغرافي للواقع، وإنما كلغة فنية أستطيع من خلالها التعبير بأسلوب معاصر قادر على الحوار مع التجارب العالمية.

كيف تبدأ اللوحة لديك؟

في الغالب تبدأ اللوحة لدي من فكرة؛ فكرة تحمل في داخلها موضوعًا أو معنى أو حالة إنسانية أريد التعبير عنها. وبعد أن تتشكل الفكرة، يبدأ الإحساس بالدخول إلى العمل، فهو الذي يمنح اللوحة روحها وخصوصيتها.

وقد تكون الفكرة مرتبطة بمشهد من التاريخ العُماني، أو بالإنسان، أو بالبيئة، أو بتفصيل صغير يحمل دلالة أكبر، لكنني لا أتعامل معها كصورة جاهزة، بل أبحث عن المعنى الكامن خلفها، وعن المشاعر التي يمكن أن تصل إلى المتلقي.

وعندما يكون موضوع اللوحة مستوحى من التاريخ، أحرص على زيارة المكان الذي دارت فيه الأحداث أو الذي ألهم الفكرة. أقف فيه طويلًا، أتأمل تفاصيله، وأحاول أن أستحضر في مخيلتي كيف كانت الحياة هنا قبل مئات السنين؛ كيف كان الناس يتحركون، وكيف كانت البيوت والأسواق، وكيف كانت العلاقة بين الإنسان والمكان. ومن خلال هذا التأمل تبدأ المشاهد بالتشكل في ذهني من زوايا متعددة، وكأنني أعيش تلك اللحظة، ثم أعيد صياغتها في لوحة تمنح ذلك الزمن حياةً جديدة.

وقبل أن أبدأ التنفيذ، أبحث عن التكوين المناسب، والعلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الضوء والظل واللون والعناصر، حتى تصبح اللوحة واضحة في مخيلتي. وعندما أبدأ الرسم، لا يكون هدفي نقل الواقع كما هو، بل إعادة بناء المشهد ليحمل إحساسًا وذاكرة ورسالة، ويمنح المتلقي فرصة للدخول إلى ذلك الزمن، لا مجرد مشاهدته.

ما أبرز التحولات التي شهدتها الحركة التشكيلية في عُمان خلال العقود الماضية؟

شهدت الحركة التشكيلية في سلطنة عُمان تطورًا ملحوظًا خلال العقود الماضية، حيث انتقلت من مرحلة التأسيس والتكوين إلى مرحلة أكثر نضجًا وحضورًا على المستويين العربي والدولي.

ومن أبرز المحطات المهمة في مسيرة الفن التشكيلي العُماني تأسيس مرسم الشباب في مسقط عام 1980، الذي كان له دور كبير في احتضان المواهب الشابة وتوفير البيئة الأولى للتدريب والتجربة الفنية، حيث أشرفت وزارة التربية التعليم «سابقا» في بدايته، ثم انتقل لاحقًا إلى إشراف وزارة التراث القومي والثقافة آنذاك.

ثم جاءت النقلة المهمة في عام 1993م من خلال المكرمة السامية بتأسيس الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية تحت إشراف ديوان البلاط السلطاني، التي شكلت مرحلة مهمة ومضيئة في مسيرة الفن التشكيلي العُماني؛ لما قدمته من دعم ورعاية للفنانين، وما أتاحته من فرص واسعة للتطوير، وإقامة المعارض، وتعزيز حضور الفن التشكيلي داخل سلطنة عُمان وخارجها.

وفي عام 2019م تأسست وزارة الفنون (سابقًا)، لتتولى الإشراف على الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية، ثم جاءت مرحلة التطوير المؤسسي لاحقًا من خلال المرسوم السلطاني بدمج مختلف مجالات الفنون تحت مظلة وزارة الثقافة والرياضة والشباب، بما يعكس الاهتمام المتزايد بالفنون باعتبارها عنصرًا أساسيًا في بناء الهوية الثقافية وتعزيز التنمية الحضارية. أما على مستوى الفنان العُماني، فقد استطاعت التجربة التشكيلية أن تحقق حضورًا عالميًا من خلال العديد من الإنجازات والجوائز الدولية. وكان من أوائل هذه الإنجازات حصول الفنان خميس الحنيني على جائزة عالمية عام 1983، بعد ثلاث سنوات فقط من تأسيس مرسم الشباب، مما أكد مبكرًا قدرة الفنان العُماني على المنافسة خارج حدود الوطن.

كما حقق الفنان الراحل رشيد بن عبدالرحمن البلوشي الجائزة الكبرى في بينالي القاهرة عام 2006، وحصل النحات سالم المرهون على الجائزة الكبرى في بينالي الشارقة عام 2010، إضافة إلى العديد من المشاركات والجوائز المشرفة التي حققها فنانون عُمانيون في بيناليات دولية، ومنها بينالي بنغلاديش. واليوم، يشهد الفن التشكيلي العُماني مرحلة جديدة من الحضور العالمي، من خلال مشاركة سلطنة عمان في بينالي البندقية، أحد أهم المحافل الفنية الدولية، ووجود جناح عُماني خاص فيه يمثل محطة مهمة تؤكد تطور التجربة الفنية العُمانية ووصولها إلى مستوى عالمي.

هل استطاع الفن العُماني أن يصنع هويته الخاصة على الساحة العربية والدولية؟

نعم، الفن العُماني استطاع خلال العقود الماضية أن يكوّن ملامح هويته الخاصة، وأن يثبت حضوره في الساحة العربية والدولية.

وقد ساهم تنوع تجارب الفنانين العُمانيين، واختلاف توجهاتهم وأساليبهم، في إثراء المشهد التشكيلي، فمنهم من انطلق من التراث والبيئة، ومنهم من خاض تجارب تجريدية ومفاهيمية ومعاصرة، وهذا التنوع يؤكد أن الهوية ليست قالبًا ثابتًا، بل حالة متجددة تنمو مع تطور الفنان.

كما أن الإنجازات التي حققها الفنانون العُمانيون في المحافل والمعارض والبيناليات الدولية أثبتت أن الفن العُماني قادر على المنافسة والحضور خارج الحدود، وأن الفنان العُماني يمتلك القدرة على تقديم تجربة تحمل خصوصيتها وفي الوقت نفسه تخاطب الإنسان أينما كان.

ما الذي يحتاجه الفن التشكيلي العُماني ليصل إلى حضور عالمي أكبر؟

أعتقد أن الفن التشكيلي العُماني يمتلك المقومات الأساسية للوصول إلى حضور عالمي أكبر؛ فهو يملك الهوية، والتجارب المتنوعة، والفنانين القادرين على تقديم أعمال ذات مستوى فني رفيع. ولكن الوصول إلى حضور عالمي أوسع يحتاج إلى منظومة متكاملة من العمل والاستمرارية.

في مقدمة ذلك تأتي أهمية زيادة المشاركات الدولية النوعية، ليس فقط من خلال المشاركة في المعارض، بل عبر بناء مشاريع ثقافية مستدامة تقدم الفن العُماني بصورة متكاملة، وتعرّف العالم بتجربته وتاريخه وتنوعه.

كما يحتاج الفنان العُماني إلى مزيد من الفرص للانفتاح على التجارب العالمية، من خلال الإقامات الفنية، والحوارات الثقافية، والتواصل المباشر مع المؤسسات والمتاحف و(الغاليريهات) الدولية؛ لأن الحضور العالمي يُبنى من خلال العلاقات والاستمرارية وليس من خلال مشاركة واحدة.

ومن المهم أيضًا تعزيز الجانب الإعلامي والتوثيقي للفن العُماني، فالكثير من التجارب الفنية المتميزة تحتاج إلى منصات تعرف بها وتقدمها بالشكل الذي يليق بمستواها. وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون هذا الانفتاح مصحوبًا بالتمسك بالهوية؛ فالفنان الذي يصل إلى العالم ليس من يتخلى عن خصوصيته، بل من يحمل هويته بأسلوب معاصر يجعلها قادرة على التواصل مع الآخرين.

كيف تنظر إلى تجارب الفنانين الشباب في سلطنة عُمان؟

أنظر إلى تجارب الفنانين الشباب بتفاؤل كبير، فهناك طاقات إبداعية واعدة تحمل رغبة حقيقية في التجربة والبحث عن أساليب جديدة للتعبير. وما يميز هذا الجيل أنه يعيش في زمن تتوفر فيه مصادر المعرفة والتواصل بشكل أوسع، مما يمنحه فرصًا أكبر للاطلاع على التجارب الفنية العالمية والانفتاح على مختلف الاتجاهات والمدارس.

وفي الوقت نفسه، أرى أن أهم ما يحتاجه الفنان الشاب هو بناء شخصيته الفنية الخاصة؛ فالاطلاع على التجارب الأخرى أمر مهم، لكنه يجب أن يكون وسيلة للتطور وليس للتقليد. فالفنان الحقّ هو من يستطيع أن يستفيد من العالم من حوله، ثم يعيد صياغة ذلك من خلال رؤيته وبيئته وهويته.

كما أن الموهبة وحدها لا تكفي؛ فالفن يحتاج إلى الصبر، والممارسة المستمرة، والدراسة، والبحث، وتراكم التجربة. فالأسلوب الفني لا يولد في فترة قصيرة، بل يتشكل عبر سنوات من العمل والتأمل.

هل أصبح الوصول إلى الشهرة اليوم أسهل من الوصول إلى الجودة الفنية؟

لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت الكثير من مفاهيم الانتشار والتعريف بالفنان، وأصبحت تمنح فرصًا واسعة للظهور والوصول إلى الجمهور بشكل أسرع من السابق. ولكن سرعة الانتشار لا تعني بالضرورة الوصول إلى القيمة الفنية أو بناء تجربة حقيقية.

الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين أو بحجم الحضور الإعلامي فقط، بل بعمق التجربة، ومستوى العمل، وقدرة الفنان على تقديم رؤية خاصة ومؤثرة. فقد يحقق بعض الفنانين حضورًا سريعًا من خلال الإعلام، لكن الاستمرارية والاحترام الفني لا يصنعهما إلا العمل الصادق والمتراكم. وفي المقابل، لا يمكن إنكار أهمية الوسائل الحديثة، فهي أدوات يمكن للفنان الحقيقي أن يستفيد منها في التعريف بتجربته والوصول إلى جمهور أوسع، بشرط أن تبقى الأداة خادمة للفن وليست بديلًا عنه. ففي النهاية، قد تمنح الشهرة الفنان حضورًا مؤقتًا، لكن الجودة الفنية هي التي تمنحه مكانته واستمراره عبر الزمن.

أترى أن التقنيات الرقمية تهدد الفن التشكيلي التقليدي أم أنها تفتح أمامه آفاقًا جديدة؟

لا أرى أن التقنيات الرقمية تشكل تهديدًا للفن التشكيلي التقليدي، بل أراها امتدادًا جديدًا للأدوات التي يمكن للفنان أن يستفيد منها، فالفن عبر التاريخ تطور مع تطور الوسائل، لكن جوهره ظل مرتبطًا بفكر الفنان ورؤيته وقدرته على التعبير. أصبح واضحًا لي أن المستقبل ليس صراعًا بين الفن التقليدي والفن الرقمي، بل هو مساحة للتكامل بينهما؛ فالفنان الحقيقي هو من يعرف كيف يوظف أدوات عصره دون أن يفقد هويته وروحه الإبداعية.

كيف يمكن للفنان أن يحافظ على بصمته الإنسانية في عصر أصبحت فيه الصورة تُنتج بضغطة زر؟

في هذا العصر الذي أصبحت فيه الصورة متاحة بشكل سريع من خلال التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية دور الفنان الحقيقي؛ لأن قيمة الفن لا تكمن في إنتاج صورة جميلة فقط، بل في الفكرة والتجربة والإحساس الذي يقف خلفها.

البصمة الإنسانية هي ما يميز العمل الفني، فهي نتاج رحلة الفنان، وذكرياته، وثقافته، ونظرته الخاصة للحياة. فالصورة يمكن أن تُنتج بسهولة، لكن العمل الفني الحقيقي يحتاج إلى رؤية وشعور وتجربة إنسانية لا يمكن اختصارها في تقنية أو أداة.

أما التقنية يمكن أن تكون وسيلة مساعدة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل روح الفنان، ولا أن تعيش تجربته أو تحمل ذاكرته ومشاعره. فاللوحة التي تحمل أثر الإنسان ستبقى مختلفة، لأنها لا تقدم صورة فقط، بل تقدم قصة وشعورًا ووجهة نظر.

وفي النهاية، سيبقى الفن الحقيقي هو ذلك الذي يستطيع أن يلامس الإنسان؛ لأن جوهر الفن ليس في الأداة، بل في الروح التي تقف خلف العمل.

ماذا تمثل لك المعارض الشخصية مقارنة بالمعارض الجماعية؟

لكل نوع من المعارض قيمته وأهميته في مسيرة الفنان. فالمعرض الشخصي يمثل مساحة خاصة يستطيع الفنان من خلالها أن يقدم عالمه الفني بصورة متكاملة، وأن يكشف عن مراحل تجربته وتطور أفكاره ورؤيته، فهو أشبه بحوار مباشر بين الفنان والمتلقي من خلال مجموعة من الأعمال التي يجمعها خيط فكري وجمالي واحد.

أما المعارض الجماعية، فهي تمثل مساحة للحوار والتفاعل بين الفنانين، حيث يلتقي المتلقي بتجارب وأساليب مختلفة، ويكتشف تنوع الرؤى الفنية. كما أنها تمنح الفنان فرصة للتواصل مع زملائه، ومقارنة تجربته بتجارب أخرى، مما يثري الحركة الفنية بشكل عام.

كيف تقيم مستوى الحراك التشكيلي في سلطنة عُمان اليوم؟

يشهد الحراك التشكيلي في سلطنة عُمان اليوم تنوعًا ملحوظًا في التجارب والأساليب، وهناك العديد من الفنانين الذين يقدمون أعمالًا تحمل أفكارًا ورؤى مختلفة، سواء على مستوى الجيل الحالي أو التجارب التي تواصل مسيرتها الفنية.

ولكن استمرار نمو هذا الحراك يحتاج إلى بيئة أكثر دعمًا واحتضانًا، فالفن التشكيلي لا يعتمد فقط على موهبة الفنان، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل المؤسسات الثقافية، والقطاع الخاص، وصالات العرض، والبرامج التي تساهم في تحفيز الإنتاج الفني وتعزيز حضور الفنان.

ومن التحديات التي يواجهها الفنان العُماني اليوم قلة المساحات المتخصصة للعرض، وصعوبة إقامة الفعاليات الفنية بشكل مستمر، إضافة إلى الحاجة إلى مزيد من المبادرات التي تشجع على اقتناء الأعمال الفنية، وتربط الفن بالمجتمع والمؤسسات التجارية. كما أن تراجع بعض البرامج والمسابقات الفنية التي كانت تشكل حافزًا مهمًا للفنانين في مراحل سابقة أثر على حركة الإنتاج والتنافس الإبداعي. فالمسابقات والمعارض والجوائز ليست مجرد فعاليات، بل هي أدوات مهمة لاكتشاف المواهب وتشجيع الفنانين على التطور.

ومع ذلك، فإنني أنظر بتفاؤل إلى مستقبل الفن التشكيلي العُماني؛ لأن لدينا تجارب فنية متميزة وطاقات إبداعية قادرة على العطاء، وما تحتاجه هذه الطاقات هو المزيد من الدعم والاستثمار الثقافي، حتى تستمر الحركة الفنية في النمو وتحقيق حضور أكبر محليًا ودوليًا.

ما الدور الذي ينبغي أن تقوم به المؤسسات الثقافية لدعم الفنان التشكيلي؟

تلعب المؤسسات الثقافية دورًا أساسيًا في بناء البيئة التي تساعد الفنان على التطور والاستمرار، فالفنان يحتاج إلى أكثر من الموهبة؛ يحتاج إلى منظومة ثقافية تؤمن بالفن، وتوفر له الفرص والمساحات التي تمكنه من تقديم تجربته والوصول إلى المجتمع. ومن أهم الأدوار التي يمكن أن تقوم بها المؤسسات الثقافية دعم إقامة المعارض النوعية، وتوفير صالات العرض المتخصصة، وتنظيم المسابقات والملتقيات والبرامج التي تساهم في اكتشاف المواهب وصقل التجارب الفنية، إضافة إلى تعزيز حضور الفن العُماني في المحافل الإقليمية والدولية. كما أن الشراكة بين المؤسسات الثقافية والقطاع الخاص تعد عنصرًا مهمًا في تطوير الحركة الفنية، من خلال تشجيع اقتناء الأعمال الفنية، ورعاية المشاريع والمعارض، وجعل الفن جزءًا من المشهد الثقافي والمجتمعي والاقتصادي.

و من أهم أدوار المؤسسات الثقافية أيضًا هو بناء جسور التواصل بين الفنانين والمؤسسات الدولية، وخلق برامج للتبادل الثقافي والإقامات الفنية، لأن انفتاح الفنان على العالم يثري تجربته ويعزز حضور الفن العُماني عالميًا.

عندما تنتهي من لوحة، متى تشعر بأنها اكتملت فعلًا؟

بالنسبة لي، لا تكتمل اللوحة بمجرد انتهاء تنفيذها أو وضع اللمسات الأخيرة عليها، بل تكتمل عندما أشعر أن الفكرة التي بدأت منها قد وجدت طريقها إلى العمل، وأن الإحساس الذي أردت التعبير عنه أصبح حاضرًا فيه. أحيانًا تكون اللوحة منتهية تقنيًا، لكنها تحتاج إلى لحظة تأمل ومراجعة، لأن الفنان لا يبحث فقط عن الدقة والجمال البصري، بل يبحث عن الصدق؛ عن ذلك الشعور الذي يجعله يقول: نعم، لقد أصبحت هذه اللوحة تحمل روحها الخاص. فاللوحة بالنسبة لي تكتمل عندما يجتمع فيها الفكر والإحساس والتقنية، وعندما أشعر أنها لم تعد مجرد ألوان على سطح، بل أصبحت تحمل قصة ومشاعر وذاكرة.