شح المياه.. وتأجيج الصراعات في العالم
يواجه العالم يوميًا سلسلةً متكاملةً من التحديات والصعوبات في تأمين أسس العيش على الأرض، ومن ضمنها "نقص حاد في الثروات المائية"، التي أحدثت نوعًا من الرعب بين سكان العالم بسبب فقدان المياه، إما بتدخل بشري أو بأمرٍ طبيعي.
والمرعب في الأمر أن الأبحاث الجديدة التي تم الكشف عنها توضح بأن مناطق شاسعة من العالم تفقد سنويًا كميات هائلة من المياه العذبة، وتزداد خطورة حدوث موجات جفاف قاسية، وأن مليارات البشر باتوا يعانون من نقص في المياه!
قبل أن نسهب في الحديث عن التحديات المائية التي تواجه سكان الأرض، علينا أن نمنح أنفسنا وقتًا كافيًا للحديث عن نعمة الماء والغذاء، وأمرنا بعدم الإسراف فيهما بقوله سبحانه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
إن ما يحدث اليوم من تعديات بشرية على هذين الأمرين لهو دليل قاطع على عدم اكتراث بعض الشعوب بأهمية وجود الماء والغذاء على المدى البعيد، فعدم الحفاظ على هذه الموارد ينبئ بكارثة مستقبلية تضع أثقالها على الأجيال المقبلة.
نرى بأنفسنا كيف يواجه العالم كل يوم تحديات كبيرة، ليس في نقص متصاعد في "سلة الغذاء" التي هي أساس العيش على الأرض، وإنما أيضًا "شح هائل في كميات المياه"، وهذا نذير بحدوث كارثة بيئية وإنسانية معًا، وموت ملايين البشر عطشًا حول العالم.
العلماء، سواء في الدين أو العلوم المختلفة، يؤكدون أن الماء هو سر الحياة ومنبعها، ويجزم كثير من الفقهاء بأن الماء هو من أول المخلوقات وجودًا في الحياة، وذهب العديد من أهل العلم المسلمين إلى اعتبار الماء أول المخلوقات، حتى إنهم أجمعوا على أنه خُلق قبل العرش، ثم خُلق العرش بعد ذلك، وحجتهم في ذلك قوله سبحانه في سورة هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.
لقد حفل القرآن الكريم بذكر الماء في مواضع كثيرة، فالماء هو شريان الحياة الذي تحيا به الكائنات الحية، وبفقدانه تموت جميعًا، ومن رحمته سبحانه وتعالى أن جعل الماء على هيئة تمكن من الانتفاع به على الوجه الأكمل، فالله تعالى ينزل المطر من السماء، فيغسل به الأرض ويطهرها من الشوائب والعوالق، وينقي الهواء من الدخان ويصفيه من الغبار والتلوث، فتتجدد الأرض، وتصفو السماء، ويطيب الهواء، ويمد الإنسان بالحياة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
ومن حكمته سبحانه أيضًا في خلق الماء أن منه ما يجري على وجه الأرض كالأنهار والينابيع والأفلاج، ومنه ما هو مستقر فوق ظهرها كالبحار والمحيطات، ومنه ما يستقر في باطن الأرض كمياه الآبار، ومن رحمته سبحانه أن جعل فيه ماءً عذبًا ومالحًا، وفي كليهما خير عظيم لجميع الكائنات الحية.
وبحسب الدراسات العلمية المنشورة، فإن أجزاءً كبيرةً من العالم أصبحت أكثر جفافًا، وتفقد الدول مساحات شاسعة من أراضيها الزراعية بسبب نقص المياه العذبة، فإضافةً إلى أن ظاهرة الاحتباس الحراري تسببت في ذوبان الأنهار الجليدية والقمم الجليدية، وهو ما يشكل خطرًا جديدًا على كوكب الأرض.
بينما تزداد مناطق عديدة جفافًا، وتستنزف مياهها الجوفية بسبب الزيادة في درجات الحرارة في كل عام، وبذلك تتوسع مناطق الجفاف، ويموت أعداد ليست بالقليلة من البشر بسبب هذا النقص الحاد في المياه الصالحة للحياة والبقاء!
منذ عدة سنين، ونحن نسمع بأن الحروب المقبلة التي سيدخلها العالم ليست هي الحروب التقليدية التي تستخدم فيها الآليات والمعدات العسكرية والقنابل لقتل البشر، ولكن ستكون "حرب المياه" هي سلاحًا لإبادة الشعوب. ومن البديهي أن يكون النزاع بين البشر على الموارد المحدودة أمرًا ملازمًا لمسيرتهم عبر العصور، وفي ظل تسارع التغير المناخي تتفاقم أزمة شح المياه بشكل واضح ومخيف، وأصبح ذلك واحدًا من أبرز العوامل التي تؤجج الصراعات بين الدول.
لن نخفي سرًا، فالعالم بدأ يستشعر حجم الكارثة التي تحيط به، فخلال الأعوام المقبلة ستكون هناك كوارث بيئية غير مسبوقة، ودرجات حرارة عالية، وموجات جفاف قياسية، ستجتاح المدن التي كان يعتقد بأنها محصنة من موجات الحر والجفاف، وتغيرٍ في المناخ الذي كانت تعرف به منذ عقود.
إذن، الماء نعمة ربانية أوجدها الله تعالى بين أيدينا، وأمرنا بالاعتدال والترشيد في استخدامها، ومع التقدم العلمي والتكنولوجي أثبت الاثنان معًا بأن الحفاظ على الموارد الطبيعية، ومنها الماء، ضرورة قصوى ليبقى الإنسان حيًا على هذه الأرض، فالموت عطشًا ما أقساه من نهاية مؤلمة.
