الصلاة .. نور يشع في ذات المؤمن
أمرنا الله سبحانه وتعالى بالصلاة لتكون تلك الصلة المباشرة ما بين الخالق والعبد الذي خلقه، فالصلاة هي تجديد دائم للعهد مع الله، تهدف إلى تزكية النفس البشرية وتطهيرها من إتيان المنكرات والبعد عن الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، إضافةً إلى أنها تحقق السكينة والطمأنينة في قلوب المسلمين.
والصلاة من أعظم العبادات التي أوجبها المولى تعالى، وركن أساسي بعد الشهادتين، وهي عمود الدين، ولكن لماذا يتقاعس الناس في أدائها والمواظبة عليها؟
منذ مرحلة الصغر يجتهد الوالدان على تعليم أبنائهما الطرق الصحيحة لأداء الصلاة، فكل من الأم والأب يتحملان مسؤولية تحفيز الأبناء على الالتزام بأداء الصلاة بشكل تدريجي، ومع الوقت تصبح الصلاة في نظر الأبناء رمزًا قدسيًا يجب الحفاظ عليه والاستمرار على أدائه في أوقاته المحددة، ثم يكبر الأبناء ويرون بأن الصلاة هي تلك السارية التي تحفظ اتزان سفينتهم من الغرق عندما تتلاطم بها الأمواج الهائجة.
فالصلاة ليست مجرد عادة يومية تؤدى بالإجبار، وإنما هي جزء أصيل من قدسية دين حنيف يدعو إلى الخير والصلاح.
في البدايات الأولى من حياتنا لم نكن نفقه الكثير في المسائل الفقهية والأحكام الشرعية في أداء الصلاة، لكن تعويد آبائنا وأمهاتنا على الالتزام والمواظبة على أدائها في أوقاتها المحددة جعلنا ندرك قيمتها وقوتها في تشكيل العقيدة الدينية في النفس، ومدى ارتباطنا بالعبادات الأخرى مثل الصيام وغيره.
عندما كنا نهمل في أداء صلاة، نشعر بنوع من التقصير النفسي إذا ما قارنا أنفسنا بإخواننا الملتزمين في صلواتهم ومحافظتهم على هذه العلاقة الوجودية بالله تعالى.
الأمر الآخر، يزداد خوفنا من العقاب الرباني عندما نسمع من أولياء أمورنا، وهم يؤكدون أن كل صلاة نهمل في أدائها تظل معلقة في رقابنا لا تسقط، ونحن مسؤولون عنها إلى يوم الدين.
في رحاب المسجد نستشعر معنى الإيمان الحقيقي في تواجدنا مع إخواننا ووقوفنا في صفوف متساوية، تخشع قلوبنا مع صوت الإمام وتكبيرات المصلين وركوعهم وسجودهم، إحساس يجلب لنا الراحة والسكينة رغم حداثة أعمارنا.
صوت المؤذن عندما يعلو في المكان الذي نقطن فيه، كان بمثابة دعوة حق نحو الذهاب إلى بيت من بيوت الله، فنستعد للذهاب دون تأخير، وفي الطريق كانت هناك تفاصيل لا تُنسى حتى اليوم، فالانتقال ما بين البيوت ونحن نسير نحو المسجد يزيدنا إيمانًا وحبًا لهذا الدين القويم.
في بعض المرات، كنا نذهب إلى المسجد برفقة من هم أكبر منا سنًا، ومرات أخرى نتسابق إلى الوصول إلى مكان الطاعة، وحتى اليوم نرى بأن المسجد ليس مكانًا لإقامة العبادات بقدر ما هو ساحة تغذي أرواحنا بالسكون النفسي وتعيد لنا بعض الذكريات القديمة التي ارتبطنا بها طويلًا.
من الصلاة تعلمنا أشياء كثيرة، تعودنا كيف نصوم ونصلي مع جموع المصلين، ومن الصلاة تعلمنا أن الفرق ما بين الكافر والمسلم ترك الصلاة، فقد ورد في السنة حديث شريف رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة»، وفي موضع آخر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر».
من الصلاة تعلمنا الكثير من أساسيات العقيدة الإسلامية، ومن بينها الإيمان بالله الذي يمثل بالنسبة للإنسان ذلك الضياء الذي يشع نوره في جوفه وخارجه، فكلما كان الإنسان ملتزمًا بأداء واجباته التي أوجبها الله عليه، كلما كان مستقرًا في ذاته، عارفًا ما يسره ويضره، ومسيطرًا إلى حد كبير على انفعالاته وأحاسيسه، يتقبل الأقدار كيفما جاءت من عنده سبحانه، فالصلاة وبقية الواجبات الدينية كفيلة بأن تدفع الضر عن الناس، فالإيمان بالقضاء والقدر وغيره كفيل بأن يعلمنا معنى "الصبر والرضا والقناعة"، وكلها أدوات نستخدمها كثيرًا في حياتنا، خاصة عندما تحاصرنا الظروف وتشتد بنا الأزمات.
