العالم يفقد ثقته بأمريكا هذه المرة.. تبدو معاداة الولايات المتحدة مختلفة!

15 يوليو 2026
15 يوليو 2026

على امتداد معظم الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وبينما كانت شعبية الولايات المتحدة في العالم تتراجع تارة وتتعافى تارة أخرى، ظل في وسعها الاتكاء على رصيد ثابت من التأييد الدولي راكمته خلال القرن السابق. وقد شهدت صورتها العالمية لحظات من التدهور الحاد، كما حدث أثناء التدخلات العسكرية غير الشعبية في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، أو خلال الانكفاء الكبير عن الانخراط الدولي في الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب. لكن احتياطي البلاد من القوة الناعمة وسمعتها الدولية الراسخة تمكّنا، في كل مرة، من حمايتها، قبل أن تستعيد معدلات القبول بها في الخارج عافيتها تدريجيا. 

غير أن الشقوق بدأت تظهر في هذه الأسس منذ عودة ترامب إلى الرئاسة في يناير 2025. 

فقد أثارت سياساته التجارية وسياسات الهجرة، إلى جانب الطريقة التي استخدم بها القوة العسكرية الأمريكية، موجة من الرفض الدولي يصعب العثور على نظير حديث لها من حيث طبيعتها وعمقها. وأظهر استطلاع جديد للرأي العام أجراه مركز بيو للأبحاث أن المواقف تجاه الولايات المتحدة في عدد كبير من الدول الست والثلاثين التي شملها الاستطلاع بلغت أكثر مستوياتها سلبية منذ أن بدأ المركز رصدها عام 2002. 

وينتقد المواطنون العاديون ترامب اليوم بطرق لم تكن مألوفة خلال إدارته الأولى. وكما كان الحال في ولايته الأولى، يرون أنه يقطع مع تاريخ الولايات المتحدة في الانخراط الدولي والقيادة العالمية. 

لكن قطاعات واسعة من العالم باتت تعتقد أيضاً أن استخدام ترامب للقوة الصلبة الهائلة التي تمتلكها الولايات المتحدة يهدد الاستقرار العالمي على نحو لم يكن واضحاً خلال إدارته الأولى. 

وفضلا عن ذلك، لم يكن الناس في الدول الأخرى، خلال فترات التراجع السابقة، يميلون إلى التشكيك في القيم الأساسية التي تروّج لها الولايات المتحدة، حتى عندما كانوا يعارضون بقوة سياسات أمريكية بعينها. أما اليوم، فقد ازداد العالم تشاؤما إزاء وضع الديمقراطية الأمريكية نفسها. وخلال أقل من عامين من الولاية الثانية لترامب، أخذ عدد متزايد من غير الأمريكيين يعتقد أن الحكومة الأمريكية لا تحترم الحريات الفردية لمواطنيها. 

ونتيجة لذلك، يفقد جانب كبير من العالم ثقته بقدرة الولايات المتحدة على قيادة النظام الدولي الليبرالي. وقد يكون من الصعب التراجع عن هذه التحفظات الجديدة، لأنها أعمق بكثير من تلك التي ظهرت في الماضي. 

بلاد الحريات المتناقصة 

أصبح تدهور أوضاع الديمقراطية مشكلة تعاني منها دول في مختلف أنحاء العالم. ووفقاً للتقييم السنوي الذي تصدره منظمة «فريدوم هاوس»، انخفض متوسط مستوى الحرية العالمية في أكثر من مئتي دولة وإقليم على مدى عشرين عاما متتالية. وكان التراجع حادا على نحو خاص في الولايات المتحدة. ففي وقت سابق من هذا العام، خفّض معهد «في-ديم» البحثي تصنيف البلاد من «ديمقراطية ليبرالية» إلى «ديمقراطية انتخابية»، مشيرا إلى أن «الديمقراطية في الولايات المتحدة تراجعت إلى المستوى نفسه الذي كانت عليه عام 1965»، وهو العام الذي أُقر فيه قانون حقوق التصويت. 

وفي الدول الست والثلاثين التي شملها استطلاع مركز بيو هذا العام، قالت أقلية من المشاركين إنها تعتقد أن الحكومة الأمريكية تحترم الحريات الشخصية لمواطنيها، في حين قالت أغلبية واضحة إنها لا تفعل ذلك. وقد انخفضت نسبة الذين يرون أن الولايات المتحدة تحترم الحريات الشخصية بأكثر من عشر نقاط مئوية في 12 دولة من أصل 13 سبق لمركز بيو أن طرح فيها السؤال نفسه عام 2021، في بداية ولاية الرئيس جو بايدن. 

وكان التراجع حادا بصورة خاصة في أوروبا؛ ففي السويد، على سبيل المثال، قال 61% من المستطلعين قبل خمس سنوات إن الولايات المتحدة تحترم الحرية الفردية؛ أما اليوم فلا تتجاوز نسبتهم 27%. 

ويمثل ذلك تناقضا لافتا مع نتائج استطلاعات سابقة. 

ففي الفترات الماضية التي ارتفعت فيها المشاعر المناهضة للولايات المتحدة، ظل كثيرون في الدول الأخرى ينظرون بإيجابية إلى التزامها بحماية حريات مواطنيها. ففي عام 2008، وهو العام الأخير من الولاية الثانية لجورج دبليو بوش، حصلت الولايات المتحدة في الغالب على تقييمات إيجابية؛ إذ قالت أغلبية أو النسبة الأكبر من المستطلعين في 20 دولة من أصل 23 إن البلاد تحترم الحريات الشخصية. 

أما اليوم، فقد هوت نسبة الذين يتبنون هذا الرأي إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق في 15 دولة دأب مركز بيو على استطلاع الرأي فيها على مدى سنوات، ومن بينها دول ترتبط بعلاقات وثيقة مع واشنطن، مثل أستراليا وإيطاليا وهولندا وبولندا وكوريا الجنوبية. 

قد يبدو التراجع الحاد في نظرة العالم إلى التزام الولايات المتحدة بالديمقراطية امتداداً للرفض الدولي الذي أثارته سياسات أمريكية محددة في الماضي؛ وهي موجات تراجع كانت في معظمها مؤقتة، ثم ما لبثت أن انعكست. 

فخلال الولاية الأولى لترامب، عارض الرأي العام في الخارج، إلى حد كبير، ما اعتبره انسحابا أمريكيا من الدور الذي اضطلعت به البلاد سابقاً في قيادة النظام العالمي. وانتقد قرار ترامب سحب الولايات المتحدة من المعاهدات متعددة الأطراف والاتفاقيات التجارية. كما عارض سياسات الإدارة الرامية إلى إقامة الحواجز، سواء تمثلت في تشديد قيود الهجرة أو في بناء جدار على الحدود الأمريكية المكسيكية. 

وفي الدول السبع والثلاثين التي شملها استطلاع عام 2017، لم تتجاوز النسبة الوسيطة للمؤيدين لانسحاب ترامب من اتفاقيات المناخ 19%، فيما أيد 18% فقط خروج الولايات المتحدة من الاتفاقيات التجارية الكبرى. وأيد 16 في المائة بناء الجدار الحدودي أو فرض قيود أشد على دخول مواطني عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة إلى الولايات المتحدة. كما لم يوافق سوى 34% على قرار ترامب سحب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني. 

وظلت المواقف تجاه الولايات المتحدة سلبية إلى حد كبير طوال الولاية الأولى لترامب، ثم ازدادت تدهورا عام 2020 بسبب تعامل إدارته مع جائحة «كوفيد-19». لكنها تعافت جزئيا خلال إدارة بايدن. 

ولم تبلغ معدلات تأييد بايدن المستويات العالمية المرتفعة للغاية التي حظي بها الرئيس باراك أوباما، لكنه كان يُنظر إليه بإيجابية أكبر من ترامب. وخلال رئاسته، عادت مستويات التأييد للنهج الأمريكي في الشؤون العالمية، وللالتزام بالحريات الفردية داخل الولايات المتحدة، أو اقتربت من العودة، إلى مستويات ما قبل ترامب في عدد كبير من الدول. 

ثم تراجعت الآراء الإيجابية تجاه الولايات المتحدة مجدداً عندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، وإن ظلت في الغالب أعلى قليلاً مما كانت عليه في نهاية ولايته الأولى. 

وفي الوقت الذي كان فيه المشهد بعد ذلك قد أخذ منحى أكثر سلبية بوضوح، عادت الجماهير الدولية إلى معارضة سياسات محددة ضمن أجندة ترامب. ففي الدول الست والثلاثين التي شملها استطلاع هذا العام، لم تتجاوز النسبة الوسيطة للمؤيدين لسياسة ترامب في الهجرة 28 في المائة. ولم يوافق على نظامه الجمركي سوى 18%. وفي العام الماضي، عندما سُئل المشاركون عن مدى ثقتهم بقدرة ترامب على التعامل مع تغير المناخ، قال 21% فقط من المستطلعين في 24 دولة إنهم يثقون به. 

ولا يثير الرفض الدولي لنهج ترامب في ملفات الهجرة والتجارة والمناخ دهشة كبيرة، بالنظر إلى ردود الفعل العالمية تجاه سياساته خلال ولايته الأولى. غير أن الرأي العام الدولي ينظر بوضوح إلى سياسة ترامب الخارجية في ولايته الثانية على نحو مختلف عن ولايته الأولى. فقد استخدم القوة الصلبة بحرية أكبر بكثير، فنفذ عملية للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كاراكاس، وشن حرباً على إيران. 

وفي استطلاعنا، حصل ترامب على تقييمات سلبية في العمليتين معا؛ إذ لم تتجاوز النسبة الوسيطة للمؤيدين للعملية في فنزويلا 22%، فيما أيد 20% فقط الطريقة التي أدار بها الحرب على إيران. ومع استمرار الحرب، ازدادت المواقف تجاه الولايات المتحدة سلبية في مجموعة متنوعة من الدول، من بينها اليونان والهند وإيطاليا وكينيا وكوريا الجنوبية وسريلانكا والسويد وتايلاند. 

ولم يستخدم ترامب القوة العسكرية للاستيلاء على جرينلاند، لكن الأوروبيين لاحظوا رفضه استبعاد هذا الاحتمال. وفي الدول الأوروبية العشر التي شملها الاستطلاع، لم تتجاوز نسبة التأييد لتهديدات ترامب بشأن جرينلاند 18%، وسُجلت هذه النسبة في المجر. أما في السويد، فلم يؤيدها سوى ثلاثة في المائة. 

وقد يبدو الرفض الذي أثارته سياسة ترامب الخارجية مشابهاً للمعارضة العالمية التي واجه بها الرأي العام استخدام رؤساء أمريكيين سابقين للقوة الصلبة. ويمكن هنا استحضار حرب إدارة جورج دبليو بوش في العراق و«الحرب على الإرهاب». ففي ذلك الوقت، كما هي الحال الآن، كان جانب كبير من العالم يعتقد أن الولايات المتحدة تمضي في طريقها منفردة، ولا تصغي إلى مصالح الدول الأخرى ولا تأخذها في الحسبان، وتستخدم القوة العسكرية من جانب واحد في تحدٍّ لمعارضة دولية واسعة. 

وكان هذا الاعتقاد قوياً بصورة خاصة لدى الحلفاء الأوروبيين الرئيسيين للولايات المتحدة. ففي عام 2007، رأى 11 في المائة من الفرنسيين البالغين أن الولايات المتحدة تراعي مصالح دول مثل فرنسا عند اتخاذ قراراتها في السياسة الخارجية؛ واليوم تبلغ النسبة عشرة في المائة. كما لم تتغير تقريباً نسبة من يعتقدون الأمر نفسه في ألمانيا وبريطانيا؛ إذ انخفضت في ألمانيا من 26 في المائة عام 2007 إلى 23% اليوم، وارتفعت في المملكة المتحدة من 23% إلى 26% خلال الفترة نفسها. 

وفي الدول الست والثلاثين التي شملها استطلاع عام 2026، قال ما نسبته الوسيطة 32% إن الولايات المتحدة تأخذ مصالح دول مثل دولهم في الاعتبار بدرجة كبيرة أو معقولة عند اتخاذ قراراتها في السياسة الخارجية. 

وكان أوباما، بوجه عام، أكثر شعبية على المستوى الدولي من جورج دبليو بوش، لكن ضرباته بالطائرات المسيّرة في أفريقيا والشرق الأوسط واجهت بدورها معارضة عالمية واسعة. ففي عام 2014، عارضت نسبة وسيطة بلغت 74% من المستطلعين في 44 دولة الضربات الأمريكية بالطائرات المسيّرة في دول مثل باكستان والصومال واليمن. وتندرج سياسات ترامب في ولايته الثانية ضمن هذا النمط من التدخلات التي لا تحظى بقبول دولي. 

غير أن هذه السياسات تكشف أيضاً عن فهم مختلف في جوهره لطبيعة القوة الأمريكية. فبالنسبة إلى كثير من شعوب العالم، تجمع ولاية ترامب الثانية بين الاستخدام المنفلت للقوة العسكرية، الذي رفضوه لدى إدارات أمريكية سابقة، وبين تخلي الولايات المتحدة عن دورها التاريخي في القيادة، وهو ما رفضوه خلال ولايته الأولى. 

ومن وجهة نظرهم، أصبحت أمريكا في عهد ترامب متحررة من القيود والأعراف والالتزامات تجاه الحلفاء. 

هل تفقد أتباعها؟ 

على مدى ثمانية عقود، قادت الولايات المتحدة نظاماً دولياً ليبرالياً أسهمت هي نفسها في تصميمه. ولم تلتزم دائما بالمثل التي كان يفترض بهذا النظام أن يعززها، لكنها، بوصفها القوة المهيمنة فيه، شعرت بقدر من المسؤولية عن السلام والاستقرار العالميين، وسعت عموماً إلى التعاون مع الدول الأخرى لمواجهة التحديات الدولية الكبرى. أما اليوم، فيبدي الرأي العام في الخارج شكوكاً قوية في مدى التزام واشنطن بهذه المنافع العامة. 

منذ عام 2023، تراجعت بصورة كبيرة نسبة الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة تسهم في تحقيق السلام والاستقرار، وذلك في 19 دولة من أصل 22 تتوافر عنها بيانات. وبلغ التراجع ثلاثين نقطة مئوية أو أكثر في أستراليا وكندا وبولندا وهولندا والسويد. 

كما انخفضت بصورة ملحوظة نسبة الذين يعدّون الولايات المتحدة شريكاً موثوقاً به في 14 دولة من أصل 17 تتوافر عنها بيانات مقارنة بعام 2022. وبلغ الانخفاض ثلاثين نقطة أو أكثر في أستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة. 

ويكشف فقدان الثقة هذا عن أمر أكثر جوهرية في طبيعة الاستياء الراهن من الولايات المتحدة. فهي لم تعد ترتقي إلى مستوى التوقعات التي يعلّقها كثيرون حول العالم على الدولة التي تحمل لواء نظام عالمي مستنير. 

وقد يظل من الممكن أن تتعافى صورة الولايات المتحدة، كما حدث في أزمات سابقة. ففي مراحل سابقة من تراجع شعبيتها، استطاعت الاعتماد على رصيد من حسن النية، إلى جانب قدرتها المستمرة على اجتذاب الناس في مختلف أنحاء العالم إلى المبادئ التي روّجت لها. 

لكنها، بعد أن تخلت عن القوة الناعمة لمصلحة القوة الصلبة، وبعد أن ترسخ لدى قطاعات واسعة من العالم اعتقاد بأنها تخلت عن التزامها بحريات مواطنيها، ستحتاج إلى إثبات أنها ما زالت متمسكة بتلك المثل. وإن لم تفعل، فقد ينضب ذلك الرصيد يوماً ما. 

 ريتشارد وايك هو مدير أبحاث الاتجاهات العالمية في مركز بيو للأبحاث 

 عن فورين أفيرز «خدمة تربيون».