الحرب بين أوكرانيا وروسيا تدخل طورًا جديدًا
ترجمة: أحمد شافعي
عندما كانت الحرب الروسية الأوكرانية في أطوارها الأولى سنة 2022 تداعى الغرب إلى تزويد أوكرانيا بالقدر الكافي من قذائف المدفعية والدبابات لصد الهجوم الروسي. والآن وقد دخلت الحرب عامها الخامس اختلف القتال اختلافا كبيرا فأصبح على حد وصف الرئيس فلودومير زيلينسكي «معركة في السماء» حاسمة، وهذه اللحظة للغرب لحظة أيضا حاسمة.
الحرب البرية متجمدة؛ فلا تزال روسيا تنتزع أراضي من أوكرانيا وإن ببطء شديد وبتكلفة استثنائية. وتقول أوكرانيا إنها قتلت قرابة أربعين ألفا من الروس في يونيو، أي قرابة ألف وثلاثمائة لكل كيلو متر مربع مما «تم الاستيلاء عليه أو اختراقه» وفقا لمعهد دراسة الحرب، في معدل استنزاف يزيد تسع عشرة مرة عما كان عليه الحال قبل عام.
وقال المعهد: إن «القوات الأوكرانية تزداد فعالية في إبطاء التقدم الروسي، وإلحاق خسائر بها في الآن نفسه».
أما معركة السماء في المقابل فلا تتعلق بالاستيلاء على الأرض، إنما هي مبارزة استنزافية طاحنة، ودمار وموت، وغايتها هي محو قدرة العدو وإرادة الاستمرار لديه.
توجه روسيا لأوكرانيا أفواجا متتاليا من المسيرات والصواريخ الكروز والباليستية، وتستعمل أوكرانيا ما يفوق ذلك من المسيرات في المدى والتطور لإبعاد أسطول روسيا عن أوكرانيا في البحر الأسود، ولتجويع القرم المحتلة، والأشد فعالية من ذلك هو استهدافها لمنشآت النفط والقواعد العسكرية في عمق روسيا.
وبقية القصة نجدها في طوابير طويلة من طالبي الوقود وأعمدة دخان تتصاعد من مصفاة في أومسك البعيدة وصور ضحايا ينتشلون من بنايات سكنية مدمرة في كييف.
قال الرئيس زيلينسكي في حوار أخير مع فايننشال تايمز «إنكم لو أوقفتم العدو في ميدان المعركة، ولو أوقفتم الحرب البرية، ولو منعتموه السيطرة في البحر... تصبح المعركة التالية هي السماء». وأضاف قوله: «بصراحة، في هذه المواجهة، لا يهم كثيرا من يملك أرضا أكبر».
إنما المهم، مثلما أوضح زيلينسكي، هو توافر السبل لمنع الهجمات الروسية وهنا تكمن الأزمة الراهنة؛ فبعد استعمال أمريكا كما كبيرا من الصواريخ الحاسمة ضد إيران، ومنها صواريخ باتريوت الاعتراضية المميزة، لم يبق من هذه الصواريخ الثمينة إلا قليل لإعطائه لأوكرانيا. وقد قال الرئيس زيلينسكي إنه حدث خلال الهجمة الروسية الشديدة في السادس من يوليو أن أسقطت أوكرانيا مسيرات وصواريخ كروز لكن لم يكن لديها ما يكفي من الصواريخ الاعتراضية لإيقاف صاروخ بالستي واحد. والأمر ببساطة هو أنه ليس لدى أوكرانيا من صواريخ باتريوت ما يكفي للمهمة. في حين أن روسيا تنتج في الشهر الواحد ستين من صواريخ إسكندر ـ التي يتم إطلاقها غالبا على أوكرانيا ـ بحسب المخابرات العسكرية الأوكرانية.
ولذلك حلت الصواريخ الاعتراضية، وبخاصة باتريوت، محل قذائف المدفعية باعتبارها السلاح الذي لا غنى لأوكرانيا عنه في ما قد يكون لعبة النهاية في هذه الحرب. أو ذلك في أقل تقدير ما كان جزءا من تفكير حكومة زيلينسكي عند إعلان تعديلها يوم الأحد، فالأمر «الأهم» بالنسبة للحكومة الجديدة حسبما قال هو شراء وإنتاج صواريخ باتريوت. والنقود متاحة؛ إذ تعهد الناتو بثمانين مليار دولار من المعونة العسكرية لأوكرانيا، وخصصت بلاد منفردة من أعضاء الناتو مليارات أخرى. ويبدو أن الرئيس ترامب أيضا يرجع إلى تأييد أوكرانيا بعد نجاحاتها العسكرية الأخيرة.
ففي اجتماع قمة الناتو في العاصمة التركية أنقرة الأسبوع الماضي، وصف ترامب قيادة أوكرانيا بالبراعة، وقال: إنه يرخص لأوكرانيا إنتاج صواريخ باتريوت التي تحتاج إليها بصفة عاجلة. وقد قال الرئيس زيلينسكي بأثر من الدروس الصعبة التي استفادها من العلاقة المتقلبة مع الولايات المتحدة: إن «الرئيس ترامب يريد أن يكون حيثما يوجد النجاح».
اعترف الرئيس ترامب بأنه لم يثر مسألة الترخيص مع الشركتين الأساسيتين في تصنيع صواريخ باتريوت وهما شركتا لوكهيد مارتن و(آر تي إكس)، وحتى لو وافقت الشركتان فسوف يستغرق الأمر من أوكرانيا سنين لتبدأ في الإنتاج الكامل. في الوقت نفسه؛ على أوكرانيا أن تنافس القوات المسلحة الأمريكية وستة عشر عميلا أجنبيا ينتظرون تسلم شحنات باتريوت إضافة إلى أن هذا السلاح الخلاب يستغرق وقتا في التركيب.
يستغرق كل صاروخ تبلغ قيمتة 3٫9 مليون دولار قرابة سنتين في التصنيع، وتنتج لوكهيد حاليا قرابة ستمئة في العام. وفي أيام القصف التسعة والثلاثين قبل بدء وقف إطلاق النار مع إيران، استعملت الولايات المتحدة قرابة نصف مخزونها من صواريخ باتريوت البالغ عددها 2330، ولذلك فإن تعويضها سوف يستغرق ثلاثة أعوام ونصف العام بحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
وليس هذا ما يرغب الرئيس زيلينسكي في الاستماع إليه؛ فقد قال في خطابه التليفزيوني الليلي «إنه ببساطة من العبث في العالم الحديث أن الإنتاج لم يرتق بعد إلى المستوى المطلوب فعليا لحماية الناس من الرعب البالستي»، لكن حتى إذا تلقت أوكرانيا جميع الصواريخ الاعتراضية التي تنتجها لوكهيد، فلن يكفي هذا لاعتراض جميع الصواريخ البالستية التي تلقيها روسيا على أوكرانيا.
لكن هذا لا يعني أن أوكرانيا منذورة للفشل؛ فالأمر بعيد كل البعد عن هذا. فقد أظهر الأوكرانيون براعة لافتة في التكيف مع أشكال الحرب الجديدة، وبرز ذلك بصفة خاصة في تصنيع الطائرات المسيرة المتطورة الرخيصة الفتاكة. فباتباع المفهوم القديم القائل بـ«استهداف الرامي لا الرمية»، زادت أوكرانيا من استهداف المنشآت الصناعية العسكرية في عمق روسيا محدثة تأثيرات كبيرة، مثلما تبين في حظر روسيا أخيرا لصادرات وقود الديزل. وهجمات المسيرات الأوكرانية المتصلة على القرم والشحن الروسي في بحر أزوف كان هي الأخرى ذات فعالية كبيرة.
فقد أعلنت سلطات القرم حالة الطوارئ بسبب نقص حاد في الوقود وانقطاعات في الكهرباء. وبالإضافة إلى المسيرات، فإن كتائب كاملة من الروبوتات المجنزرة والمدولبة تشارك في القتال على الأرض منفذة آلاف المهام كل شهر في نقل الذخيرة وإجلاء الجرحى وزرع الألغام والاستيلاء على الأرض.
وهذا ما أطلق عليه ديفيد بترايوس وكلارا كالوديروفيتش أخيرا في مقالة لوول ستريت جورنال «حرب التكيف» التي تبلي فيها أوكرانيا حاليا البلاء الأفضل. أو كما قال الرئيس زيلينسكي «اليوم، أعتقد أن النصر في هذه الحرب سيكون من نصيب الأذكى».
إجمالا، يصعب أن نفهم كيف تحمل الروس طوال هذه الفترة مهمة فلاديمير بوتين الجنونية لتدمير أوكرانيا، في ضوء الألم المتزايد الناجم عن الضربات الأوكرانية، وحصيلة موتى الميدان البالغة 450 ألفا، وتدهور مستويات المعيشة، وإحياء الدولة البوليسية السوفييتية.
غير أن الرئيس بوتين مستمر في الاعتقاد بأنه قادر على إخضاع كييف بالقصف المنتظم. وهو ما يملي على أوكرانيا في هذا المنعطف الحساس من الحرب أن تجد السبل لتجاوز ندرة صواريخ باتريوت مع مواصلتها ضرب روسيا. ويعمل الأوكرانيون مع شركاء أوروبيين مختلفين لتطوير دفاعاتهم الصاروخية الخاصة، كما أنها نشرت بالفعل سلاحا حربيا إلكترونيا اسمه ليما يضلل إشارات الأقمار الصناعية الملاحية.
وفي الوقت نفسه، من الضروري للولايات المتحدة وأوروبا أن تفعلا ما في وسعهما لمساعدة أوكرانيا في حماية نفسها. ولقد سافر السناتور ليندسي جراهام ـ في آخر مهمة له قبل وفاته ـ إلى أوكرانيا، ومن هناك قال إنه توصل إلى اتفاق مع البيت الأبيض بشأن مشروع قانون مدعوم من الحزبين لمعاقبة من يشترون النفط الروسي. يجب دفع هذا المشروع بسرعة. ويجب أيضا على الرئيس ترامب أن يعمل عاجلا للوفاء بعهده بإعطاء أوكرانيا رخصة إنتاج صواريخ باتريوت، وأن يعجل أيضا من الإنتاج محليا وفي أوروبا. وعلى الأوروبيين أيضا أن يشاركوا أكبر عدد ممكن من صواريخهم الخاصة بالدفاع الجوي، وأن يضاعفوا جهودهم لمساعدة أوكرانيا على تصنيع أنظمة جديدة. وقد لا يمنع هذا الصواريخ الروسية فورا، لكنه سوف يكون بمنزلة رسالة قوية إلى الرئيس بوتين بأن الوقت ينفد منه بسرعة.
سيرج شميمان صحفي في نيويورك تايمز ورئيس سابق لمكاتبها في موسكو وبون والقدس والأمم المتحدة.
