No Image
عُمان الاقتصادي

ماذا يمكن أن يُصنع في عُمان؟

15 يوليو 2026
إرث عظيم وتاريخ طويل من الإنتاج يمتد لآلاف السنين
15 يوليو 2026

محمد بن أحمد الشيزاوي 

ماذا يمكننا أن نصنع في عُمان؟ سؤال جوهري وعميق يعيدنا إلى بات وصحار وصور وسمهرم ومدنٍ عُمانية عديدة شكّلت، عبر مراحل تاريخية مختلفة، مراكزَ للإنتاج والصناعة والتجارة، وانطلقت منها منتجات عُمانية، وفق مفهوم الصناعة في تلك العصور، إلى بلاد الرافدين ومصر والهند، ثم إلى العالم الروماني في الفترات اللاحقة.

عُرفت عُمان، هذا البلدُ الحضاريُّ الضاربُ في جذور التاريخ، بانفتاحها على مختلف الثقافات منذ حضارة مجان في الألفية الثالثة قبل الميلاد، واكتسبت شهرة واسعة بوصفها مُصَدّرا رئيسيا للنحاس، وأحد أهم الشركاء التجاريين للحضارتين السومرية والآكدية، وفي العصور اللاحقة رسّخت عُمان مكانتها التجارية من خلال إنتاج وتصدير اللبان، الذي بلغ أسواق مصر والهند والعالم الروماني، لتغدو الصناعات والمنتجات العُمانية ركيزة مهمة في ازدهار التجارة الإقليمية والدولية، وهذا يعني أن هناك تاريخا طويلا من الإنتاج شهدته عُمان يمتد لآلاف السنين. لم تكن بلادنا محطة لعبور التجارة بل كانت أرضا تنتج وتصنّع وتُصدر وتبني علاقات تجارية مع مختلف الحضارات ويؤكد التاريخ أن الصناعة ليست طارئة على عُمان، بل جزء أصيل من هويتها الاقتصادية والحضارية.

هذا الإرث التاريخي من الخبرة والعزيمة والإصرار والعلاقات التجارية المتوازنة الممتدة لآلاف السنين يعني أن قدراتنا في مجال التصنيع لا حدّ لها، وأننا نستطيع تقديم منتجات عديدة للاستهلاك محليا والتصدير إقليميا ودوليا، والواقع الحالي يشير إلى أن هناك نموا في القطاع الصناعي سواء إذا تحدثنا عن ارتفاع الناتج المحلي للإنتاج الصناعي ونسبته من الناتج المحلي الإجمالي أو إذا استعرضنا تطور المنتجات الصناعية العمانية وتنوعها وثرائها، وإذا كنا عند افتتاح «الرسيل» الصناعية في عام 1985 نتحدث عن عدد محدود من المنتجات الغذائية والصناعية في قطاع الصناعات الخفيفة فإننا اليوم أصبحنا نتحدث عن الصناعات النفطية والبتروكيماوية والهيدروجين الأخضر والأمونيا والصناعات الخضراء وهي نقلة مهمة شهدها القطاع الصناعي على مدى السنوات الماضية وانعكست إيجابا على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وأكدت الحضورَ العماني في هذا القطاع الحيوي، ومع توقيع اتفاقية إنشاء أول ممر تجاري في العالم لتصدير الهيدروجين المسال في أبريل من عام 2025 فإن عُمان تعيد تعريف دورها الصناعي والتجاري في العصر الحديث ليربط ممر الهيدروجين بين سلطنة عُمان ومملكة هولندا وجمهورية ألمانيا الاتحادية عبر ميناء الدقم ويرسخ مكانة عُمان باعتبارها مركزا عالميا لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر وشريكا استراتيجيا في تعزيز أمن الطاقة العالمي، وهكذا نجد أن الهوية الصناعية العمانية التي بدأت منذ آلاف السنين لا تزال حتى اليوم تؤكد الدور العماني في الصناعة والتجارة الدولية.

تتمتع سلطنة عُمان بالعديد من المزايا التنافسية التي تعزز إمكانيات القطاع الصناعي وتضع الصناعات العمانية في موقع تنافسي مع العديد من الصناعات العالمية؛ فالموقع الجغرافي بين آسيا وإفريقيا وأوروبا،

وإنشاء موانئ استراتيجية على بحر عُمان وبحر العرب وبالقرب من خطوط الملاحة الدولية، من شأنها تسهيل تصدير المنتجات الصناعية العمانية وفي الوقت نفسه استيراد مدخلات الإنتاج من المواد الخام التي تحتاج إليها المصانع، كما أن الاستقرار السياسي والحوافز الحكومية والتسهيلات وأسعار الطاقة التنافسية سواء الغاز أو الكهرباء ولاحقا الهيدروجين الأخضر تشكل منظومة جاذبة للاستثمارات الصناعية النوعية وتوفر بيئة مناسبة لنمو قطاع التصنيع.

وإذا استعرضنا مجالات التصنيع الممكنة فسنجد مجموعة هائلة من المنتجات التي يمكن تصنيعها سواء من خلال المواد الخام المحلية أو عبر استيراد مدخلات الإنتاج من الخارج، فعلى صعيد الصناعات المعتمدة على المواد الخام المحلية لدينا: الأسماك، والثروات البحرية، والنفط والغاز، والنحاس، والكروم، والجبس، والعديد من المعادن الأخرى، والثروات الزراعية وغيرها من الثروات الأخرى التي يمكن زيادة قيمتها الاقتصادية عبر التصنيع، هذا فضلا عن طاقة الرياح والطاقة الشمسية التي يمكن الاستفادة منها في مشروعات الطاقة النظيفة والصناعات الخضراء، غير أن استغلال هذه الثروات لا يزال يتفاوت من قطاع لآخر وهو ما ينبغي أن يحظى بمزيد من الاهتمام خلال السنوات المقبلة.

وإذا انتقلنا إلى مدخلات الإنتاج والمواد الخام المستوردة من الخارج فسنجد أنفسنا أمام صناعات لا حصر لها؛ حيث تتيح لنا موانئ صحار وصلالة والدقم استيراد ما نحتاج إليه من مدخلات الإنتاج من أي دولة في العالم لنعيد تصنيعه وتحويله إلى منتج ذي قيمة أعلى. صناعة السيارات والحواسيب وأجهزة الاتصالات والكابلات والمحولات الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد ومعدات الطاقة الشمسية والصناعات الكيميائية والعديد من الصناعات الأخرى نستطيع تحقيق نجاحات عديدة فيها عبر استيراد أجزائها ومكوناتها وإعادة تصنيعها في المناطق الحرة والاقتصادية والمدن الصناعية المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد، وعلى الرغم من تحقيق عدد من النجاحات في هذا الجانب خلال السنوات الماضية إلا أننا نتطلع إلى استغلال هذا المجال بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة نظرا للمكاسب العديدة المتوقعة منه.

وفي ظل التحولات التكنولوجية العالمية المتسارعة فإن التركيز على صناعات المستقبل كالذكاء الاصطناعي والروبوتات الصناعية والسيارات الكهربائية والهيدروجين الأخضر ومشتقاته أصبح أمرا حتميا الاستفادة من الثورة الصناعية في هذه القطاعات، ومما يبعث على التفاؤل أننا شهدنا خلال الفترة الماضية تأسيس مشروعات رئيسة ضمن صناعات المستقبل؛ في الوقت الذي أعلنت فيه العديد من الشركات المحلية والعالمية عن تحقيق تقدم جيد في مشروعات الصناعات الخضراء والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء.

وعلى مستوى القطاعات فإنه من المهم التركيز على الصناعات التي تحقق لنا الأمن الصناعي؛ أي الصناعات التي تُسهم في تعزيز قدراتنا على تأمين الاحتياجات الأساسية من المنتجات الصناعية والتقنيات المتقدمة بما في ذلك الصناعات الغذائية والدوائية والمستلزمات الطبية والصناعات الكهربائية ومعدات الطاقة والصناعات المرتبطة بقطاعات النفط والغاز والكهرباء والاتصالات وتحلية المياه والنقل وسلاسل التوريد والصناعات الدفاعية وغيرها من الصناعات الأخرى التي تقلل التعرض للمخاطر الخارجية وتحمي الاقتصاد الوطني من تقلبات الأسعار واضطرابات سلاسل الإمداد، هذا بالإضافة إلى توطين التكنولوجيا وتحقيق الاكتفاء الذاتي -قدر الإمكان- وتنويع القاعدة الإنتاجية وتعزيز القدرات التصديرية خاصة مع وجود شبكة من الموانئ البحرية والبرية التي من شأنها تعزيز الصادرات العمانية غير النفطية.

وإذا كانت عُمان قد نجحت منذ آلاف السنين في بناء هويتها الصناعية والتجارية وارتبطت بالعديد من الحضارات القائمة في تلك الفترة فإن المستقبل الصناعي أمامها واعد من خلال العديد من المقومات التي أشرنا إلى عدد منها في هذا المقال، ومن بينها: البنية الأساسية الداعمة للقطاع الصناعي كالمناطق الحرة والاقتصادية والمدن الصناعية والموانئ الرئيسية في صحار وصلالة والدقم، والحوافز الحكومية التي تمنح للمستثمرين في القطاع الصناعي، والمساحات الشاسعة من الأراضي التي تحتاج إليها المشروعات الصناعية الكبرى، هذا بالإضافة إلى التمويل الذي تقدمه البنوك لتنفيذ المشروعات الصناعية والتوسع في الإنتاج الصناعي، وهذا يعني أن أسس بناء منظومة صناعية رائدة ومتعددة القطاعات لـ«صُنع في عُمان» متوفرة ولديها إمكانيات عديدة للنمو، غير أن ما ينبغي التركيز عليه في المرحلة المقبلة هو زيادة الاستثمارات في هذا القطاع سواء عبر الشركات الحكومية أو شركات القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وكما يعلم الجميع فإن الاستثمار في القطاع الصناعي يحقق العديد من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية وفي مقدمتها التنويع الاقتصادي وتحقيق الأمن الصناعي كما أشرنا إليه سابقا بالإضافة إلى توفير فرص العمل أمام الشباب العماني والتوسع في ذلك وبناء الخبرات العمانية المتخصصة في مختلف القطاعات الصناعية.

إن الصناعة ليست مجرد قطاع إنتاجي بل يمكننا اعتبارها محركا أساسيا لمنظومة الاقتصاد الوطني ككل، وقد رأينا أن التجارب الاقتصادية للدول الصناعية والدول الناشئة -على حدّ سواء- أثبتت أن الصناعة هي القطاع الأكثر قدرة على تحفيز بقية القطاعات ورفع إنتاجيتها، وعلى سبيل المثال لا يمكن للموانئ أن تنشط دون وجود قطاع صناعي قوي يرفع معدلات المناولة ويُسهم في زيادة الصادرات الصناعية ويرفع الطلب على المخازن والخدمات اللوجستية المتوفرة في المناطق الصناعية المحاذية للموانئ، كما أن هناك أدوارا إيجابية للقطاع الصناعي في استغلال المواد الخام، واستثمار الثروات الزراعية والسمكية، وتحريك أنشطة التمويل في البنوك وشركات التمويل المتخصصة، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في مختلف القطاعات الاقتصادية، وباختصار؛ فإن كل مصنع جديد يعني طلبًا أكبر على المواد الخام، وخدمات النقل والموانئ، والتمويل، والتأمين، والبرمجيات، والخدمات الهندسية، والتدريب، والبحث العلمي، وهكذا فإن الصناعة ليست مجرد قطاع ضمن مجموعة من القطاعات الاقتصادية بل هو القطاع الذي يمنح القطاعات الأخرى هويتها ويحفزها على النمو ويرفع قدرتها على المنافسة، وإذا كانت عُمان عبر التاريخ أرضا للصناعة والتجارة والإنتاج، فإنها تمتلك اليوم كل المقومات التي تجعل عبارة «صُنع في عُمان» امتدادا لذلك الإرث العريق ورمزا للجودة والثقة التي تعززت في الصناعة العُمانية منذ آلاف السنين.

محمد بن أحمد الشيزاوي كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية