العولمة الصناعية وإعادة توزيع فائض القيمة
15 يوليو 2026
15 يوليو 2026
كمي أبو كرم
شكّلت الثورة الصناعية، التي انطلقت في أوروبا في منتصف القرن الثامن عشر، نقطة تحوّل كبرى في العلاقات الاجتماعية والسياسية وأنماط الإنتاج، فقد أدى اختراع الآلة إلى انتقال الإنتاج من الطابع الزراعي إلى الطابع الصناعي، كما أسهم في تراجع الحرف اليدوية التقليدية، ونتج عن هذا التحول ارتفاع هائل في حجم الإنتاج؛ إذ أصبحت السلع تُنتج بكميات تفوق الطلب عليها بفعل السرعة الكبيرة التي وفرتها الآلة مقارنة بوسائل الإنتاج الحرفية. وأفضت هذه التحولات إلى ظهور طبقة اجتماعية جديدة هي طبقة العمّال، التي تشكلت في معظمها من مزارعين وحرفيين فقدوا تدريجيًا قدرتهم على منافسة الإنتاج الصناعي، فاتجهوا إلى العمل في المصانع. وبذلك جمعت الثورة الصناعية بين قوة العمل البشرية والآلة، وأرست نمطًا جديدًا من الإنتاج يقوم على ملكية وسائل الإنتاج بدلًا من ملكية الأرض، الأمر الذي مهّد لهيمنة البرجوازية الصناعية على حساب النظام الإقطاعي.
يقوم الإنتاج الصناعي، شأنه شأن الحرف اليدوية، على إضافة قيمة إلى المادة الخام من خلال العمل البشري. فالطاولة الخشبية، على سبيل المثال، تمتلك قيمة نفعية أعلى من جذع الشجرة الذي صُنعت منه، وتمثل هذه الزيادة في القيمة ثمرة العمل الذي حوّل المادة الخام إلى منتج ذي قيمة استخدامية، سواء أُنجز هذا العمل يدويًا أو آليًا أو بمزيج من الاثنين. وتُعدّ ملكية هذه القيمة المضافة الأساس الذي يميز موقع العامل في النظام الرأسمالي. ففي مرحلة الإنتاج الحرفي كان الحرفي يمتلك منتجه النهائي، أي المادة الخام والقيمة التي أضافها إليها بعمله. أما بعد الثورة الصناعية، فقد أصبحت ملكية المادة الخام ووسائل الإنتاج في يد البرجوازي، الذي يشتري قوة عمل العامل مقابل أجر، ثم يستحوذ على القيمة التي يضيفها هذا العمل إلى المنتج. وبهذا تؤول القيمة المضافة، أو ما يُعرف في الأدبيات الماركسية بفائض القيمة، إلى مالك وسائل الإنتاج، في حين لا يحصل العامل إلا على أجر يقل عن القيمة التي يضيفها إلى السلعة. وبذلك ظل الإنتاج الصناعي، خلال المرحلة الصناعية التقليدية، قائمًا في الغالب داخل حدود الدولة الواحدة، حيث كانت العلاقة بين رأس المال والعمل تتم داخل المجتمع نفسه. فالعامل البريطاني، على سبيل المثال، كان يعمل لصالح البرجوازي البريطاني، والعامل الألماني لصالح البرجوازي الألماني، وهو ما جعل الصراع الطبقي يتموضع، في معظمه، داخل الإطار الوطني. وقد استمر هذا النمط من التنظيم الاقتصادي إلى أن جاءت العولمة لتعيد توزيع عملية الإنتاج على نطاق عالمي.
أعادت العولمة تشكيل العلاقات الرأسمالية، فلم تعد عملية الإنتاج محصورة داخل حدود الدولة الواحدة. فإلى جانب عولمة الأسواق، أصبحت عملية الإنتاج نفسها عابرة للحدود، وغدت وسائل الإنتاج موزعة على نطاق عالمي، وفي مقدمتها قوة العمل البشرية، وأصبح بإمكان شركة يابانية، على سبيل المثال، أن تعتمد على عمالة مصرية من خلال إنشاء مصانع لها خارج اليابان، دون الحاجة إلى انتقال العمال إليها. ومن هنا برزت الشركات متعددة الجنسيات بوصفها الفاعل الرئيس في تنظيم الإنتاج الصناعي العالمي.
وفي الوقت الراهن تمتلك كبرى الشركات متعددة الجنسيات مصانع في مختلف أنحاء العالم، ولا سيما في الدول التي تنخفض فيها تكاليف العمل. وتُعد شركة مرسيدس مثالاً واضحاً على ذلك، إذ تنتشر مصانعها في عدد كبير من الدول التي تتفاوت فيما بينها مستويات الأجور بصورة ملحوظة. ففي ألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا، على سبيل المثال، يتجاوز متوسط تكلفة ساعة العمل عشرين دولاراً أمريكياً، في حين تنخفض في دول مثل الهند وإندونيسيا وفيتنام والأرجنتين والبرازيل إلى أقل من أربعة دولارات للساعة. ويتيح هذا التفاوت الكبير في تكلفة قوة العمل للشركات الاستحواذ على فائض قيمة أكبر عند الإنتاج في الدول منخفضة الأجور مقارنة بالدول مرتفعة الأجور. ولتوضيح ذلك، يمكن افتراض أن مركبة تُباع بخمسين ألف دولار وتتطلب ألف ساعة عمل لإنتاجها. فإذا صُنعت في أحد مصانع الشركة في ألمانيا، وبلغ متوسط تكلفة ساعة العمل خمسةً وعشرين دولاراً، فإن تكلفة العمل وحدها ستقارب خمسةً وعشرين ألف دولار، وهو ما يترك للشركة ربحاً مماثلاً إذا أُهملت بقية التكاليف. أما إذا أُنتجت المركبة نفسها في أحد مصانعها في فيتنام، حيث تبلغ تكلفة ساعة العمل نحو دولارين فقط، فلن تتجاوز تكلفة العمل ألفي دولار، لترتفع الأرباح النظرية إلى نحو ثمانية وأربعين ألف دولار، مع افتراض ثبات بقية عناصر التكلفة. ولا يهدف هذا المثال إلى تقديم حساب دقيق لتكاليف إنتاج السيارات، وإنما إلى توضيح الأثر الاقتصادي الذي يمكن أن يترتب على انتقال الإنتاج إلى الدول ذات الأجور المنخفضة، وما يتيحه ذلك من زيادة في فائض القيمة الذي تستحوذ عليه الشركات متعددة الجنسيات.
يترتب على هذا التفاوت الكبير في مستويات الأجور أن تحقق الشركات متعددة الجنسيات عوائد أعلى من عملياتها الإنتاجية في الدول منخفضة الأجور مقارنة بالدول الصناعية ذات الأجور المرتفعة. ويمكن النظر إلى هذا التفاوت بوصفه أحد العوامل التي أسهمت في تركّز جانب مهم من فائض القيمة في يد هذه الشركات، مع الحد، في الوقت نفسه، من حدة الصراع الطبقي داخل كثير من الدول الصناعية.
ففي العديد من الدول الغربية، يحصل قطاع واسع من العمال على أجور مرتفعة نسبياً، إلى جانب استفادته من أنظمة الرعاية الصحية والتأمينات الاجتماعية والتقاعدية، وهو ما وفر مستويات معيشية أفضل مقارنة بعمال كثير من الدول النامية. وقد أسهم ذلك في الحدّ من حدّة الصراع الطبقي داخل هذه الدول، إذ إن قطاعات واسعة من العمال في الدول الغربية لا تشعر بالدرجة نفسها من الاستغلال التي قد تشعر بها نظيراتها في الدول الفقيرة، الأمر الذي يضعف دوافعها للمطالبة بتغييرات اجتماعية أو اقتصادية جذرية، إن لم يلغِ حتى وجود حركات عمالية أو مطالبات مستمرة بتحسين الأجور وظروف العمل. في المقابل، لا يحصل كثير من العمال في الدول الفقيرة إلا على جزء محدود من القيمة الاقتصادية التي يسهمون في إنتاجها رغم أنهم يعملون لصالح الشركة ذاتها و يصنعون المنتج ذاته أيضاً. ومن هنا يمكن القول إن جانباً مهماً من أرباح الشركات متعددة الجنسيات يرتبط بتفاوت تكلفة قوة العمل بين الدول، وهو تفاوت أصبح أحد السمات الأساسية للاقتصاد العالمي المعاصر.
وبهذا المعنى، لم تؤدِّ العولمة إلى تغيير توزيع مواقع الإنتاج فحسب، بل أسهمت أيضاً في إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية للصراع الطبقي. فبعد أن كان رأس المال والعمل يتفاعلان داخل حدود الدولة الواحدة، أصبح هذا التفاعل يمتد عبر شبكة عالمية من الإنتاج، تتركز فيها الشركات ورؤوس الأموال في الدول الصناعية، بينما تتركز نسبة كبيرة من العمالة منخفضة الأجور في دول الجنوب العالمي. ومن ثم يمكن النظر إلى الطبقة العاملة في كثير من الدول الصناعية بوصفها أقرب إلى الطبقة الوسطى على المستوى العالمي، في حين تشكل العمالة في الدول الفقيرة القاعدة الأوسع للعمل منخفض الأجر.
وأصبحت حركة رأس المال، ومعها وسائل الإنتاج وقوة العمل، ذات طابع عالمي، ولم يعد الصراع بين رأس المال والعمل محصوراً داخل الدولة القومية كما كان خلال المرحلة الصناعية التقليدية. وبهذا يمكن القول إن جزءاً من مستويات الرفاه التي تتمتع بها المجتمعات الصناعية يرتبط، بصورة غير مباشرة، بالبنية الاقتصادية العالمية القائمة على تفاوت تكاليف العمل بين الدول. وقد استطاعت الشركات متعددة الجنسيات الحفاظ على جزء كبير من مكاسبها الرأسمالية من خلال الاستفادة من تفاوت تكاليف العمل بين الدول، كما حافظت على قدر من الاستقرار الاجتماعي في الدول الصناعية عبر توفير مستويات أعلى من الأجور والحماية الاجتماعية لعمالها. وفي المقابل، كثيراً ما ينحصر الحراك الاجتماعي والسياسي للعمّال في الدول الفقيرة في مواجهة الحكومات الوطنية، لأنها تمثل الطرف الأكثر حضوراً في حياة المواطنين، رغم أن هذه الحكومات لا تؤدي، في الغالب، دوراً حاسماً في تحديد آليات الإنتاج الرأسمالي العالمي. ولذلك فإن تغيير الأنظمة السياسية في الدول الفقيرة لا ينعكس بالضرورة بشكل سلبي على أرباح الشركات الكبرى، ولا يفضي تلقائياً إلى تحسين أوضاع العمال في تلك الدول، ما لم يترافق مع تغييرات أعمق في بنية الاقتصاد العالمي وآليات توزيع الإنتاج وفائض القيمة.
يتضح مما سبق أن العولمة لم تؤدِّ إلى إلغاء العلاقات الطبقية التي أفرزها النظام الرأسمالي، وإنما أعادت توزيعها على المستوى العالمي. فبعد أن كان الصراع بين رأس المال والعمل يتمحور في إطار الدولة الواحدة، أصبحت حلقات الإنتاج موزعة بين دول متفاوتة في مستويات الأجور والتنمية، الأمر الذي مكّن الشركات متعددة الجنسيات من تعظيم استحواذها على فائض القيمة، مع الحد من حدة الصراع الطبقي داخل الدول الصناعية. وبهذا المعنى، لم تختفِ التناقضات الاجتماعية التي رافقت الرأسمالية منذ الثورة الصناعية، بل اتخذت شكلاً جديداً تجاوز الحدود الوطنية وأصبح جزءاً من بنية الاقتصاد العالمي ذاته. ومن ثم، فإن فهم الصراع الطبقي في العصر الحديث لم يعد ممكناً من خلال تحليل الاقتصاد الوطني وحده، بل يقتضي النظر إلى الاقتصاد العالمي بوصفه وحدة مترابطة تتجاوز حدود الدولة القومية.
كمي أبو كرم باحث في الشؤون الاقتصادية
