جنوب لبنان .. وبوّابات العبور من «الخطّ الأزرق» إلى «الخطّ الأصفر»!
بيروت - وفاء عواد: فيما لبنان الرسمي رسم لنفسه مسارا بـ«اتفاق إطار» لا يزال مثار أخذ وردّ، ويعيش خريطة طريق ما بعد صيغة الاتفاق مع إسرائيل، وسط تردّدات سياسية وأمنية ترافق التحضيرات للتطبيق، وهو مسار لن يخلو من «الألغام» السياسية، فإن هذا الاتفاق الذي جرى توقيعه في 26 يونيو الفائت تلقّى ضربة قاسية، غير مفاجئة، ومصدرها إسرائيل الرافضة لالتزام وقف النار بشكل كامل والانسحاب التامّ من الأراضي اللبنانية. ذلك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى إقناع الرئيس الأمريكي بمنحه «فترة سماح» يستخدمها عسكريا، كما يتردّد، استلّ من الاتفاق ما يحشر السلطة اللبنانية بقوله: «لقد حصلنا على الشرعية للبقاء على طول الخطّ الأصفر».
وما بين مضامين هذه «الضربة»، معطوفة على عدم وجود أمر مباشر لنتنياهو بالانسحاب من جنوب لبنان، أو أقلّه البدء بتطبيق «اتفاق الإطار» في المناطق التجريبية كحسْن نيّة، وبالتالي إفساح المجال أمام الحلول السلميّة مع «حزب الله» بتوافق الرؤساء الثلاثة وبرعاية الوسطاء، فإن ثمّة إجماعا على أن ما يشهده الميدان الجنوبي مؤشر على أن ما كُتب على الورق شيء، وما يجري على أرض الواقع شيء آخر.
سياسة تدمير ممنهج ينفذها الاحتلال في القرى الجنوبية، وتحديدا في القرى الحدودية؛ حيث الموت لم يعد مقتصرا على قصف الأعمار، بل يتعدّاه إلى اقتلاع الجذور بتفخيخ الوريد الجنوبي وتفجيره وفصله عن قلب الوطن، ما يكشف «نيّات إسرائيل في تحويل مساحات واسعة من الجنوب إلى مناطق غير قابلة للحياة»، بحسب قول رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي.. تحضيرات آيلة لتنفيذ «اتفاق الإطار»، ولا سيّما منها الشقّ المتعلّق بانسحاب إسرائيل من «المناطق التجريبيّة»، والتي لا تزال في العُرف الإسرائيلي محصورة بين «الزوطريْن» (زوطر الغربية وزوطر الشرقية)، ولا مؤشّر جديا على انتقال تلّ أبيب إلى تنفيذ التزاماتها وفقا لبنود «اتفاق الإطار».. وذلك، وصولا إلى قيام الجيش الإسرائيلي بإنشاء بوّابات عبور داخل الأراضي اللبنانية، أو بين أجزاء منها، للمدنيّين الجنوبيّين داخل المناطق المحتلّة، والذي يُعدّ بحسب النائب ملحم خلف «انتهاكا فاضحا لسيادة لبنان، وإخلالا جوهريا باتفاق الإطار»، مؤكدا أن «القانون الدولي لا يعترف إلا بالحقوق المشروعة، لا بالأمر الواقع المفروض بالقوّة».
وبعد تأجيل الانسحاب التجريبي من البلدات الجنوبية، كان الخبر الصادم، المتمثل بإنشاء الجيش الإسرائيلي بوّابات بين المنطقة الحدودية وجنوب الليطاني، مع أعمال تجريف لعدد من الطرق، أثار مخاوف مشروعة وتساؤلات واسعة، وأعاد للذاكرة واقعا أليما، ومشهدا عرفه الجنوبيون قبل عام 2000؛ حيث كانت «بوّابة بيت ياحون» و«بوّابة القليعة» و«بوّابة فاطمة» و«بوّابة بسري» و«بوّابة الريحان» رمزا للاحتلال السابق. وعليه، ارتفع منسوب الأسئلة المرتبطة بهذا الخبر، ومفادها: ما هي الإجراءات التي تتبع هذه البوّابات؟ وهل حصلت إسرائيل على ضمانات أمنية تسمح لحواجز جيشها الاستقرار على هذه المعابر؟ وبالتالي، هل عاد الاحتلال الإسرائيلي كما كان قبل عام 2000؟
بوّابات العبور
مشهد أوّل: دوريّات للقوّات الدولية العاملة في جنوب لبنان تعبر حاجزا مستحدثا لجيش الاحتلال الإسرائيلي، أُنشئ مؤخرا كنقطة مراقبة عند محلّة «إسكندرونا» على المدخل الشمالي لبلدة الناقورة، والتي تضمّ المقرّ العام لـ«اليونيفيل» وتشكّل ممرّا رئيسا لقوّاتها.
مشهد ثانٍ: قوافل إمدادات تموينيّة إلى بلدات رميش وعين إبل ودبل الحدوديّة تعبر حاجز «إسكندرونا»، إنفاذا لمهمّتها برعاية بابويّة.
وما بين المشهدين، فإن لا حياة على امتداد المنطقة المحتلّة، من «الناقورة» و«شمع»، وحتى «الخيام»، إنّما فقط جنود إسرائيليون يستكملون «طحن» ما تبقّى من بيوت ومنازل ومؤسّسات، واقعة في منطقة جنوب الليطاني، قبل تحويلها إلى «رجم» من الإسمنت. وذلك بالتزامن مع قيام القوات الإسرائيلية بنقل البوّابات التي كانت قائمة عند السياج الحدودي إلى داخل الأراضي اللبنانية، وتحديدا إلى نقاط متقدّمة من «المنطقة الأمنية»، في أوّل إجراء عملي منذ عام 2000. وحينها، كانت القوات الإسرائيلية نقلت البوّابات إلى السياج الحدودي، بعد انسحابها من جنوب لبنان، وعزّزتها بين عامَي 2000 و2018 بجدران إسمنتية رفعتها على قسم كبير من الحدود.
وفي السياق، يذكر رئيس الوفد المفاوض على تطبيق القرار 1701، اللواء الركن المتقاعد عبدالرحمن شحيتلي، أن مشروع البوّابات بين لبنان وفلسطين المحتلّة بدأ عام 1926، بناء على «اتفاقية حُسن الجوار». أما بعد العام 1972، والذي شهد اجتياحا إسرائيليا حتى نهر الليطاني، فبدأت فكرة «المنطقة العازلة»، والتي سُمّيت حينها بـ«الشريط الحدودي»، فيما مشهد البوّابات طغى على المعابر الأساسية الـ5، معبر ساحلي ومعبر باتجاه منطقة بنت جبيل ومعبر باتجاه نهر الليطاني ومعبر باتجاه نهر الخردلي ومعبر من سهل مرجعيون باتجاه البقاع.
وبعد حرب يوليو 2006، اختفت كلّ المعابر، وبقيت «بوّابة فاطمة» الشهيرة، شكلا من دون استخدام، بالإضافة إلى «بوّابة الناقورة» التي كانت محدّدة لعبور الوفد الإسرائيلي، سيرا على الأقدام، للمشاركة في الاجتماعات الثلاثية التي كانت تُعقد في مقرّ «اليونيفيل» في منطقة الناقورة الحدودية.
وما بين الأمس واليوم، تبدّل المشهد، حيث إن «إسرائيل تنتقل من نقاط حاكمة إلى نقاط حاكمة، وتقوم بإنشاء تحصينات في هذه النقاط، كما كان يحصل قبل عام 2000»، وتبدّلت معه التسميات من «الشريط الحدودي» إلى «الخطّ الأصفر»، أي «الشريط الحدودي بلاس»، يقول شحيتلي معربا عن اعتقاده بأن البوّابات التي كثر الحديث عنها، وتحديدا منها بوّابتا «البيّاضة» و«الخردلي»، «ستُفتحان، وستبقيان، كما حصل قبل عام 2000، إلى حين الحلّ النهائي المتمثل بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان».
.. ومرحلة «رماديّة»
إلى ذلك، تردّدت معلومات مفادها أن القوات الإسرائيلية ثبّتت بوّابات حدوديّة على طول الخطّ الفاصل بين «المنطقة الصفراء»، الذي حدّدته في شهر أبريل الفائت، والقرى الواقعة خارجها في العمق اللبناني، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تمهّد للانسحاب أم لإعادة رسم الواقع الأمني جنوبا. وفي المعلومات أيضا، فإن بوّابة عبور استُحدثت عند نقطة تموضع إسرائيلية على طريق «إسكندرونا» على الساحل اللبناني، والتي تتفرّع منها مسالك العبور إلى القرى الحدودية الواقعة شرق الناقورة، وتحديدا على بُعد نحو 10 كيلومترات عن الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلّة، ما يعني عزل المنطقة بالكامل بدءا من تلك النقطة، وأخرى قرب فندق «حلم البحر» في منطقة الناقورة الحدودية. أما في المعلومات الواردة من الجنوب، فإن إسرائيل بدأت بإقامة بوّابات حديديّة في القرى الفاصلة بين جنوب الليطاني وشماله، وأبلغت شرطها للانسحاب من «فرون» و«الغندورية» و«الزوطرين»، بانسحاب مقاتلي «حزب الله» من تلّة علي الطاهر غير المشمولة بالمنطقة التجريبية الأولى، ودخول الجيش اللبناني إليها، مع مراقبة أمريكية للتنفيذ.
وعليه، وبحسب الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد هشام جابر، بات لإسرائيل أن تحدّد طبيعة من يدخل إلى البلدات الحدودية، وأن تفرز الداخلين بين سكّان حقيقيّين وزوّار، مع ما يعنيه الأمر من أن إسرائيل، التي تواصل فرض منطقة عازلة بالنار، دخلت إلى عمق العمق اللبناني، لا عسكريا فحسب، بل إداريا وأمنيا أيضا، مع إشارته إلى أن واقع القرى الحدودية لا يحتاج إلى معابر شبيهة بالمعابر التي كانت سابقا، وإلى أن البوّابات «ستكون بين الأرض اللبنانية والأرض اللبنانية»، كون المنطقة خالية من السكان، باستثناء عدد قليل من البلدات.
وبالتالي، فإن هذا الإجراء يعني محاصرة من تبقّى من السكان اللبنانيين في القرى الحدودية، وتحديدا في عين إبل ودبل ورميش، وعزلهم عن العمق اللبناني، وإلزام قوّات «اليونيفيل» الموجودة في جنوب الليطاني بالعبور إلزاميا عبر تلك البوّابات، وهو ما يتطلّب تنسيقا بين الجانبين، لم تتحدّد معالمه بعد.
وعلى المقلب المكمّل لهذه الصورة، وقائع ميدانية تشير إلى أن ما يجري يستهدف إعادة هندسة المنطقة الحدودية، عبر إزالة كلّ ما يمكن استخدامه عسكريا، وتحويل القرى الحدودية مناطق مدمّرة يصعب إعادة الحياة إليها، وتثبيت ما يلزم من حواجز ونقاط مراقبة، بما يضمن لإسرائيل تفوّقا ميدانيا حتى بعد أيّ انسحاب محتمل. أمّا لبنان، فمصرّ على جدولة الانسحاب الإسرائيلي من كامل أراضيه إلى «الخطّ الأزرق»، لكن من دون أن يعني ذلك أيّ عرقلة للمفاوضات الجارية في واشنطن.
وما بين المشهدين أيضا، فإن ثمّة خريطة عسكرية «تسلّلت» إلى منطقة شمال الليطاني، لتتمدّد إلى «يحمر الشقيف» و«أرنون» و«الزوطرين» و«تلال علي الطاهر»، مع توسعة التوغل إلى بلدتَي مجدل زون في قضاء صور، التي تبعد أكثر من 7 كيلومترات عن الحدود، و«حداثا» في قضاء بنت جبيل. أمّا المساحة الجغرافية المحتلّة، على امتداد ما بات يُعرف بـ«الخطّ الأصفر» الذي يقضم نحو 55 بلدة وقرية ومزرعة، من الناقورة إلى تخوم بلدات العرقوب، فتُقدّر بأكثر من 450 كيلومترا مربعا، وهي في غالبيتها تتشكّل من التلال والهضاب والمرتفعات الحاكمة.
وهكذا، وفي سياق مرحلة انتقاليّة «رماديّة»، لم يعد الحديث في الجنوب اللبناني عن «خطّ أزرق» ولا عن الليطاني بضفّتيه الجنوبية والشمالية، بل عن «خطّ أصفر»، كتصوّر أمني وعسكري، تسعى إسرائيل إلى ترسيخه، عبر مناطق عازلة، مدعّمة ببوّابات عبور من وإلى الأراضي اللبنانية، فيما منطق الحرب سيبقى حاضرا في السماء المفتوحة حتى إشعار آخر.. فهل تكون هذه البوّابات مرحلة عابرة تسبق الانسحاب، أم بداية واقع جديد قد يطيل أمد الاحتلال؟
