أين اختفت صحافة السلام؟
30 يونيو 2026
30 يونيو 2026
دخل مفهوم صحافة السلام إلى المجالين الأكاديمي والإعلامي في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وازداد حضوره خلال التسعينيات في أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة.
فقد سادت آنذاك روح جديدة، ولو لفترة قصيرة، قوامها الاعتقاد بأن العالم يتجه نحو قدر أكبر من الاستقرار، وأن الصراعات الكبرى التي طبعت القرن العشرين قد بدأت تفسح المجال أمام نظام دولي أكثر عدالة.
في تلك الأجواء ظهر المصطلح بوصفه وعدًا أخلاقيًا ومهنيًا بأن الصحافة تستطيع أن تتجاوز مجرد نقل الأزمات والحروب إلى تفسيرها وفهم جذورها، وأن تفتح للناس نوافذ معرفية على أسباب الصراع ومسارات الخروج منه. حمل المصطلح، منذ بدايته، قدرًا من المثالية التي افتقدتها تغطيات الحروب في كثير من الأحيان، وأعاد التذكير بأن الإعلام يملك القدرة على جعل العالم أكثر هدوءا، وأن يعيد الإنسان إلى قلب الخبر، إلى جوار الجيوش والأسلحة والبيانات العسكرية.
على المستوى الشخصي، كنت من الذين احتفوا مبكرًا بهذا المصطلح، وجعلته موضوعًا شبه ثابت في محاضراتي لطلاب الإعلام ضمن مقررات مثل قضايا في الإعلام، والإعلام والمجتمع، والإعلام الدولي. وكتبت عنه مقالات صحفية وبحوثًا أكاديمية، لأنني كنت أرى فيه أحد أكثر المفاهيم إنسانية في حقل الإعلام، فهو يذكّرنا بأن الصحافة تتحمل مسؤولية تاريخية، وأن الصحفيين حين يغطون الحروب يشاركون، بدرجة ما، في تشكيل الطريقة التي يرى بها الناس الأحداث، ويفهمون بها الصراعات، ويتخيلون من خلالها إمكانات السلام.
من الضروري هنا التوقف عند يوهان غالتونغ (1930-2024)، عالم الاجتماع وباحث السلام النرويجي الذي ارتبط باسمه مفهوم صحافة السلام، ووصفته أدبيات أكاديمية كثيرة بأنه الأب المؤسس لدراسات السلام والصراع.
فقد أسس عام 1959 معهد بحوث السلام في أوسلو، الذي أصبح أحد أهم المراكز البحثية في هذا المجال، ثم أسس عام 1964 دورية بحوث السلام، التي ما زالت من أبرز الدوريات العلمية المتخصصة في دراسات السلام والصراعات.
لفت غالتونغ الانتباه مبكرًا إلى أن طريقة تغطية وسائل الإعلام للحروب والنزاعات تؤثر في إدراك الجمهور للصراع؛ فالتغطية التي تختزل الحرب في المعارك والضحايا والانتصارات والهزائم تُبقي الناس داخل منطق الحرب، وتدفعهم إلى رؤية العالم من خلال زوايا محددة وصور جاهزة عن الخير والشر.
من هنا جاءت الفكرة الأساسية لصحافة السلام، التي تقوم على البحث عن الجذور العميقة للصراعات، ومنح مساحة للأصوات المعارضة للحروب، وإبراز إمكانات التفاوض، وتوسيع حضور الإنسان في مواجهة حضور السلاح.
وإذا كانت صحافة السلام قد ارتبطت بأعمال يوهان غالتونغ في تسعينيات القرن الماضي، فإن مفهوم صحافة الحلول ظهر بصورة أوضح في الولايات المتحدة خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، ثم تبلور مؤسسيًا مع تأسيس شبكة صحافة الحلول عام 2013.
وانطلق هذا المفهوم من قناعة متزايدة بأن الصحافة التقليدية أصبحت تهتم أكثر بتشخيص الأزمات وكشف الإخفاقات، لكنها أقل اهتمامًا بتغطية الحلول الممكنة للمشكلات العامة.
بدت هذه الأفكار، لسنوات، كأنها تحمل أملًا في إعلام أكثر نضجًا ومسؤولية؛ فقد أحاطت بها مؤتمرات وكتب ودورات تدريبية وتجارب مهنية ومبادرات أكاديمية حاولت نقلها من مجال التنظير إلى غرف الأخبار وقاعات الدراسة. وكان من المنطقي أن يزداد حضورها بعد ما عاشه العالم من حروب ومذابح ونزاعات أهلية وتدخلات عسكرية.
غير أن المسار الفعلي للإعلام ذهب في اتجاه أكثر قسوة؛ فقد تراجعت صحافة السلام إلى الهامش مع التحول العميق في البيئة التي تعمل داخلها الصحافة، وتغير شروط إنتاج الأخبار وتداولها واستهلاكها.
لم تعد الأخبار تتحرك وفق منطق المسؤولية المهنية بالقدر الذي تتحرك فيه داخل اقتصاد الانتباه. والنجاح في هذا الاقتصاد يقاس بعدد النقرات والمشاهدات والمشاركات، وبقدرة المحتوى على إثارة الانفعال السريع.
الحرب في هذه البيئة أكثر قابلية للبيع من السلام، والخوف أسرع انتشارًا من الطمأنينة، والغضب أكثر جذبًا من الحكمة، والصورة الصادمة أكثر حضورًا من التحليل المتزن. لذلك تحولت تغطية كثير من الأزمات الكبرى إلى سباق على العناوين المثيرة، والمشاهد المؤلمة، والتصريحات النارية، وتقلصت معها المساحات التي تشرح الخلفيات، وتفكك الأسباب، وتبحث عن احتمالات التسوية.
في حروب السنوات الأخيرة، من أوكرانيا إلى غزة، ومن السودان إلى إيران ولبنان، ظهر هذا التحول بوضوح. اتجهت تغطيات كثيرة إلى تثبيت رواية محددة للأحداث، وصارت الحرب صراعًا على المعنى بقدر ما هي صراع على الأرض. صار كل طرف يبحث عن إعلام يؤكد براءته، ويضخم مظلوميته، ويبرر خياراته، ويضع خصمه في صورة الشر المطلق. وسط هذا التدافع بين الروايات، تضيق المساحات التي يمكن أن يولد فيها الفهم، وتخفت الأصوات التي ترى أن وقف النزيف أهم من كسب معركة الصورة.
وقد زاد الإعلام الرقمي هذه الأزمة تعقيدًا؛ فقد حملت بداياته وعدًا بفتح مجال أوسع للحوار بين الشعوب، وكسر احتكار الروايات الرسمية، ومنح الضحايا قدرة أكبر على الكلام. تحقق بعض ذلك بالفعل، ثم تحولت المنصات نفسها تدريجيًا إلى ساحات هائلة للاستقطاب .
فالخوارزميات لا تبحث عن السلام، ولا تفضل الاتزان، ولا تمنح الأولوية للأخبار الإيجابية. إنها تكافئ ما يثير التفاعل، وغالبًا ما يكون الغضب والخوف والكراهية أسرع طريق إلى هذا التفاعل. وفي هذا التدفق العنيف لا تجد صحافة السلام مكانًا لكونها بطيئة نسبيًا في عالم يقدس السرعة، وعاقلة في فضاء يكافئ الانفعال، ومعقدة في زمن يفضل الإجابات السهلة.
رغم ذلك، لم تمت صحافة السلام. فقط أُزيحت إلى الهامش، وبقيت في بعض التجارب المهنية الجادة، وفي مبادرات المجتمع المدني، وفي غرف أخبار ما زالت تؤمن بأن وظيفة الصحافة لا تكتمل بمجرد نقل مشاهد الدم والدمار.
المفارقة أن الحاجة إلى صحافة السلام تزداد يومًا بعد يوم. فالعالم يعيش لحظة تتكاثر فيها الحروب، وتتراجع فيها الثقة، وتزداد فيها خطابات الكراهية، وتضعف فيها قدرة المؤسسات الدولية على منع الانفجار أو احتوائه.
وفي مثل هذه اللحظة لا يكفي أن نعرف عدد القتلى، ولا مواقع القصف، ولا أسماء الأسلحة المستخدمة. نحتاج إلى من يشرح كيف وصلت المجتمعات إلى هذه النقطة، ومن يستفيد من استمرار الصراع، وأين توجد المساحات الصغيرة الممكنة للحوار، وكيف يمكن حماية الإنسان العادي من أن يتحول إلى مجرد رقم في نشرات الأخبار.
صحافة السلام في معناها الجاد مواجهة أعمق للحقيقة. تذهب إلى الجذور، وتكشف مصالح الحرب، وتمنح الضحايا أسماء ووجوهًا وسياقًا، وتفكك اللغة التي تجعل العنف يبدو طبيعيًا أو ضروريًا أو بلا بديل. وهي صحافة صعبة لأنها تطلب من الصحفي أن يرى ما وراء الحرب، وأن يرفض تحويل الألم الإنساني إلى مادة للاستهلاك العابر.
لقد أحببت مفهوم صحافة السلام لأنه منحني، في وقت مبكر، سببًا إضافيًا للإيمان بالصحافة. واليوم، رغم كل ما جرى، لا أتعامل معه بوصفه ذكرى أكاديمية جميلة. ما زال في الفكرة ما يستحق أن يبقى. وما زال العالم بحاجة إلى إعلام لا يكتفي بأن يخبرنا كيف تبدأ الحروب، ويساعدنا أيضًا على تخيل كيف يمكن أن تنتهي.
إن أكبر خسائر عصرنا، في تقديري، أن الحروب كثرت، وأن السلام نفسه صار خبرًا منسيًا في سوق الأخبار. وهذه خسارة لا تخص الإعلام وحده، بل تخص العالم كله. ربما لا تستطيع الصحافة وحدها أن توقف قتالًا، لكنها تستطيع أن تجعل استمرار الحرب أكثر صعوبة. وحين تفعل ذلك، فإنها تمنح فكرة السلام فرصة للبقاء، وتمنعها من الاختفاء وسط ضجيج الحرب، وهذا، في زمننا الراهن، ليس بالأمر الهين.
أ. د. حسني محمد نصر
أكاديمي فـي قسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس
