No Image
العرب والعالم

حين يغيب الأب خلف الحدود .. الحرب تفصل الأزواج ونساء غزة يدفعن الثمن

20 يونيو 2026
20 يونيو 2026

د. حكمت المصري

لم يكن الغياب هذه المرة سفرًا عاديًا، ولا فراقًا مؤقتًا يمكن احتماله. فالحرب التي مزقت قطاع غزة لم تكتفِ بتدمير البيوت وتشريد العائلات، بل فرّقت بين الأزواج وقطعت أوصال الأسر، تاركةً مئات النساء يواجهن الحياة وحدهن داخل خيام النزوح، بينما يقف أزواجهن خلف الحدود عاجزين عن احتضان أطفالهم أو مشاركة زوجاتهم أعباء الأيام القاسية.

في خيام النزوح المنتشرة جنوب قطاع غزة، تتكرر الحكاية ذاتها بأسماء مختلفة؛ أمهات يحملن وحدهن مسؤولية أسرة كاملة، وأطفال يكبرون بعيدًا عن آبائهم، وأحلام بسيطة تختصرها أمنية واحدة: لمّ شمل الأسرة من جديد.

لم تكن إيناس البرواي (31 عامًا) تتخيل يومًا أن تصبح مسؤولة وحدها عن أسرة كاملة داخل خيمة نزوح، بينما يقيم زوجها في ألمانيا عاجزًا عن الوصول إليها أو مساعدتها. فمنذ شهور طويلة تعيش الأم وأطفالها الخمسة في أحد مخيمات النزوح بمدينة دير البلح، تنتظر كما تنتظر مئات النساء قرارًا يسمح لهن بالخروج من قطاع غزة ولمّ شمل أسرهن التي مزقتها الحرب وإغلاق المعابر.

تقول إيناس: "لم أتخيل يومًا أن أتحمل كل هذه المسؤوليات وحدي. قبل الحرب كنا نعيش حياة بسيطة لكنها مستقرة، وكان زوجي يشاركني كل شيء. أما اليوم فأشعر أنني أحمل حياة أسرة كاملة فوق كتفي. أستيقظ كل صباح وأنا أفكر كيف سأوفر الماء والطعام لأطفالي. أقضي ساعات طويلة في البحث عما يسد جوعهم، وأعود في كثير من الأحيان وأنا أخفي عنهم قلقي وخوفي. أصعب اللحظات هي عندما يسألني أحدهم: متى سيعود أبي؟ فأعجز عن الإجابة.

في الليل يشتد الحنين أكثر. أراقب أطفالي وهم نائمون وأفكر في والدهم البعيد الذي حرمته الحرب من رؤيتهم. ابني الصغير بدأ ينسى ملامح والده، وأحيانًا يشاهد صوره على الهاتف وكأنه يحاول أن يتذكر وجهًا غاب عنه طويلًا.

لم يعد لدينا بيت نعود إليه، ولا حياة تشبه ما عرفناه سابقًا. كل ما أتمناه اليوم أن تفتح المعابر وأن أتمكن من احتضان زوجي من جديد، وأن يعيش أطفالي حياة طبيعية بعيدًا عن الخيام والخوف والانتظار."

ولا تختلف معاناة أسماء يحيى (33 عامًا)، وهي أم لطفلين ينتظران السفر إلى بلجيكا للالتحاق بوالدهما. فمنذ سفر زوجها، وجدت نفسها تواجه تفاصيل الحياة اليومية وحدها داخل خيمة نزوح لا توفر أدنى مقومات الحياة.

تقول أسماء: "منذ أن غادر زوجي، أصبحتُ أنا الأم والأب معًا. أستيقظ كل صباح قبل شروق الشمس، لا على صوت منبه أو رائحة قهوة كما كان يحدث في بيتنا، بل على حرارة الخيمة الخانقة أو على قطرات المطر التي تتسرب من الثقوب فوق رؤوسنا في الشتاء.

أفتح عيني فأرى طفليّ إبراهيم ونهاد متلاصقين فوق فرش مهترئة بالكاد تفصل أجسادهم عن الأرض. لا غرف هنا، ولا أبواب تُغلق، ولا زاوية صغيرة تمنحنا شيئًا من الخصوصية. حياتنا كلها محشورة داخل بضعة أمتار من القماش البالي الذي أصبح بيتنا الوحيد. في الشتاء كنت أخاف من كل غيمة في السماء. كانت المياه تتسلل إلى داخل الخيمة فتبلل الأغطية والملابس، ويتحول المكان حولنا إلى بحر من الوحل والطين. أما في الصيف، فتصبح الخيمة كأنها صندوق مغلق من النار، يختنق فيه الأطفال من شدة الحر والرطوبة.

أول معركة أخوضها كل يوم هي معركة الماء. أحمل الجالونات الثقيلة وأسير بين ممرات المخيم المزدحمة منتظرة دوري. أحيانًا أقف لساعات طويلة للحصول على كمية قليلة من المياه لا تكفي حاجات أسرة كاملة. أعود متعبة، ثم أكتشف أننا بحاجة إلى المزيد، فأعيد الرحلة من جديد رغم الألم الذي يسكن ظهري وقدمي.

بعدها تبدأ رحلة أخرى لا تقل قسوة: البحث عن الطعام. أقف في طوابير المساعدات الطويلة تحت الشمس الحارقة، أنتظر كيس دقيق أو بعض المعلبات. وفي كثير من الأيام أعود خالية اليدين. وعندما أجد شيئًا أُطعم به أطفالي، أجلس أمام النار التي أشعلها بالكرتون أو الحطب لأعد وجبة متواضعة وسط الدخان الذي يملأ عينيّ وصدري. لكن أصعب ما في الحياة هنا ليس الجوع ولا العطش فقط، بل الشعور بأنني أحمل العالم كله فوق كتفيّ وحدي.

كنت أعتمد على زوجي في كثير من الأمور، أما اليوم فأنا من أحمل المياه، وأنا من أُثبّت أوتاد الخيمة عندما تعصف الرياح، وأنا من أصلح ما تمزق منها، وأنا من أنقل الأغراض الثقيلة، وألاحق أخبار المساعدات، وأتخذ القرارات اليومية المتعلقة بالأطفال.

في الليل، وبعد أن ينام الصغار، أجلس وحدي أفكر في زوجي البعيد. أتساءل إن كان يعلم كم كبر أطفاله خلال غيابه، وكم مرة بكيت بصمت حتى لا يراني أحد. أشتاق إلى الأيام العادية التي كنا نعتبرها بسيطة، قبل أن يصبح الحصول على الماء حلمًا، وعلى رغيف الخبز إنجازًا، وعلى ليلة هادئة دون خوف أمنية كبيرة.

داخل المخيم لا نعيش حياة طبيعية، بل نخوض معركة يومية من أجل البقاء. ومع ذلك، أستيقظ كل صباح وأحاول أن أبدو قوية أمام أطفالي، لأنهم لا يملكون بعد الله سوى أم تحاول أن تكون وطنًا صغيرًا يحميهم من كل هذا الخراب."

أما سلمى سعيد (27 عامًا)، فقد دفعت ثمن الحرب بطريقة مختلفة. إذ انتهى زواجها بالانفصال بعدما حالت الحرب وإغلاق معبر رفح دون سفرها للالتحاق بزوجها العامل في إحدى الدول العربية.

وتقول: "كنت أظن أن أصعب ما يمكن أن أواجهه هو الحرب نفسها، لكنني اكتشفت أن الانتظار قد يكون أكثر قسوة من الحرب. كنت أستعد للسفر للالتحاق بزوجي، وكنا نحلم ببداية حياة جديدة، لكن الحرب أغلقت كل الطرق بيننا.

مرّت الشهور وتحول الانتظار إلى عبء نفسي ثقيل. كنت أتابع أخبار المعابر كل يوم وأتمسك بأي خبر يمنحني الأمل، لكن الأيام كانت تمضي دون تغيير. ومع استمرار الفراق بدأت الخلافات تتراكم والضغوط تزداد حتى انتهت حياتنا الزوجية بالانفصال.

اليوم أعيش داخل خيمة نزوح وأحاول أن أبدأ من جديد. أعمل كلما وجدت فرصة عمل بسيطة لأوفر احتياجات أسرتي، ثم أعود لأكمل بقية المسؤوليات وحدي. أحيانًا أشعر أن اليوم أطول من قدرتي على الاحتمال، لكنني أواصل السير؛ لأن الحياة لا تمنحنا رفاهية التوقف، وأكثر ما يؤلمني أن الحرب لم تسرق منا البيوت فقط، بل سرقت أحلامًا كاملة كانت تنتظر أن تبدأ."

الأم والأب في آن واحد

لم تعد معاناة النساء العالقات في غزة تقتصر على ألم الفراق أو طول الانتظار، بل تحولت إلى واقع يومي قاسٍ تتداخل فيه أعباء النزوح والجوع والخوف والمسؤولية. فخلف كل خيمة حكاية امرأة وجدت نفسها فجأة في مواجهة الحياة وحدها، تحمل عن أسرتها أعباء الأمومة والأبوة معًا، وتكافح من أجل البقاء بينما يقف زوجها عاجزًا خلف الحدود ينتظر فرصة للقاء.

وفي ظل تدمير المدارس وتعطل العملية التعليمية، وجدت كثير من الأمهات أنفسهن مطالبات بتعويض غياب التعليم النظامي ومساعدة أبنائهن على مواصلة التعلم وسط ظروف شبه مستحيلة.

كما تزداد المسؤولية عندما يمرض أحد الأطفال، إذ تتحول رحلة البحث عن العلاج إلى تحدٍ يومي في ظل نقص الأدوية وتراجع الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى المراكز الطبية.

نساء يبحثن عن لقمة العيش

لم تكتفِ الحرب بحرمان هؤلاء النساء من الاستقرار الأسري، بل دفعت كثيرات منهن إلى العمل في ظروف قاسية من أجل تأمين الحد الأدنى من احتياجات أطفالهن.

فبعض النساء يعملن في إعداد الخبز داخل الأفران البدائية، وأخريات يبعن الملابس المستعملة أو أدوات التنظيف أو بعض المأكولات البسيطة داخل المخيمات. وبين ساعات العمل الطويلة وأعباء المنزل ورعاية الأطفال، تمضي أيامهن في سباق دائم مع الحاجة.

آثار نفسية عميقة

تؤكد الأخصائية النفسية والاجتماعية الدكتورة ختام أبو عودة أن النساء العالقات في غزة يعشن مستويات مرتفعة من الضغوط النفسية نتيجة تراكم الأعباء اليومية وغياب الأزواج لفترات طويلة.

وتوضح أن المرأة تعيش حالة مستمرة من القلق والخوف والوحدة، وتتحمل مسؤوليات تفوق طاقتها في كثير من الأحيان، ما يؤدي إلى اضطرابات النوم والتوتر المزمن والإرهاق النفسي والعاطفي.

كما ينعكس غياب الأب بصورة مباشرة على الأطفال الذين يعانون من مشاعر الحرمان والقلق والخوف وفقدان الشعور بالأمان، خاصة في ظل استمرار الحرب والنزوح.

وتؤكد أن هذه الفئة من النساء تحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي واقتصادي عاجل، إضافة إلى إيجاد حلول إنسانية تسمح بلمّ شمل الأسر التي فرقتها الحرب.

أكثر من 800 امرأة ينتظرن

وبحسب تقديرات وإحصائيات متداولة بين الجهات المعنية، يزيد عدد الزوجات العالقات في قطاع غزة اللواتي ينتظرن السفر للالتحاق بأزواجهن في الخارج على 800 امرأة، إلى جانب آلاف الأطفال الذين يعيشون مرارة الفراق نفسها.

ورغم المناشدات المتكررة التي وجهتها هؤلاء النساء إلى المؤسسات الدولية وأصحاب القرار من أجل مساعدتهن على السفر ولمّ شمل أسرهن، فإن معاناتهن ما زالت مستمرة.

في كل خيمة تتكرر الحكاية ذاتها؛ أم تحمل وحدها أعباء الحياة الثقيلة، وأطفال ينامون وهم يحلمون برؤية آبائهم، وأزواج ينتظرون خلف الحدود خبرًا يسمح لهم باستعادة عائلاتهم.

إنها ليست مجرد أزمة سفر أو تأخر في إجراءات المعابر، بل مأساة إنسانية متواصلة تعيشها مئات النساء اللواتي وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة الحياة وحدهن، يحملن الماء والخبز والخوف والمسؤولية، بينما يبقى الأمل بلقاء الأحبة هو الشيء الوحيد الذي لم تستطع الحرب انتزاعه من قلوبهن.