كيف ستغيّر حرب إيران الدور العسكري الأمريكي

16 يونيو 2026
16 يونيو 2026

طوال الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران أبدت واشنطن اعتزازا واضحا باستعراض تفوقها العسكري التقليدي. وقد تفاخرت إدارة الرئيس دونالد ترامب بما حققته من أرقام؛ فقبل وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل نفذت الولايات المتحدة وحدها أكثر من عشرة آلاف طلعة جوية، وضربت أكثر من 130 ألف هدف، واعترضت 1700 صاروخ وطائرة مسيّرة إيرانية. ووفق القيادة المركزية الأمريكية دمرت الحملة أكثر من 85% من المنشآت التي كانت طهران تستخدمها لإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأغرقت معظم السفن البحرية الإيرانية، وقضت على 70% من البنية التحتية لإطلاق الصواريخ.

لكن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية لم يكن الهدف الاستراتيجي الواسع الذي طرحه ترامب في الأيام الأولى من «عملية الغضب الملحمي». فقد وعد، بصيغ مختلفة، بتحقيق استسلام كامل للنظام، وحماية الشعب الإيراني من وحشية قادته، وتخليص المنطقة كليا من النفوذ الإيراني، وانتزاع اتفاق نووي من طهران أفضل من الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس باراك أوباما عام 2015. غير أن هذه الأهداف كلها بقيت بعيدة المنال؛ فقد نجا النظام في طهران، وتكيّف بمهارة مع استراتيجية استنزاف أرهقت الترسانة الأمريكية، وهددت البنية التحتية المدنية في أنحاء الشرق الأوسط، وأضافت بعدا جديدا إلى قدرته على إسقاط القوة عبر إغلاق مضيق هرمز فعليا والضغط على الاقتصاد العالمي.

ورغم أن النهج العسكري الأمريكي في المنطقة حقق نجاحات عملياتية كثيرة؛ فإن حرب إيران كشفت عن أوجه قصور خطيرة وخلقت تحديات جديدة. ففي الوقت الذي أظهرت فيه الولايات المتحدة قدرة لا تضاهى على نشر قوة جوية وبحرية ضخمة بسرعة عمّق البنتاغون أيضا علاقاته مع الجيوش الشرق أوسطية، ولا سيما الجيش الإسرائيلي، الذي خاض معه أول حملة مشتركة حقيقية منذ الحرب العالمية الثانية. لكن النجاحات التكتيكية لواشنطن لم تستطع التعويض عن أخطائها الاستراتيجية؛ فإخفاقها في بناء تحالف قتالي مسبق، أو في إقناع العالم بأن إيران أصبحت تهديدا وشيكا تركها عاجزة عن بناء توافق دولي لمواجهة أساليب إيران غير المتكافئة، وعن إنجاز تسوية قوية لما بعد الحرب.

كما أن الحرب استنزفت الترسانة الأمريكية على نحو خطر؛ فالولايات المتحدة لا تستطيع ببساطة أن تتحمل كلفة خوض حرب أخرى من هذا النوع.

والأهم من ذلك كله أن الحرب أضعفت مكانة الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الرئيسي في الشرق الأوسط. فعلى مدى عقود ركزت السياسة الأمريكية تجاه إيران على ثلاث ركائز لقوة طهران الخارجية: برنامجها النووي، وترسانتها الصاروخية، وشبكة الميليشيات الحليفة لها. غير أن إضعاف هذه الركائز لم يكن كافيا لإسقاط الجمهورية الإسلامية، ولا لإجبارها على قبول اتفاق يحمي الولايات المتحدة أو شركائها.

في جوهر الأمر تغيّرت طبيعة التهديد الإيراني بطرق لم تكن واشنطن مستعدة تماما لمواجهتها، ولم تفعل «عملية الغضب الملحمي» سوى تسريع قدرة طهران على التكيّف. وخلال العملية واصلت الجيوش شرق الأوسطية الاعتماد على الولايات المتحدة في دعم الدفاع الجوي والاستخبارات. لكن واشنطن لم تتمكن من تحييد إيران بالكامل قبل أن تؤدي هجماتها الانتقامية إلى تحطيم صورة الخليج كملاذ هادئ وآمن وصديق للأعمال. كما لم تستطع كبح الجمهورية الإسلامية بفاعلية عندما قررت تعطيل حرية الملاحة في أهم ممر مائي في المنطقة.

وفي مفارقة مريرة كشفت حرب إيران عن فرص كبيرة أمام القيادة المركزية الأمريكية للعمل بفاعلية أكبر مع الجيوش الإقليمية. غير أن فجوة الثقة التي اتسعت بين الولايات المتحدة وشركائها في الخليج ستجعل الاستفادة من تلك الفرص أكثر صعوبة؛ فدول الخليج تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التزامات أمنية أوضح. لكنها في الوقت نفسه تفقد ثقتها بأن واشنطن ملتزمة بضمان أمنها بينما فقد الرأي العام الأمريكي والقادة السياسيون في الولايات المتحدة ما تبقى لديهم من رغبة في تحمل الأعباء المكلفة والمستمرة لمواجهة تهديدات إيران.

لم يصبح الشرق الأوسط بعد «الغضب الملحمي» أكثر أمنا أو استقرارا أو ازدهارا. وإذا أخفقت الولايات المتحدة في تحقيق الأهداف الكبرى التي أعلنها ترامب قبل الحرب، فإن قدرتها على حشد الشركاء في مسارح أخرى ستتضرر، وسيزداد خصومها جرأة. ولكي تستخلص الولايات المتحدة دروس الحرب على نحو صحيح؛ فعليها أن تغيّر الطريقة التي تقاتل بها. وسيكون على القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية أن تبتكر بوتيرة أسرع، وأن تقترن بشركاء موثوقين في تطوير وإنتاج ترسانة مشتركة قادرة على تلبية متطلبات حروب المستقبل.

وفي الشرق الأوسط سيحتاج البنتاجون إلى تسريع التغييرات في وضعية قواته وتموضع قواعده، وتحديث الطريقة التي يعمل بها مع الحلفاء. فدول الخليج بدأت بالفعل البحث عن شركاء دفاعيين مكمّلين، وعلى واشنطن أن تضاعف جهودها للانتقال من موقع الضامن الأمني الوحيد للمنطقة إلى موقع مهندس التكامل الأمني فيها. وإذا أخفقت في ذلك، فقد ترسّخ الفكرة القائلة إن الولايات المتحدة ستكون عائقا، لا رصيدا، أمام حلفائها وهم يسعون إلى ضمان أمنهم.

استعراض قوة

كانت الولايات المتحدة قد بدأت بالفعل تعديل وضعها العسكري في الشرق الأوسط قبل سنوات من «الغضب الملحمي». فبعد حرب الخليج عام 1991 راحت القوات الأمريكية تتناوب على الانتشار عبر قواعد في دول الخليج الشرقية: البحرين، والكويت، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، كما وضعت معدات وعتادا استعدادا لحرب تقليدية أخرى. وقد دعمت شبكة القواعد هذه، لاحقا، الحربين الأمريكيتين في أفغانستان والعراق خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وفي العقد الثاني، أسهمت حملة هزيمة تنظيم «داعش»، وجهود مواجهة النفوذ الإيراني، في الإبقاء على بنية القواعد القائمة.

لكن واشنطن، كلما ازداد إدراكها لحجم الترسانة الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية المتنامية، وللتهديد الذي تمثله على القواعد الأمريكية في الخليج، بدأت التخطيط لشبكة قواعد أكثر مرونة على امتداد البحر الأحمر والبحر المتوسط. وبحلول عام 2020، كان البنتاجون يطوّر «شبكة الوصول الغربية»، وهي منظومة قواعد تهدف إلى الالتفاف على نقاط الاختناق البحرية وعلى تهديدات إيران قصيرة المدى. كما بدأ نقل بعض عناصر مركز التنسيق العلني التابع له من قاعدة العديد في قطر إلى ولاية ساوث كارولاينا.

وقبيل «الغضب الملحمي»، لم تحشد الولايات المتحدة قوات أو عتادا في البحرين أو الكويت أو قطر أو الإمارات. بل إنها توقعت، في الواقع، أن تهاجم إيران المنشآت العسكرية في تلك الدول بصواريخ قصيرة المدى، فأجلت مسبقا قوات ومنصات عسكرية. وبدلا من ذلك أدار قادة القيادة المركزية الحرب من داخل الأراضي الأمريكية، وشنوا العمليات من الجانب الغربي للشرق الأوسط، بما في ذلك من قواعد في إسرائيل والأردن والسعودية، إضافة إلى منصات بحرية قبالة السواحل. وقد أتاح ذلك للولايات المتحدة تجنب وقوع خسائر بشرية كبيرة أو تباطؤ عملياتي واسع بعد أن هاجمت إيران القواعد الأمريكية التقليدية.

وأظهرت حرب إيران أيضا أن الولايات المتحدة قادرة على تنسيق دفاع جوي متعدد الجنسيات بفاعلية في أنحاء الشرق الأوسط. وقد أمضت القيادة المركزية سنوات في العمل على تحسين دمج رادارات شركائها في الشرق الأوسط وأنظمة الإنذار من التهديدات ومنظومات الدفاع لديهم، مستفيدة من الانفتاح السياسي الذي أحدثته اتفاقات أبراهام عام 2020 بين البحرين وإسرائيل والإمارات.

وقد أثمر هذا الاستثمار؛ فخلال «الغضب الملحمي»، ومن أجل الدفاع ضد إيران، اعتمد شركاء الولايات المتحدة في المنطقة على الاستخبارات والمعدات الأمريكية والإسرائيلية لاعتراض معظم الهجمات على أراضيهم بنجاح. والواقع أن جهود إيران لدق إسفين بين الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين جاءت بنتيجة معاكسة؛ إذ عززت التعاون العسكري. فقد كانت دول الخليج مترددة سابقا في الارتباط بعمليات عسكرية أمريكية هجومية ضد دولة. أما خلال هذه الحرب فقد سمحت بعض دول الخليج للقيادة المركزية بشن ضربات من أراضيها، وتشير تقارير إلى أن السعودية والإمارات، على الأقل، انضمتا إلى الولايات المتحدة وإسرائيل في ضرب إيران.

وقد اختبرت الحرب أيضا، تحت ضغط الواقع، نمطا غير مسبوق من التنسيق العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ففي الحروب السابقة التي خاضتها واشنطن في الشرق الأوسط، حتى حين كانت تقود تحالفا، كان المخططون العسكريون الأمريكيون هم الذين يمسكون بزمام الأمور: يضعون تصاميم الحملات، ويبنون العمود الفقري اللوجستي، ويوفرون معظم القوات. أما في هذه الحرب، فقد صمم المخططون الإسرائيليون والأمريكيون الحملة العسكرية معا، وتقاسموا مجموعات الأهداف، وتشاركوا المخاطر على قدم المساواة.

وتولت إسرائيل زمام المبادرة في البداية عبر قمع الدفاعات الجوية الإيرانية وتنفيذ ضربات قطع الرأس التي قتلت نحو أربعين من كبار القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي. ولم تبدأ المقاتلات الأمريكية عبور الأجواء الإيرانية إلا بعدما حققت إسرائيل التفوق الجوي.

واستعدادا للحرب، نشرت الولايات المتحدة مقاتلات وطائرات تزويد بالوقود داخل إسرائيل. كما دعمت فرق البحث والإنقاذ الإسرائيلية جهود واشنطن لاستعادة طيارين ومعدات بعد أن أسقطت إيران طائرة أمريكية، وأسهمت الاستخبارات الإسرائيلية في توجيه العمليات الأمريكية. وقد مثّلت هذه الذروة من التعاون العسكري حصيلة سنوات من الاستثمارات الأمريكية في قوة شريكة أظهرت أنها أصبحت ندا عسكريا قادرا على تقاسم العبء في مواجهة إيران والتعامل مع تهديدات ناشئة أخرى.

نداء إلى التعبئة

إن المساعدة الحاسمة التي قدمتها المعدات الأمريكية لإسرائيل ودول الخليج خلال الأزمة، إلى جانب الاستثمارات الضخمة التي أنفقتها هذه الدول بالفعل على شراء المنظومات الأمريكية والتدرب عليها، تعني أن هذه الجيوش ستواصل، على الأرجح، شراء السلاح الأمريكي والتدريب مع القيادة المركزية. كما أظهرت «الغضب الملحمي» أن الإبقاء على حضور عسكري ثابت في القواعد التقليدية في الشرق الأوسط لم يعد ضروريا، وهو ما منح صدقية للجهود السابقة الرامية إلى تحديث الوضع العسكري الإقليمي للولايات المتحدة.

وفوق ذلك، فإن المنظومة العسكرية التي دعمت مهام مكافحة الإرهاب في سوريا والعراق، والتي استندت لسنوات إلى الكويت والأردن، يمكن أن تتطور مع تقليص نطاق تلك المهام. ومن المرجح أن يسرّع البنتاغون جهوده لتطوير «شبكة الوصول الغربية» عبر إبرام اتفاقات وصول مع إسرائيل، ووضع معدات وقواعد على امتداد البحر الأحمر وداخل إسرائيل.

لكن تحديث وضعية القوات الأمريكية في الشرق الأوسط ينطوي على تحدٍّ واضح؛ فالشركاء المحليون، القلقون أصلا على أمنهم، قد ينظرون إلى أي تغيير في الوجود العسكري الأمريكي بوصفه تراجعا في الالتزام الأمريكي. ولطمأنة هؤلاء الشركاء، ستحتاج واشنطن إلى تبني نماذج جديدة للتمركز والتدريب. يستطيع البنتاجون أن يبعث إشارة إلى استمرار استثماره في المنطقة عبر تخصيص مستوى محدد ودائم من القوات للشرق الأوسط، على غرار الترتيب القائم في مسرحي أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ. وسيبعث ذلك برسالة مطمئنة، كما سيساعد في التخطيط والتمويل الدفاعيين داخل الولايات المتحدة. ويمكن لهذه القوات أن تتناوب على الانتشار في أنحاء المنطقة لإجراء المناورات والتدريبات، وأن تتقاسم المنشآت مع الشركاء من خلال ترتيبات للاستخدام المشترك، والصيانة المجمعة، وتقاسم الكلفة.

كما سلّطت «الغضب الملحمي» ضوءا حادا على المطالب المادية الهائلة للحرب الحديثة، وعلى عدم جاهزية الولايات المتحدة للقتال لفترة ممتدة. وكانت حقيقة تغيّر اقتصاد الحرب قد ظهرت أصلا من خلال الغزو الروسي لأوكرانيا والحرب الطويلة التي تلته. فالمنظومات المتقدمة للدفاع الجوي والذخائر الحديثة الرفيعة المستوى ليست مستدامة، ماليا ولا عملياتيا، في مواجهة هجمات طويلة الأمد بطائرات مسيّرة منخفضة الكلفة. وقد مكّنت المخزونات الحالية للبنتاجون الولايات المتحدة من التفوق على إيران خلال «الغضب الملحمي»، لكنها فعلت ذلك على حساب مسارح وأولويات أخرى.

فقد أنفقت واشنطن كمية استثنائية من الذخائر في ضرب أهداف داخل إيران نفسها. وكما أشارت خبيرة الاستراتيجية الدفاعية ماكنزي إيغلن، أطلق الجيش الأمريكي أكثر من ألف صاروخ كروز من طراز توماهوك خلال بضعة أسابيع، في حين لا يستطيع إنتاج سوى 90 إلى 100 صاروخ سنويا. ووفق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، استخدمت الولايات المتحدة، لمواجهة الصواريخ الإيرانية، ما لا يقل عن 190 صاروخا اعتراضيا من منظومة ثاد و1060 صاروخا اعتراضيا من منظومة باتريوت بين 28 فبراير و8 أبريل وحدهما. وقد مثّلت هذه الأرقام نحو 53% و46% من مخزونات الولايات المتحدة قبل الحرب، على التوالي. وبمعدلات التجديد الحالية لهذه الصواريخ الاعتراضية، لن تستطيع الولايات المتحدة مواجهة التهديدات الجوية في مسارح متعددة إذا اضطرت إلى ذلك.

ولكي تبقى الولايات المتحدة في موقع متقدم على منحنى الابتكار، ستحتاج إلى تسريع إجراءات الشراء والتعاقد الدفاعي، وإلى مزيد من الابتكار المشترك مع دول أخرى. وعليها أن تخفّض الحواجز التنظيمية التي تعيق نقل التكنولوجيا من شركائها وإليهم، وأن تعالج الاختناقات الصناعية والتعاقدية والتمويلية التي تعرقل تطوير وإنتاج ذخائر فعالة من حيث الكلفة. ويمكن للولايات المتحدة أن تستفيد بدرجة أكبر بكثير من الابتكارات التي أدخلتها الجيوش الأوكرانية والإسرائيلية على الحرب الحديثة إذا تغيرت السياسات وأزيلت العقبات البيروقراطية.

كما ستحتاج واشنطن إلى تحويل آليات المبيعات العسكرية الخارجية، البطيئة والمتصلبة على نحو محبط. فصفقات السلاح والتكنولوجيا التي تستغرق سنوات كي تُنجز تخاطر بأن تصبح غير ذات صلة حين تصل. ومع تعديل الولايات المتحدة ترتيبات قواعدها الإقليمية وتسريع إصلاحات منظومة الشراء الدفاعي، ينبغي لها أن تدعو شركاءها الخليجيين إلى الانضمام إلى ترتيبات للإنتاج والتطوير المشتركين، وهي خطوة من شأنها أن تخفف تحديات التمويل والإنتاج التي تواجهها، وأن تضيف في الوقت نفسه أبعادا جديدة ثمينة إلى هذه الشراكات.

هدف متحرك

في «الغضب الملحمي»، طبقت إسرائيل والولايات المتحدة نسخة موسعة من الدليل العملياتي الذي استخدمتاه خلال الضربات المدمرة التي استهدفت، في يونيو الماضي، البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، أو ما عُرف بـ«حرب الأيام الاثني عشر». لكن إيران كانت قد غيّرت استراتيجيتها، فشوّشت العملية. فبعد حرب الأيام الاثني عشر استوعبت طهران دروسا رئيسية. أولا: خلصت إلى أن بنية صنع القرار شديدة المركزية لديها أبطأت قدرتها على الرد بفاعلية على الضربات الأمريكية والإسرائيلية، ولا سيما في ظل استهداف إسرائيل والولايات المتحدة كبار قادتها وشبكات اتصالاتها.

ثانيا، رأت أن توجيه معظم ردها نحو هجمات صاروخية على إسرائيل، إلى جانب هجوم واحد استعراضي على قاعدة العديد الأمريكية في قطر، لم يكن كافيا لردع إسرائيل أو الولايات المتحدة، أو لإضعاف عزمهما على العودة إلى العمليات العسكرية، أو لإخافة قطر وغيرها من دول الخليج ودفعها إلى فرض قيود على كيفية استخدام واشنطن لأراضيها أو مجالها الجوي. كما تعلمت طهران من الطريقة التي استخدمت بها روسيا الطائرات المسيّرة في حرب أوكرانيا، وخاصة قدرة المسيّرات على ضرب المراكز المدنية وبنية الطاقة التحتية، واستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية، واختبار تغطية الرادارات تمهيدا لضربات أكثر تدميرا.

لذلك، وبين حرب العام الماضي وحرب هذا العام، غيّرت إيران دليلها العملياتي؛ فقد فوّض القادة الإيرانيون مسبقا صلاحيات الرد إلى المستويات الأدنى، وأجازوا مسبقا مجموعات أهداف يمكن أن توسع بسرعة نطاق حملة مضادة، وهو ما تسميه طهران «الدفاع الفسيفسائي». ورغم ادعاءات القادة الأمريكيين والإسرائيليين بأن بنى القيادة والسيطرة لدى النظام كانت تتفكك، ظلت الردود العسكرية الإيرانية متماسكة. ويمكن النظر، في هذا السياق، إلى ردها السريع والمحسوب زمنيا على الضربة الإسرائيلية التي استهدفت، في 18 مارس، حقل غاز جنوب فارس البحري. ففي غضون ساعات، صعّد النظام عبر مهاجمة بنية الطاقة التحتية في الخليج، مستهدفا الجانب القطري من حقل الغاز البحري نفسه، وضاربا في الوقت ذاته منشآت نفطية سعودية وكويتية.

كما غيّرت إيران مسارها من فرض كلفة مباشرة على إسرائيل والولايات المتحدة إلى مهاجمة جميع الدول المتحالفة مع واشنطن في جوارها. واستخدمت طائراتها المسيّرة ليس فقط لضرب الأهداف مباشرة، بل أيضا لاستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية لدى خصومها، واختبار مدى تغطية راداراتهم. وغالبا ما أحدثت هذه الهجمات أضرارا مادية محدودة، لكنها فرضت أعباء عملياتية، ودفعت الولايات المتحدة وشركائها إلى وضعية دفاعية كثيفة الاستهلاك للموارد. ووسّعت طهران نطاق ضرباتها ليشمل بنى مدنية مثل الفنادق والمطارات ومحطات تحلية المياه والموانئ ومحطات النفط.

وهكذا أصبحت الحرب النفسية والاقتصادية عنصرا متزايد الأهمية في ردها. فقد عاش المدنيون في أنحاء الشرق الأوسط تحت وطأة إنذارات متواصلة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتعطّل مسار تجاري حيوي للشحن، وتكاثرت التهديدات لتدفقات الطاقة الإقليمية، بما جذب التركيز العسكري والاهتمام السياسي بعيدا عن الزخم العملياتي لـ«الغضب الملحمي».

وقد وجدت إيران ميزتها الكبرى في المجال البحري. فكما فعلت في تكتيكات الطائرات المسيّرة، أظهرت طهران قدرة على الابتكار الخلاق في الحرب البحرية. ففي عام 2019، وردا على عقوبات «الضغط الأقصى» التي فرضتها إدارة ترامب الأولى، هاجمت ناقلات نفط في الخليج. وفي عام 2023، أغلقت جماعة الحوثي في اليمن، المدعومة من إيران، حركة العبور في البحر الأحمر احتجاجا على العمليات الإسرائيلية في غزة.

أما إغلاق طهران لمضيق هرمز عام 2026 فكان العرض الختامي لقدرة ظل النظام يطورها قبل سنوات. هذه المرة، وإدراكا منها أنها لا تستطيع منازلة التفوق البحري الأمريكي مباشرة، استخدمت إيران بدلا من ذلك زوارق صغيرة وطائرات مسيّرة وألغاما ووحدات إطلاق من البر لخلق حالة دائمة من الغموض الملاحي في المضيق. وقد ولّدت هذه التكتيكات مستوى من المخاطر كان كافيا لتعطيل العبور في ممر مائي تمر عبره 20% من حركة الشحن العالمية، ورفع كلفة التأمين على الناقلين، ووضع الأسواق العالمية تحت ضغط استثنائي.

التكيّف أو الهلاك

أظهر الجيش الأمريكي أنه قادر، بالاشتراك مع إسرائيل، على إضعاف قدرات خصم بصورة كبيرة خلال وقت قصير. لكن الحرب الأخيرة أوضحت أن إيران قادرة على إسقاط القوة بطرق جديدة، والأهم أن قدرتها على التكيّف في خضم صراع جارٍ كانت أكبر بكثير مما خططت له الولايات المتحدة. لذلك، وبدلا من تقليص التهديد الإيراني الأوسع، ولّدت الحرب مخاطر جديدة لدول الخليج وللاقتصاد العالمي.

تكمن المشكلة الكبرى التي تواجهها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الآن في عجزها عن تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب استراتيجية. فاستعداد طهران الجديد لتهديد جيرانها الخليجيين مباشرة، واندفاعها إلى استخدام الإكراه الاقتصادي العالمي، يعنيان أن على الولايات المتحدة أن تُبقي وجودا عسكريا في الشرق الأوسط، وأن تواصل دعم جهود شركائها القدامى للدفاع عن أنفسهم.

غير أن الأمريكيين غير مقتنعين بتعميق هذه الشراكات العسكرية. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار أن الأمريكيين يريدون خوض عدد أقل من الحروب الخارجية، والانكفاء عن الشرق الأوسط على وجه الخصوص. وأظهر استطلاع أجرته رويترز/إبسوس في مارس أن معظم الأمريكيين أرادوا خروجا سريعا من إيران، حتى لو لم يتحقق نصر استراتيجي. ومن المرجح أن يتردد القادة السياسيون الأمريكيون في تعزيز الالتزامات الأمنية في الشرق الأوسط في اللحظة نفسها التي ستسعى فيها المنطقة إلى الحصول عليها.

وقد أوضح «مشروع الحرية»، وهو الجهد الأمريكي القصير الأمد لإعادة فتح مضيق هرمز، أن الشراكات العسكرية الأمريكية عرضة ليس فقط للضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة، بل أيضا للضغوط السياسية من دول الخليج. فبعد أن نجح الجيش الأمريكي، في الرابع من مايو، في إرشاد سفينتين تجاريتين إلى خارج المضيق لتحدي الحصار الذي فرضته طهران، ضربت إيران محطة نفطية إماراتية لتبعث برسالة عن استعدادها لمهاجمة مصالح الطاقة الخليجية. كما هاجمت سفينة تجارية كورية جنوبية لتهديد حركة الشحن التجاري غير العربي.

واستهدفت، من دون نجاح، مدمرتين تابعتين للبحرية الأمريكية لاختبار مدى استعداد ترامب للعودة إلى الحرب. ومع ذلك، أصرت إدارة ترامب على أن وقف إطلاق النار ما زال قائما، ولم ترد على الهجمات الإيرانية إلا في حدود الدفاع عن سفنها الحربية.

وخلافا لما حدث خلال حرب الأيام الاثني عشر، حين لم يؤد هجوم إيراني على الأراضي القطرية إلى تعطيل العلاقة الوثيقة بين قطر والجيش الأمريكي، أغلقت الكويت والسعودية، خلال أربع وعشرين ساعة، مجاليهما الجويين أمام الطائرات العسكرية الأمريكية، وفرضتا قيودا أخرى على كيفية استخدام البنتاغون لقواعدهما. فقد خشيت هاتان الدولتان الخليجيتان أن يؤدي عدم رد ترامب على الهجوم الذي استهدف محطة النفط الإماراتية، على وجه الخصوص، إلى تشجيع طهران أكثر. ومن دون تعاون عسكري من دول قريبة جغرافيا، لم يكن بوسع «مشروع الحرية» أن يستمر. وللمرة الأولى خلال الحرب، نجحت إيران في فتح شرخ مؤقت بين الولايات المتحدة وشركاء خليجيين رئيسيين.

وسرعان ما أعادت الكويت والسعودية إتاحة الوصول العسكري الأمريكي. غير أن مثل هذه الوقائع من انعدام الثقة والانقطاع مرشحة للتكرار. وحتى قبل الحرب، كان قادة الشرق الأوسط يبحثون عن تنويع أكبر في مشترياتهم العسكرية وشراكاتهم الدفاعية. وقد تسارع هذا البحث الآن. ففي ذروة الرد الإيراني، طلبت الإمارات من إسرائيل نشر قوات ومنظومات دفاع جوي إضافية على أراضيها. وأرسلت أوكرانيا فرقا من خبراء مكافحة الطائرات المسيّرة إلى أنحاء الشرق الأوسط، ووقعت في أواخر مارس اتفاقات أمنية طويلة الأمد مع قطر والسعودية والإمارات في مجالات التدريب على مكافحة المسيّرات، ونقل التكنولوجيا، والإنتاج الدفاعي المشترك.

أما دول حلف شمال الأطلسي التي كانت لديها علاقات دفاعية في الشرق الأوسط قبل الحرب، فقد أوفت بالتزاماتها وأضافت دعما دفاعيا إلى الدعم الأمريكي خلال الحرب. وقدمت المملكة المتحدة دعما دفاعيا للبحرين والسعودية والإمارات ودول أخرى في المنطقة، ونفذت طلعات ضمن الجهد الذي نسقته القيادة المركزية. كما نشرت فرنسا مقاتلات لاعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية التي استهدفت الإمارات، وأرسلت مجموعة حاملة الطائرات الوحيدة لديها إلى البحر الأحمر استعدادا للمساعدة في إعادة إرساء حرية الملاحة في المنطقة. وفي أواخر أبريل، عقدت فرنسا والمملكة المتحدة قمة للأمن البحري، حضرتها أكثر من ثلاثين دولة، للشروع في تخطيط عسكري لمهمة بحرية متعددة الجنسيات لدعم العبور غير المقيّد في مضيق هرمز.

وسيتواصل هذا الاتجاه نحو التنويع. فهناك دول أخرى مستعدة لملء الفراغات التي تتركها الولايات المتحدة مفتوحة. فقد عدّلت كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، سياستها الخاصة بصادرات الدفاع مؤخرا لتسريع مبيعات المعدات، ولا سيما إلى الشرق الأوسط. وتحتاج واشنطن إلى تقبّل رغبة شركائها في تنويع أوسع لشراكاتهم الدفاعية، عبر الاضطلاع بدور تنسيقي، مستلهمة في ذلك تاريخها الخاص.

فقد سعت إدارات أمريكية سابقة إلى جعل التعاون الأمني في المنطقة متعدد الأطراف من خلال هياكل رسمية، مثل قمة كامب ديفيد عام 2015، التي عززت التعاون الأمني الأمريكي ـ الخليجي بعد التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران؛ ومبادرة «التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط» التي اقترحتها إدارة ترامب الأولى، وكانت تهدف إلى إنشاء بنية جديدة تتعاون من خلالها دول الخليج مع الولايات المتحدة؛ وقمة جدة للأمن والتنمية عام 2022 في عهد إدارة بايدن، التي سرعت التعاون الإقليمي في مجالي الدفاع الجوي والدفاع عموما في الشرق الأوسط.

انطلقت هذه الجهود كلها من الفرضية نفسها: أن الالتزامات الأمنية متعددة الجنسيات يمكن أن توفر دعما أفضل لدفاع جماعي في مواجهة إيران. وفي أعقاب «الغضب الملحمي»، ينبغي لواشنطن أن تعمل مع حلفائها الآسيويين وحلفائها في حلف شمال الأطلسي، ولا سيما المبتكرين عسكريا مثل أوكرانيا، لإضفاء طابع رسمي على التعاون الأمني متعدد الأطراف.

وينبغي أن يكون الهدف هو بناء تصور أمني جديد يدمج عمليات منظومات عسكرية مختلفة من صناعات دفاعية وطنية متعددة، ويحمي المعلومات السرية للدول المشاركة، ويطلق تخطيطا على مستوى المسرح كله لعمليات ومشتريات معدات الدفاع الجوي المستقبلية. وتحتاج الولايات المتحدة إلى جمع الأطراف المهتمة بالدفاع ضد تهديدات إيران قبل أن تميل الانخراطات الصينية والروسية بميزان النفوذ ضد المصلحة الأمريكية.

ومع مرور الوقت، يمكن لمثل هذه الترتيبات أن تساعد الولايات المتحدة على أن تصبح منسق الأمن في الشرق الأوسط ضمن نظام أكثر توازنا لتقاسم الأعباء. كما تريد دول الخليج مساحة أوسع من الفاعلية في ترتيباتها الأمنية. ففي عام 2000، وقعت دول مجلس التعاون الخليجي اتفاقية دفاع مشترك نصت على أن أي هجوم على دولة منها يعد هجوما على الجميع. ورغم أنها لم تفعل هذا البند خلال حرب إيران، فإن قادة المنطقة يبدون اهتماما متجددا بإنشاء «ناتو» إسلامي أو شرق أوسطي، وبالاصطفاف مع دول قريبة أخرى مثل مصر وباكستان. ومن خلال رعايتها لاتفاقات أبراهام عام 2020، أظهرت واشنطن أنها قادرة على المساعدة في تيسير أطر استراتيجية جديدة في المنطقة.

وتمثل «اتفاقية التكامل الأمني الشامل والازدهار» التي أبرمت عام 2023 بين البحرين والولايات المتحدة نموذجا آخر ذا قيمة. فهي توسّع تعريف الأمن إلى ما يتجاوز الدفاع، ليشمل التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وتتضمن بندا شبيها ببنود حلف شمال الأطلسي يلزم الأطراف بالعمل معا لمواجهة «أي عدوان خارجي على السلامة الإقليمية» لأي دولة موقعة. وقد تُرك باب الاتفاقية مفتوحا أمام انضمام دول أخرى. وانضمت المملكة المتحدة إليها عام 2025، ولا ينبغي للدول الثلاث الموقعة أن تدع هذه اللحظة تمر من دون تشجيع أطراف أخرى مهتمة، من داخل المنطقة وخارجها، على الانضمام.

خلال «الغضب الملحمي»، أثبت الجيش الأمريكي قيمته العملياتية لشركائه في الشرق الأوسط، وأكد قدراته التقليدية الفريدة. ومن المفترض أن تمنح تجربة الحرب المشتركة الولايات المتحدة أساسا جيدا لإعادة بناء شراكاتها وتوسيعها. لكن التباين بين العلاقات القوية التي لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بها مع جيوش المنطقة، وعلاقاتها السياسية المتوترة على نحو متزايد، آخذ في الاتساع.

وعلى إدارة ترامب أن تستثمر إنجازات القيادة المركزية للتوصل إلى اتفاق يحد من التهديد الإيراني. كما عليها أن تجري تغييرات منهجية في الطريقة التي تعمل بها واشنطن مع شركائها الإقليميين. وإذا قصّرت في أي من الجبهتين، فستغدو «الغضب الملحمي» التناقض المحدد للقوة الأمريكية: استعراضا لقوة عسكرية لا تضاهى، لكنه دشّن في الوقت نفسه شرق أوسط ما بعد أمريكا.

دانا سترول مديرة الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وشغلت منصب نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط من فبراير2021 إلى ديسمبر 2023.