الصيف الأكثر عطشًا في تاريخها.. غزة تبحث عن شربة ماء
غزة - بهاء طباسي
في منطقة المواصي غربي خان يونس، لا تبدأ قصة اليوم بالنسبة للطفل أحمد صقر (10 سنوات) مع بزوغ الشمس، بل بوزن «البرّادة» البنية الفارغة التي يحملها بين يديه. يقول أحمد بكلمات مقتضبة تخفي خلفها إنهاكًا يتجاوز عمره: «أمي تبحث عن ماء، وأنا عطشان منذ يومين». لا يحتاج الطفل لأكثر من نظرة خاطفة ليفهم الناظر حجم المأساة؛ فعيناه الغائرتان وجسده النحيل يرويان حكاية جفاف ينهش أجساد مليوني فلسطيني.
بالقرب منه، تجلس فاطمة (35 عامًا) تضم رضيعها الذي أنهكه القيظ. لا تخفي الأم غضبها الممزوج بالعجز: «نحصل على الماء مرة واحدة في الأسبوع، ونضطر لاستجداء القليل من الجيران. الوضع لا يُطاق، وأضطر لشرب مياه ملوثة؛ لأنها الخيار الوحيد للبقاء على قيد الحياة». في الخلفية، يتدافع النازحون حول نقطة توزيع مياه شحيحة، بينما تملأ روائح الصرف الصحي المكان، في ظل غياب أي معالجة للبنية التحتية.
شريان الحياة المقطوع
ومع حلول صيف 2026، حيث تتجاوز درجات الحرارة حاجز 35 درجة مئوية، لا تملك الأسر النازحة ترف الحسابات الدقيقة؛ إذ يحصل الفرد الواحد على ما يتراوح بين 3 و15 لترًا يوميًا، في حين كان المعدل الطبيعي قبل الحرب يتجاوز 84 لترًا. وتشير بيانات اليونيسف إلى أن نصف عائلات القطاع تعتمد حاليًا على ستة لترات فقط يوميًا لتلبية كافة احتياجاتها من الشرب والطهي.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي انعكاس لانهيار منظومة كاملة. وتؤكد بيانات بلدية غزة الصادرة أن 85% من سكان القطاع محرومون من المياه النظيفة، وسط عجز في إمدادات المياه يلامس 90%. فبدلًا من حاجة القطاع المقدرة بـ100 ألف متر مكعب يوميًا، لا يتوفر فعليًا سوى 12 ألف متر مكعب.
وجوه الأزمة: «عطشٌ يُضاف إلى الحصار»
في مشهد يتكرر تحت شمس الصيف اللاهبة، يصطف آلاف النازحين في طوابير لا تنتهي، يحدوهم أمل الحصول على بضع لترات من الماء؛ لمواجهة قيظ الصيف، الذي وصفه مسؤولون بأنه سيكون الأكثر عطشًا في تاريخ القطاع، ما لم يمارس المجتمع الدولي ضغطًا قويًا على الاحتلال يجبره على إدخال الوقود ومعدات الصيانة وقطع الغيار بالشكل الكافي.
يقول الحاج محمود البنا (60 عامًا)، وهو صاحب ورشة كان يعيش في حي الرمال قبل تدمير منزله: «كنا نعتمد على آبار ارتوازية، واليوم هذه الآبار إما دُمِّرت بفعل القصف أو تلوثت بمياه الصرف الصحي بسبب اختلاط شبكات المياه بالمياه العادمة في الشوارع المهدمة». ويضيف بمرارة خلال حديثه لـ«عُمان»: «ننتظر شاحنات المياه التي تأتي كل بضعة أيام، ونشتري اللتر الواحد بسعر لا نقدر عليه، والمال ينفد، فماذا بعد؟».
وفي مخيم جباليا، يروي فتحي عليان (25 عامًا)، الذي يعمل متطوعًا في توزيع مياه سيارات البلدية: «الناس لا تتشاجر على الطعام بقدر ما تتشاجر على الماء. رأيت شيوخًا يبكون؛ لأنهم لم يجدوا قطرة ماء ليتوضؤوا أو ليشربوا». ويوضح لـ«عُمان»: «البلدية تضطر لضخ المياه في أوقات محددة جدًا لتقنين الكميات، ومع ذلك، تتوقف المولدات لنقص الوقود، ونبقى أيامًا بلا ضخ».
سياسات «التجفيف» الممنهج
يصف علاء الدين البطة، رئيس بلدية خان يونس ونائب رئيس اتحاد بلديات قطاع غزة، المشهد بأنه «كارثة مائية تصفوية»؛ أي تدميرٌ منهجيٌّ ومقصودٌ لمصادر المياه لا يقتصر على الضرر العرضي، بل يهدف إلى محو مقومات الحياة في القطاع. ويقول في حديثه لـ«عُمان»: «نحن أمام واقع تدميري طال 95% من مصادر المياه».
ويضيف البطة أن 90% من محطات التحلية توقفت عن العمل نتيجة القصف المباشر، بالإضافة إلى تعمد الاحتلال منع دخول المعدات وقطع الغيار اللازمة لإصلاح الخطوط الرئيسية.
هذا العجز تؤكده شهادة حسني مهنا، المتحدث باسم بلدية غزة، الذي يرى أن المنظومة المائية تقف على أعتاب انهيار كامل. ويوضح مهنا: «بلدية غزة تضخ نحو 24 ألف كوب فقط يوميًا، وهو رقم ضئيل جدًا مقارنة بالاحتياج الفعلي الذي يتجاوز 100 ألف كوب».
ويرجع الدكتور يحيى السراج، رئيس بلدية غزة، تفاقم الأزمة إلى سياسة «التعطيش القسري» التي تنتهجها سلطات الاحتلال، عبر حظر إدخال الوقود الضروري لتشغيل المولدات والمضخات، ومنع دخول الآليات الثقيلة ومعدات الصيانة وقطع الغيار.
ويوضح: «أدى هذا المنع، مع القصف، إلى خروج خط المياه الإسرائيلي (ميكروت) عن الخدمة، وحرمان 85% من سكان مدينة غزة من الإمدادات، مما دفع السكان للاعتماد على مصادر غير آمنة وملوثة».
تداعيات صحية وإنسانية
تُظهر التقارير الميدانية والبيانات الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية أن تلوث المياه بلغ مستويات خطيرة؛ إذ تشير الفحوصات إلى أن 25% من عينات المياه ملوثة وغير صالحة للاستهلاك الآدمي، مما أدى إلى تفشي أمراض معوية وجلدية في أوساط النازحين.
وفي محاولة للتخفيف من وطأة هذه الأزمة، تواصل اللجنة المصرية في غزة جهودها لتوزيع المياه في مخيمات النازحين، إلا أن هذه الجهود تظل «إسعافًا أوليًا» أمام كارثة تفوق القدرات المحلية، في ظل تدمير 75% من منشآت المياه في القطاع.
أفق مسدود
ما يحدث في غزة بالتزامن مع صيف 2026 هو «أزمة مياه غير مسبوقة تهدد الحياة» بالمعنى الحرفي للكلمة. ومع استمرار تدمير الآبار، ونفاد الوقود، وإغلاق المعابر، يجد الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع صيف «قاسٍ». وهي ليست أزمة عارضة، بل استراتيجية ممنهجة تحول فيها الماء من حق أساسي إلى أداة ضغط وحرب، تاركة مليوني إنسان في سباق يومي مع العطش.
ويبقى التساؤل الملحّ، الذي طرحته عينات مختلفة من النازحين الذين التقتهم جريدة الأيام: «إلى أي مدى يمكن أن يصمد جسد الإنسان أمام هذا الجفاف المصنوع بقرار سياسي وعسكري، بينما تتلاشى الوعود بإعادة تأهيل البنية التحتية خلف جدران الحصار؟».
