No Image
العرب والعالم

ترامب يطوي صفحة الحرب في الشرق الأوسط مع بقاء مخاطر تلوح في الأفق

15 يونيو 2026
15 يونيو 2026

واشنطن "رويترز": بعد التوصل إلى إطار عمل لاتفاق سلام مع إيران، ربما يكون الرئيس ​الأمريكي دونالد ترامب قد وجد مخرجا من حرب لا تحظى بأي تأييد في الولايات ​المتحدة وكذلك مهد الطريق أمام الأسواق العالمية لتشهد تراجعا في أسعار الطاقة التي قفزت خلال الأزمة.

لكن ترامب اكتفى على ما يبدو باتفاق لا يحقق كثيرا من الأهداف التي أعلنها في الأيام الأولى من الصراع، وهو ما قد يعرضه لانتقادات من أعضاء الحزب الجمهوري المؤيدين لسياسة أكثر تشددا مع إيران ويجعل الولايات المتحدة في وضع استراتيجي أسوأ مما كانت عليه قبل الحرب.

وبعد هجمات على مدى أكثر من ثلاثة أشهر على إيران، أعطى ترامب الأحد موافقته على "مذكرة تفاهم" تمثل أهم انفراجة حتى الآن في محادثات السلام، وتشمل التزاما من طهران بإعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما قد يساعد في خفض أسعار البنزين المرتفعة في الولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن الاتفاق -الذي توسطت فيه باكستان ولم يُنشر نصه بعد- يتضمن أيضا تنازلات أمريكية كبيرة من بينها تأجيل المناقشات المتعلقة بإنهاء البرنامج النووي الإيراني التي كانت الهدف الرئيسي الذي أعلنه ترامب لشن الحرب.

وكثف ترامب مساعيه لوضع خطة للخروج في ظل ضغوط متزايدة لإنهاء حرب أودت ⁠بحياة الآلاف وسببت أضرارا للاقتصاد الأمريكي وأدت إلى تراجع معدلات شعبية الرئيس قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر. جاء ذلك في الوقت الذي يخوض فيه الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب ⁠معركة صعبة للحفاظ على هيمنته على الكونجرس.

لكن في الفترة التي سبقت إعلان التوصل لاتفاق الأحد، كانت مساعي ترامب تواجه أيضا معارضة ممن يؤيدون اتباع سياسة أكثر تشددا مع إيران في واشنطن، حيث حذروا من تقديم تنازلات كبيرة لطهران.

وقال ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في عيد ميلاده الثمانين "الاتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية اكتمل الآن. تهانينا للجميع!". وبعد ذلك بوقت قصير، أكدت إيران التوصل للاتفاق المقرر توقيعه يوم الجمعة لكنه سيترك كثيرا من الأسئلة بالغة الأهمية بلا إجابات.

وقدّم الجانبان في بعض الأحيان تفسيرات متضاربة للاتفاق، الذي يهدف إلى تمديد وقف إطلاق النار الحالي 60 يوما من أجل ‌إتاحة المجال لمحادثات تفصيلية بشأن إنهاء دائم لحرب تسببت في صدمة غير مسبوقة لإمدادات الطاقة العالمية.

ويقول محللون إن ترامب يواجه أيضا ​احتمالا أن تبدو الولايات المتحدة في موقف ضعف، بينما قد تخرج ⁠إيران بنفوذ أكبر رغم ما لحق بها من إنهاك عسكري واقتصادي. ولا شك في أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية أضعفت القدرات العسكرية الإيرانية بشدة، لكن طهران أظهرت قدرتها على الصمود أمام الهجوم مع تعطيل ​خُمس إمدادات النفط والغاز في العالم. ولم يرد البيت الأبيض على أسئلة من ‌رويترز بشأن هذه القصة.

بعض أهداف ترامب لم تتحقق

وصف ترامب النتيجة التي تحققت بأنها انتصار ساحق للولايات المتحدة، على الرغم من أن إيران أطلقت تصريحات مماثلة. وكان ترامب قد وعد في حملته الانتخابية للحصول على ولاية ثانية بتجنب التدخلات الخارجية والتركيز على القضايا الاقتصادية التي تؤرق الأمريكيين. ومع ذلك يتفق معظم المحللين على أن ترامب -الذي طالب ذات مرة "باستسلام غير مشروط" من إيران- لم ينجح ​في تحقيق كثير من أهدافه من الحرب، التي كثيرا ما كانت تتغير.

وإلى جانب بقاء السلطة إلى حد كبير في أيدي حكومة من رجال الدين، والتي دعا ترامب الإيرانيين إلى الإطاحة بها في بداية الصراع، فإن القادة الذين حلّوا محل آخرين قُتلوا في الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة جاءوا من غلاة المحافظين بشكل أكبر على ما يبدو.

كما لم تتحقق مطالب ترامب السابقة بتفكيك برنامج الصواريخ الباليستية لإيران ووقف دعمها لجماعات متحالفة معها في المنطقة. ومع ذلك، قال مسؤول أمريكي لصحفيين إن الاتفاق الأولي يحقق أهداف ترامب الأساسية.

وفضلا على ذلك، فإن مذكرة التفاهم لا تحسم بشكل كامل مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بدرجة قريبة من المستوى المستخدم في صنع قنبلة نووية.

وقال ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم السبت إن الولايات المتحدة ستدخل وتحصل على المواد المخصبة وأيضا "تخفض درجة تخصيبها وتدمرها"، لكنه لم يقدم جدولا زمنيا. واكتفى مسؤول ‌إيراني بالقول إن إيران وافقت على "تخفيف" مخزونها من تلقاء نفسها دون تحديد آلية لذلك حتى الآن.

وقالت فيكتوريا تيلور، النائبة السابقة لمساعد وزير الخارجية الأمريكي والتي تعمل حاليا في مركز أبحاث المجلس الأطلسي "من المرجح أن يكون هذا الاتفاق أفضل نتيجة ​ممكنة لتجنب مزيد من الصراع، لكنه ليس أفضل مما كان يمكن تحقيقه لو أن الولايات المتحدة اتبعت مسار الدبلوماسية بدلا من الحرب منذ البداية".

ولم يتضح بعد ما إذا كان الاتفاق النهائي سيكون أفضل من ذلك الذي توصل إليه الرئيس الأمريكي ​السابق باراك أوباما مع إيران ‌عام 2015 لكبح ⁠برنامجها النووي، والذي انسحب منه ترامب عام 2018 خلال ولايته الأولى.

ويؤكد مسؤولون أمريكيون أن أي إفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة المقدرة بمليارات الدولارات أو تخفيف للعقوبات سيكون تدريجيا ومرتبطا بمدى التزام طهران بالشروط المطلوبة.

وفي المقابل، أشارت إيران إلى أنها تتوقع الحصول على بعض الأموال وتخفيف العقوبات مقدما. وبفتح المجال أمام مثل هذه الإجراءات، قد يواجه ترامب النوع نفسه من الاتهامات التي دأب على توجيهها إلى أوباما بأنه وفر لإيران شريان حياة ماليا يساعدها في تمويل طموحاتها النووية وتهديدات أمنية أخرى.

خطر التهديد سيستمر

روج ​ترامب ومساعدون له لما وصفوه بإنجاز كبير يتمثل، على حد قولهم، في تعهد إيران بعدم السعي مطلقا لامتلاك سلاح نووي. لكن طهران تقول منذ سنوات إنها ستلتزم دائما ⁠بفتوى دينية أصدرها الزعيم الأعلى السابق علي خامنئي، الذي قتل في غارة جوية في بداية الحرب، تحرم تطوير قنبلة نووية.

وبينما تنص مذكرة التفاهم على أن ترفع إيران سريعا القيود المفروضة على الشحن في مضيق هرمز، وأن ترفع الولايات المتحدة حصارها البحري على الموانئ الإيرانية، شددت طهران على ضرورة أن يكون لها دور لم يكن متاحا لها قبل الحرب في إدارة هذا الممر المائي الحيوي.

ومن شأن إعادة فتح المضيق بحد ذاتها أن تعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل اندلاع الصراع. وقال جون ألترمان، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن "أظهرت إيران أنه حتى في حالة الضعف الشديد، يمكنها إغلاق مضيق هرمز متى شاءت. وهذا واقع لن يتغير".

وقتل آلاف الأشخاص في الحرب التي بدأها ترامب، معظمهم في إيران ولبنان حيث تجدد القتال بين إسرائيل وجماعة حزب الله. وأودى الصراع بحياة 13 ​عسكريا أمريكيا.

ووصلت تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية إلى عشرات المليارات من الدولارات، كما استنزفت مخزونات الذخيرة. وشهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين توترات متزايدة، إذ لم يجر التشاور معهم قبل أن يمضي ترامب قدما في ​قرار شن الحرب.

ويواجه ترامب تحديا أيضا يتعلق برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أقام معه تحالفا وثيقا خلال الحرب لكنه أعلن أن إسرائيل لن تكون طرفا في مذكرة التفاهم. واختلف ترامب ونتنياهو الأحد بشأن استمرار الحملة العسكرية الإسرائيلية في لبنان.