عصر ما بعد الكتابة!
13 يونيو 2026
13 يونيو 2026
أخطرُ عبارة التقطتُها هذا الأسبوع كانت من ثلاث كلمات إنجليزية: «the post-writing era» أو عصر ما بعد الكتابة! أحقا نحن على أعتاب عصر كهذا، عصر نشتاق فيه حتى إلى أخطائنا الإملائية حين نتذكر أننا كنا نكتب في يوم من الأيام فنلمس حوافَّ الكلمات بأطرافنا، يوم كانت الكتابة فعلا جسديا نجري ونتعسَّر خلاله ونتعلم اللغة بقلم الرصاص والممحاة؟
كيف وصلنا إلى هنا، بهذه السرعة المباغتة، قبل أن أنجز -أنا شخصيا- طباعة أول كتاب شعري؟
لا شك أن أفول الكتابة يعني أفول القراءة؛ مترادفان سببا ونتيجة. فلتتخيَّل معارض الكتب القادمة، إن ظلت هناك معارض كتب قادمة، وأنت تتأمل أرطالا من الورق منضَّدا على موائد الباعة فيخامرك ذلك التفكير المروِّع بأن غالبها الأعظم منزوع الروح، ليس إلا من توليد الذكاء الاصطناعي، تماما كما بتَّ تقرأ لمسات الذكاء الاصطناعي الفجة في المنشورات الطويلة على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقالات أصدقاء كنت تحسبهم يوما رفاق سلاح في خندق الكتابة.
مع ذلك، أود أن أكبح اندفاعي «الغريزي» نحو نقد التكنولوجيا بهجائها المطلق المشدود غالبا بنزعة حنين إلى أصالة الأشياء وأولها. فلا أنا أستعجل الكارثة في النظر إلى مستقبل الكتابة، ولا أنا أبشر بالقيامة. وما أنا بجاحد؛ فلشبكة الإنترنت أفضال عليَّ لم أعد أحصيها من مقعدي تلميذا في درس الكتابة، وأولها وأهمها -كما أقول دائما- فضل هذه التكنولوجيا في التخفيف من اغترابي وعزلتي في هذا العالم، قارئا وكاتبا في آن معا... فضلها في تحريري -ولو افتراضيا- من سجن الجغرافيا النائية والضيقة، وإن كنتُ أعلم أن لهذا الامتياز على الأولين ضريبته المدفوعة في نواحي أخرى من حياتي ومن تكويني الفكري والنفسي والاجتماعي.
بعض الكتَّاب الواقفين على حرف ظلَّ ينتظر بيانا من أحد الأسماء المختومة بعلامة الجودة في عالم الكتابة، كي يشرعن اعتماده على الذكاء الاصطناعي في توليد النصوص، بل يمنحه صفة تقدمية مواكبة لعصر الكتابة الجديد، أو عصر ما بعدها كما تقول المقولة المدوية. وهذا تماما ما جرأت عليه الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، المختومة بالختم النوبلي عام 2018، حين صرَّحت صراحة الشهر الماضي، وسط مؤتمر دعي إليه آلاف من «المؤثرين» المشغولين بقضايا الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والاقتصاد الأخضر، أنها اعتمدت على الذكاء الاصطناعي في شغلها على عملها الروائي الأخير، فهي تتودد إليه كلما تعسَّرت فكرتها بسؤاله: «كيف لي أن أطور هذه الفكرة بصورة أجمل يا عزيزي»؟!
حين قرأتُ خبر أولغا توكارتشوك وما نالها من تعليقات متضادة وساخطة طالب بعضها بسحب جائزة نوبل عنها، تذكرتُ على الفور مواطنتها النوبلية الحقَّة فيسوافا شيمبورسكا. رحِم الله الشاعرة الجليلة شيمبورسكا التي أجزم أنها ما كانت لتتسول الكتابة من الآلة حينما تعجز روحها عنها، فقد تعلَّمت الشعر بفضيلة الصمت وهكذا علَّمته لقرائها، حتى أولئك الذين قرأوها مترجمة في لغات شتى، فليس للصمت إلا لغة واحدة تنتمي للكون الشاسع حين نستشعر تواضع الموهبة في حضرته:
«أحاول تعلم الصمت
بجميعِ اللغات،
بعد اختبار مكثف ودقيق
للسماءِ المرصعة بالنجوم».
أن يكون العصر الآتي «عصر ما بعد الكتابة» فإنها لمقولة كفيلة بإفساد ملذات العيش وتعكير صفو الحياة. كيف لا ونُعاةُ الكتابة يدفنوننا أحياء، نحن الذين لطالما رأينا في الكتابة مصنع هويتنا، وفي الكتابة رأينا صورتنا في المرآة؟! فهل سنصبحُ ذواتا ممسوخة بعد الكتابة؟!
مهما كان من أمر، فسأبقى مؤمنا بالمقاومة من داخل الكتابة، بموهبة الشرود من سلطة الأنماط والقوالب وتدجين الذكاء الاصطناعي للغة. أما الإبداع مفهوما، فإن كان يعني الثورة على الأوائل في ما مضى، فهو اليوم يعني الثورة على الذكاء الاصطناعي وتحديه.
سأشد عزمي وأدافع عن هويتي منتصرا بصيحة محمود درويش: «فلتنتصر لغتي على الدهر العدو»!
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني
