مناورة الفصائل تحاصر «خطة ترامب» في خانة السيادة
غزة - بهاء طباسي
بينما تشق عجلات الدبلوماسية طريقًا وعرًا في ردهات القاهرة، يرتفع غبار المعارك مجددًا في أزقة قطاع غزة المنهك. في مشهد معقد يلخص صراع الإرادات، تحولت أروقة المحادثات المستمرة منذ أيام بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء من مصر وقطر وتركيا، إلى ميدان لمناورة سياسية عالية المستوى، نقلت الكرة بالكامل إلى الملعبين الأمريكي والإسرائيلي، بعدما وافقت الفصائل على مبدأ «حصر السلاح» بيد سلطة فلسطينية توافقية، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي كامل.
التطور الدبلوماسي الذي تزامن مع وصول المبعوث الدولي نيكولاي ملادينوف إلى المنطقة، قوبل فورًا بـ «فيتو» عسكري إسرائيلي «غير مُعلن سياسيًا»، تمثل في مصادقة رئيس الأركان إيال زامير على خطط عملياتية لتوسيع القتال، مما يفتح الباب أمام قراءة أبعاد هذه العقدة المعقدة وجذور الصدام بين الأجندات الإقليمية والدولية.
مناورة حصر السلاح
في قراءته للأبعاد السياسية المقترحة من الفصائل، يرى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، إياد جودة، أن الخطوة الفلسطينية الموحدة في القاهرة تمثل انتقالة ذكية من مربع الرفض التقليدي إلى مربع الهجوم الدبلوماسي.
ويوضح جودة في تصريح لـ«عُمان»: «إن صياغة رد وطني موحد ومسؤول يوافق على حصر السلاح بيد سلطة فلسطينية متفق عليها، يسحب البساط تمامًا من تحت الذرائع الإسرائيلية والأمريكية التي طالما روجت لـ «فوضى السلاح» كمبرر لاستمرار الاحتلال. الفصائل هنا لا تتحدث عن نزع سلاح المقاومة قسرًا أو تسليمه لطرف خارجي، بل تقدم رؤية سيادية تربط الترتيبات الأمنية بالانسحاب الإسرائيلي الكامل والشامل وبضمانات دولية مكتوبة تضمن عدم العودة للحرب».
ويضيف جودة: «هذه الصياغة المكتوبة وضعت خطة ترامب ومبعوث السلام ملادينوف أمام اختبار حقيقي؛ فالإدارة الأمريكية تبحث عن صيغة أمنية تضمن هدوء القطاع، والفصائل قدمت هذا الهدوء مشروطًا بالسيادة الوطنية، مما يحرج واشنطن دوليًا ويجعل رفض المقترح مبررًا غير منطقي أمام الوسطاء في الدوحة والقاهرة».
صدام المرجعيات والأمن
المعضلة الأساسية لا تكمن في مبدأ السلاح ذاته، بل في هوية الجهة التي ستؤول إليها السيطرة الميدانية. وهنا يشير الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشؤون الإسرائيلية، عاهد فروانة، إلى وجود فجوة جوهرية بين رؤية المجتمع الدولي والواقع الذي تحاول الفصائل تثبيته.
ويقول فروانة لـ«عُمان»: «التحدي الحقيقي يتبلور في تصادم المرجعيات؛ حيث تصر إسرائيل ومعها أطراف دولية بموجب خطة ترامب على ضرورة تسليم السلاح لـ "قوات استقرار دولية" يجري تشكيلها خارج الإرادة الفلسطينية، في المقابل تضع الفصائل شرطًا حاسمًا بأن تكون الجهة المستلمة هي "سلطة فلسطينية واحدة متفق عليها"، وهي صياغة تمنح الفصائل حق الفيتو على تشكيل هذه السلطة لضمان عدم تصفية القضية».
ويتابع فروانة تفكيك المشهد الإداري: «الفصائل تفصل بذكاء بين مسارين في مفاوضات القاهرة؛ الأول هو المسار الحياتي الإغاثي؛ حيث ترحب بتسريع وصول «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» المكونة من التكنوقراط لتسلم المعابر والإعمار وإنقاذ الوضع الإنساني، والمسار الثاني هو المسار الأمني السيادي المتعلق بحصر السلاح، والذي تشترط أن يمر عبر توافق وطني أوسع لضمان عدم استخدام لقمة عيش الغزيين وأموال الإعمار كأداة لابتزاز المقاومة».
الفوضى كبديل عسكري
على الجانب الآخر، لا تبدو تل أبيب في وارد القبول بهذه الصيغة التوافقية؛ إذ جاءت مصادقة رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير على خطط توسيع القتال بمثابة رد ميداني مباشر لإجهاض مناورة القاهرة.
ويحلل أستاذ العلوم السياسية، الدكتور حسام الدجني، هذا السلوك العسكري الإسرائيلي معتبرًا إياه محاولة متعمدة لفرض الفوضى وقتل أي نافذة للحل السياسي. ويقول الدجني لـ«عُمان»: «الجيش الإسرائيلي يتحرك مدفوعًا بتقديرات استخباراتية تشير إلى قدرة الفصائل على إعادة تأهيل بنيتها التحتية وشبكات الأنفاق ومنظومات القيادة والسيطرة. حكومة نتنياهو ترى في أي صيغة لـ «سلطة فلسطينية متفق عليها» شرعنة مبطنة لنفوذ الفصائل في اليوم التالي للحرب، ولذلك تلجأ للتصعيد العسكري كأداة لكسر الموقف التفاوضي الفلسطيني».
ويستطرد الدجني في شرح أبعاد الموقف: «إسرائيل تسعى بوعي كامل إلى استدامة حالة الفوضى العارمة داخل قطاع غزة، وإفشال التوافقات السياسية عبر خلق واقع مشتعل تحت النار، يمنع تشكيل أي مرجعية وطنية موحدة، ويجبر الجميع في النهاية على القبول بالطرح الإسرائيلي القائم على التدويل الأمني والنفي السياسي للفلسطينيين».
شرخ الأجندات بين واشنطن وتل أبيب
هذا الإصرار الإسرائيلي على توسيع دائرة النار يكشف عن تباين واضح في الرؤى بين تل أبيب وواشنطن، وهو تعارض بات يلقي بظلاله الكثيفة على طاولة المفاوضات الحالية في المنطقة.
ويعود الدكتور حسام الدجني ليوضح هذه الجزئية الإقليمية: «إن الكرة الآن باتت في الملعب الأمريكي والإسرائيلي بشكل مشترك، لكن اللاعبين لا يتحركان بذات الاتجاه. الإدارة الأمريكية، المثقلة بتبعات الاستحقاقات الدولية، لا ترغب في مزيد من التصعيد المستدام وتخشى انفجار المنطقة كليًا، وقد تجلى هذا التعارض بوضوح في طريقة إدارة الحرب الإقليمية الأخيرة مع إيران، حيث دفت واشنطن بكل ثقلها نحو احتواء الصراع ومنع اشتعال المنظومة الإقليمية، بينما تسعى حكومة نتنياهو للمضي قدمًا في مخططها العسكري».
ويرى الدجني أن هذا الشرخ في الأجندات سينعكس حتمًا على طاولة غزة؛ «فبينما يحاول جيش الاحتلال فرض حقائق ميدانية جديدة لتدمير مقترح الفصائل، قد تجد واشنطن نفسها مضطرة لممارسة ضغوط جادة لفرملة الاندفاعة العسكرية الإسرائيلية، منعًا لانهيار «خارطة الطريق» بالكامل، مما يجعل المرحلة القادمة سباقًا محمومًا بين أوراق الضغط السياسي في القاهرة وألسنة اللهب الممتدة في الميدان».
