أكثر من 20 ألف مريض وجريح ينتظرون السفر للعلاج .. والوقت يتحول إلى حكم بالموت
د. حكمت المصري
لم تعد السيدة أمل أبو عاصي تخشى السرطان وحده. فبعد أشهر من الألم والعلاج الكيماوي، أخبرها الطبيب أن الورم لم يستجب للجرعات الخمس التي تلقتها، وأن الخيار الطبي المتاح الآن هو الاستئصال الجراحي.
جلست أمل أمام طبيبها تحاول استيعاب الكلمات التي سمعتها للتو، كانت تعتقد أن كل جرعة كيماوية تقربها من الشفاء، وأن التعب والغثيان وتساقط الشعر مجرد محطات مؤقتة على طريق النجاة لكن الطريق انتهى فجأة عند جدار آخر.
تقول أمل: "عندما بدأت العلاج كنت أعد الجرعات كما يعد الغريق أنفاسه الأخيرة، كنت أقول لنفسي إنني أقترب من الشفاء. تحملت كل شيء من أجل هذه اللحظة. لكن الطبيب قال لي إن الورم لم يستجب، وإن عليّ إجراء عملية استئصال". تصمت قليلاً قبل أن تتابع:"في أي دولة أخرى قد يكون هذا القرار عادياً، أما في غزة فهو بداية معركة جديدة، كيف سأجري العملية في مستشفى يفتقر إلى الأدوية؟ كيف سأتعافى وسط الخيام والتلوث ونقص المياه؟ ماذا لو أصبت بالتهاب أو نزيف؟" ثم تضيف بصوت متعب: "أنا لا أواجه السرطان فقط، بل أواجه الحصار أيضاً." أمل ليست سوى واحدة من أكثر من عشرين ألف مريض وجريح تتراكم ملفاتهم على قوائم التحويلات الطبية، فيما تتراجع أعداد المسموح لهم بالسفر للعلاج خارج القطاع بشكل ملحوظ.
انتظار طويل على بوابة مغلقة
بحسب وزارة الصحة في غزة، فإن عدد المرضى الذين تمكنوا من السفر منذ بدء الهدنة في أكتوبر 2025 لم يتجاوز 840 مريضاً، بينما تواصل مئات الحالات الجديدة الانضمام إلى قوائم الانتظار.
ويؤكد مسؤولون صحيون أن العديد من المرضى المسجلين للسفر ينتظرون منذ أكثر من عامين الحصول على الموافقات اللازمة، في وقت تتدهور فيه أوضاعهم الصحية بصورة متسارعة.
داخل أروقة المستشفيات المزدحمة، لم يعد السؤال الذي يطرحه المرضى هو: متى سأتعافى؟ بل أصبح: "هل سأتمكن من السفر قبل فوات الأوان؟"
خالد طفولة على عكاز
يجلس خالد النجار (11 عاماً) أمام خيمة عائلته في أحد مخيمات النزوح وسط القطاع. يراقب الأطفال وهم يركضون في الساحة الرملية بينما يسند جسده الصغير إلى عكازين.
فقد خالد ساقه خلال قصف استهدف منزله قبل أشهر، ويحتاج اليوم إلى تركيب طرف صناعي متطور وإجراء سلسلة عمليات تأهيل غير متوفرة داخل غزة.
يقول: "أكثر شيء أشتاق إليه هو الجري"، ثم يبتسم بحزن: "كنت ألعب كرة القدم كل يوم ، الآن أشاهد الأطفال فقط." يتوقف قليلاً قبل أن يكمل: "كلما سمعت أن هناك دفعة جديدة من المرضى ستسافر أطلب من أمي أن تتأكد من وجود اسمي، انتظر تلقى الاتصال من منظمة الصحة العالمية أحياناً أحلم أنني أمشي من جديد، ثم أستيقظ فأجد العكازين بجانبي." والدته تقول إن الأطباء أكدوا أن فرص نجاح التأهيل تكون أفضل كلما بدأ مبكراً. لكن الشهور تمضي دون أي موعد للسفر. وتضيف: "أخاف أن يفقد ابني الأمل قبل أن يفقد ساقه."
لميس تخاف من الظلام
في زاوية إحدى الخيام تجلس الطفلة لميس صافي (9 سنوات) ممسكة بيد والدتها. أصيبت بشظايا في العين خلال الحرب، ويؤكد الأطباء أن إنقاذ ما تبقى من بصرها يتطلب تدخلاً عاجلاً في مركز طبي متخصص خارج القطاع.
تقول والدتها: "كانت تحب الرسم كثيراً. اليوم لم تعد ترى الألوان كما كانت." وتضيف: "كل ليلة تسألني السؤال نفسه: ماما هل سأفقد عيني؟" ثم تنفجر بالبكاء: "أحياناً لا أجد جواباً لكنني ابكي بصمت بجوارها " أما لميس فتقول بصوت خافت: "أريد أن أرى البحر مرة أخرى." جملة قصيرة تختصر حجم الخسارة التي يعيشها الأطفال المصابون في غزة.
أم محمود الخوف على الأبناء أكثر من الخوف على المرض في خيمة أخرى جنوب القطاع المكتظ بالنازحين ، تجلس أم محمود (42 عاماً) بعد عودتها من جلسة غسيل الكلى. الإنهاك يبدو واضحاً على وجهها.
تحمل في يدها ملف التحويلة الطبية، وتحمل في قلبها خوفاً أكبر.
تقول: "لا أخاف الموت بقدر خوفي على أطفالي." تتابع: "لدي خمسة أبناء ، أصغرهم ما زال يحتاجني في كل شيء، عندما أعود من جلسة الغسيل أشعر أن جسدي لم يعد قادراً على الاحتمال." وتضيف: "كلما تأخر السفر أشعر أن المرض يسبقني." يؤكد الأطباء أن حالتها تحتاج إلى تدخلات علاجية متقدمة لا تتوفر حالياً داخل القطاع. لكنها ما زالت تنتظر دورها على قوائم السفر الطويلة .
جرحى الحرب بين الألم والإعاقة
لا تقتصر المعاناة على المرضى ، فآلاف الجرحى الذين أصيبوا خلال الحرب يحتاجون إلى عمليات ترميم أعصاب وعظام وأطراف صناعية متطورة.
الشاب أحمد الشامى (22 عاماً) أصيب بإصابة معقدة في الساق، يقول: "الأطباء أخبروني منذ شهور أن إنقاذ الساق يحتاج إلى جراحة خارج غزة." ويضيف: "كل يوم يمر أشعر أن الإصابة تزداد سوءاً." ثم يرفع بنطال قدمه ليكشف عن آثار الجروح قائلاً: "أخشى أن يأتي موعد السفر بعد أن يصبح البتر هو الحل الوحيد".
أطباء يحذرون
يحذر أطباء في القطاع من أن التأخير المستمر في سفر المرضى يؤدي إلى مضاعفات خطيرة قد تجعل بعض الحالات غير قابلة للعلاج مستقبلاً.
ويؤكد أطباء أورام أن عدداً من مرضى السرطان فقدوا فرصاً علاجية مهمة نتيجة انقطاع العلاج أو تأخر الوصول إلى المراكز المتخصصة.
كما يواجه مرضى القلب والكلى والأمراض العصبية أوضاعاً مشابهة، في ظل نقص الأدوية والمستهلكات الطبية وتضرر أجزاء واسعة من المنظومة الصحية.
بين الهدنة والموت البطيء رغم الحديث عن وقف إطلاق النار، لا يزال الموت يحصد أرواح الفلسطينيين بصورة يومية.
فإلى جانب الشهداء الذين يسقطون بفعل الاستهدافات المتواصلة، هناك مرضى يواجهون نوعاً آخر من الموت؛ موتاً بطيئاً يحدث على أسرة المستشفيات، وفي الخيام، وعلى قوائم الانتظار. هؤلاء لا تظهر صورهم كثيراً في نشرات الأخبار ، لكنهم يعيشون كل يوم معركة جديدة ضد الوقت.
حق في الحياة
في غزة اليوم، لا ينتظر المرضى العلاج فقط، إنهم ينتظرون فرصة للحياة، ينتظرون معبراً يفتح، وموافقة تصدر، وسريراً طبياً في مستشفى بعيد.
خلف كل ملف طبي متراكم حكاية إنسان. خلف كل تحويلة مؤجلة أم تخشى أن تترك أبناءها، أو طفل يحلم أن يمشي من جديد، أو مريض سرطان يتمسك بأمل يتضاءل يوماً بعد يوم.
ومع تجاوز عدد التحويلات المتراكمة عشرين ألف حالة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كم مريضاً يجب أن يخسر حياته قبل أن يصبح العلاج حقاً إنسانياً لا يخضع للحصار والانتظار؟.
