دليل الحائرين إلى الذكاء الاصطناعي

10 يونيو 2026
ترجمة: قاسم مكي
10 يونيو 2026

كيف ينبغي لأحد لا يكاد يفقه شيئا عن الذكاء الاصطناعي أن يفكر في نتائجه الضمنية على البشرية؟ يجب ألا تمنعني حقيقة عدم فهمي لهذه النتائج من استفراغ الجهد للقيام بذلك، فربما تساعد محاولاتي المضنية الآخرين.

إذن دعونا نبدأ. السؤال الذي أرغب في الإجابة عليه هو: هل الذكاء الاصطناعي نعمة أم نقمة أم فقاعة؟ ثم بعد أن نفكر في الأجوبة نسأل: هل توجد أية خيارات يمكن للبشرية اتخاذها بطريقة واقعية لضمان أن يكون أقرب كثيرا إلى النعمة منه إلى النقمة أم قدَرُنا أن نُسحَب وراء عربة الذكاء الاصطناعي، شئنا أم أبينا، إلى حيثما تذهب؟

ستساعد الإجابة على السؤال بشأن ما إذا كان الذكاء الاصطناعي مجرد فقاعة على الإجابة على سؤالي النعمة والنقمة أيضا؛ لذلك ماذا يعني أن يكون الذكاء الاصطناعي فقاعة؟ هنالك احتمالان، أحدهما أن شيئا مهما يحدث حقا لكن الأسواق لا تستطيع تقدير العوائد وهي تُدفع إلى حمى المضاربة. هذا بدوره يغذي ارتفاعا غير قابل للاستدامة في الاستثمار (وإلى درجة ما غير مربح). وعاجلا أو آجلا ستنفجر هذه الفقاعة وستنهار أسعار الأسهم وستفلس العديد من الشركات القديمة والجديدة وسينحسر الاستثمار.

لكن سَتُترك لنا بنية تحتية مفيدة مثلما كانت الحال بعد ازدهار تقنية السكة الحديد في القرن التاسع عشر وفقاعة الإنترنت في التسعينيات على سبيل المثال. فالأولى خلفت لنا خطوط السكة الحديد والثانية كيبل الألياف البصرية. فمثل هذه الفقاعات يمكنها تغيير العالم.

الاحتمال الثاني أن يكون الذكاء الاصطناعي هراء. وهنا تخطر ببالنا فقاعتا المسيسبي وبحر الجنوب في فرنسا وبريطانيا على التوالي في أوائل القرن الثامن عشر. لقد انفجرتا وحطمتا البعض ولم تغيرا شيئا يذكر.

إذن هل ما يحدث للذكاء الاصطناعي فقاعة على الإطلاق؟ وإذا كان فقاعة ما نوعها؟ الإجماع، والذي أوافق عليه مبدئيا أن الذكاء الاصطناعي حقيقي.

ليست لدي فكرة عما إذا كنا على عتبة الذكاء الاصطناعي العام كما يحاجج ديمس هاسابيس الرئيس التنفيذي لشركة «جوجل ديب مايند.» لكن نماذج اليوم تبدو مثيرة للإعجاب خصوصا في دورها كوكيلة فاعلة (قادرة على الأداء المستقل تفكيرا وتنفيذا عن البشر- المترجم).

إلى ذلك، يذكر مستثمر رأس المال المغامر روبن دومينجوز إبار في نشرته «ذِ أيه آي كورنر» أن بعض مزودي الخدمة وخصوصا شركة أنثروبيك يحققون قفزات ضخمة في الإيرادات وهو ما يساعد في تفسير التقييمات الهائلة المتوقعة في الاكتتابات العامة الأولية. إذن السوق تشهد فقاعة حقا. لكن يبدو إنها ترتكز على واقع حقيقي.

عقد بعض الناس مقارنات بين الارتفاع المثير في أسهم شركة انفيديا والأداء المماثل لشركة «سيسكو» في فترة فقاعة الإنترنت، لكنهم لاحظوا اختلافا. فإيرادات انفيديا ارتفعت بشدة في حين تضاعف الدخل الصافي لسيسكو فقط في فترة السنتين المنتهية في يوليو 2000. إلى ذلك يشير المحللون من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي أن الذكاء الاصطناعي يحقق قفزة خفية وضخمة في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للولايات المتحدة.

من المستحيل القول: إن الاسواق «على صواب» في الحكم على ربحية شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة في الوقت الحالي والمستقبلية. ومن الممكن أيضا ألا تكون أرباح انفيديا التي نشهدها (أو حتى إيرادات أنثروبيك) مستدامة عندما تنحسر موجة الاستثمار وضجة الذكاء الاصطناعي، لكن الذكاء الاصطناعي ليس فقاعة، فهو له واقع حقيقي.

هذا يعيدنا الى السؤال الآخر عن الذكاء الاصطناعي وهل هو «نعمة أم نقمة.» أدرت حوارا مع روبوت الدردشة «شات جي بي تي» حول هذا السؤال (وماذا غيره؟) وبعد أخذ ورد انتهى بنا المطاف الى إعداد قائمة بأهم نِعَمِ الذكاء الاصطناعي ونِقَمِه على النحو التالي:

أولا، النعم. وتشمل رعايةً صحية أفضل وتسريعَ العلم وانتاجية مرتفعة جدا وتعليما واسع النطاق وتقدما أسرع في مجال المناخ والطاقة النظيفة وتحسّنَ القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي وشموله للجميع (تحويل الكلام الشفاهي الى نص مكتوب والترجمة التلقائية) وتحسن الخدمات العامة وخدمةَ نقلٍ أفضل وبيئاتِ عمل أكثر أمانا وتحسينات في الإبداع والتعبير الثقافي وتحسين الوصول إلى المعرفة البشرية على نطاق العالم.

ثانيا النِّقَم. ومنها فقدانُ السيطرة والمحاسبة البشرية وابتداعُ أسلحة جديدة فتاكة (خصوصا مسبِّبات الأمراض، لكن أسلحة أخرى أيضا بعضها في أيدي الإرهابيين) والبطالةُ الجماعية والتركيز الهائل للنفوذ في أيدي «وحوش» والمراقبةُ الجماعية وسيطرة الاستبداد، بل حتى المزيد من التضليل الإعلامي والتلاعب بالعقول والتهديدات الهائلة للأمن السيبراني وترسيخ التحيز والتمييز وراء قناع «الموضوعية» وتآكل الفاعلية والمهارة البشرية والتكاليفُ البيئية الباهظة لأنظمة تستخدم الموارد بكثافة.

ما الذي يمكن أن يفهمه المرء من هاتين القائمتين المحتملتين. استنتاجي الأول أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرّد تقنية «متعددة الأغراض» فقط. فإذا تطور في الاتجاهات التي يبدو أنها مرجحة قد يغير كل شيء تقريبا.

الذكاء الاصطناعي في الواقع مسألة «وجودية». وإذا كان لدى البشرية أي إحساس جماعي (وهو ما لا تملكه) وأيضا القدرة على كبح نفسها (وهذا ما لا تفعله) أعتقد أنها ستوقِف تطوير الذكاء الاصطناعي. استنتاجي الثاني هو أن الذكاء الاصطناعي أطلق حتما منافسة بين الشركات والحكومات. وافتراضي هو أن أي شيء يمكن لمثل هذه التقنية فعله سيُفعَل. لذلك سنشهد سباقات تنافسية من أجل النِّعَمِ والنِّقَمِ كليهما.

استنتاجي الثالث هو أن الضوابط الناجحة نسبيا والمتعلقة بالانتشار النووي وإتاحة الأدوية الجديدة لا يمكن أن تشكل سوابق. السبب في ذلك أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مملوكا للدول وحدها كما هي الحال مع الأسلحة النووية (حتى الآن). وهو أيضا ليس فئة منتجات واحدة مثل الأدوية. إنه متعدد الاستخدامات والقدرات.

ذكر روبوت الدردشة (شات جي بي تي) في حوارنا أن على البشرية الكف عن اعتبار القدرة التقنية مماثلة للتقدم والذي يعني وجوب ازدهار البشر في أوضاع «أمان وحرية وشرعية.» لكن هل هذا ممكن؟

مارتن وولف كبير معلقي الاقتصاد بصحيفة الفاينانشال تايمز