تحرير المرآة الثانية
10 يونيو 2026
زياد خداش
10 يونيو 2026
لأن عدوي المركزي في الحياة هو التكرار، فلن أتحدث في هذه السطور عن يوم المرأة العالمي بالطريقة نفسها التي تحدثت بها في العام الفائت، فلن يجد نفعًا انتحابي المتواصل حزنًا وغضبًا على أبواب ونوافذ قلعة الرجولة الصماء، توسلًا لحقوق المرأة، وتحذيرًا من خطورة استمرار سجنها في بيولوجيتها، ولن يغير شيئًا مطالباتي واستغاثاتي لإنقاذ نصف مجتمعنا من وادي الألم الصامت الذي تتوه في شعابه وتتخبط في ظلمته.
لست محاميًا (كما أبدو) عن أوضاع المرأة، لكنني محامٍ عن نفسي، باعتبار أن الرجل أيضًا نفسه سجين مفاهيمه، وأوهامه.
المرأة في بلادنا مختصرة في تسريحة شعر، ونهد، والرجل نفسه الذي ابتكر فعل الاختصار المريع هذا هو أيضًا مختصر في هشاشته الداخلية اللاواعية، وأساطير تفوقه وعبقرية ذهنه، كلاهما سجينان، لكن الفرق بينهما هو أن المرأة السجينة تعرف أنها سجينة، لكن الرجل السجين لا يعرف أنه سجين، ولا يعترف حتى أنه سجان، وهنا المأساة.
إن القاتل الصامت لا يعرف أنه يقتل كل يوم، هو يعتقد أنه يبني ويحب ويساعد. فمن الخارج تبدو أوضاع المرأة هادئة وصافية ومنسجمة مع ذاتها. فهي تذهب إلى العمل صباحًا مبتسمة ومشرقة، وتدندن بلحن لذيذ. تسافر إلى الخارج لتشارك في مهرجانات ومؤتمرات.
تكمل دراساتها العليا، وتختار شريك حياتها بملء إرادتها وسعادتها.
لكن الداخل الذي لا يراه إلا الذين يريدون أن يرونه يمور بأوجاع وإحباطات وقيود ومخاوف وحصارات متراكمة ومترابطة.
مرآة الخارج المخترعة بإتقان هائل مطلوب منها أن تكذب وتعكس المظاهر الخارجية، لكن مرآة الداخل المحبوسة خلفها، والمكمم فمها، مطلوب منها أن تظل خرساء ووحيدة ينهشها الدود والرطوبة.
تحرير هذه المرأة يتطلب وعيًا كبيرًا بخطورة المرآة الأولى المزيفة، عملية القلعة الصماء وأداتها لتكريس أوهامها وحصانتها وشرعيتها في قيادة العالم إلى سعادته وانتصاراته.
في صفي (الثامن) في المدرسة التي أدرب فيها طلابي على تحرير مراياهم الثانية «فحتى الرجل له مرآة ثانية مطرودة ومستبعدة عن الكلام والإضاءة والحركة»، قلت لطلابي: سنحتفل اليوم بمناسبة يوم المرأة العالمي احتفالًا خاصًا.
أهم فعاليات هذا الاحتفال هو (استبدال المرآة الثانية بالأولى).
وافق طلابي، وقذفت عليهم السؤال التالي فورًا: هل تحب أن تكون بنتًا؟ ولماذا؟ دعوا المرآة الثانية بداخلكم هي التي تجيب، قلت لهم.
قال أحمد: لا أحب أن أكون بنتًا لأنني لا أحب أن أكون مظلومًا.
قال سمير: لا أحب أن أكون بنتًا لأن أمي دائمًا تشتم أختي وتحشرها في الغرفة.
قال هيثم: لا أحب أن أكون بنتًا، لأن الله خلقني ذكرًا.
قال حسين: لا أحب أن أكون بنتًا لأن البنت لا يسمح لها بالحركة الجسدية كما يسمح لي، فدائمًا أمي تقول لأختي: اقعدي منيح يا حيوانة.
قال هاشم: أحب أن أكون بنتًا لأن أمي دائمًا تقول في صلاتها: «يا رب ارزقني بنتًا»، وأنا أريد أن أجعل أمي سعيدة. «ضحك الطلاب بصوت عال».
قال سالم: لا أحب أن أكون بنتًا، لأن البنات يعدن إلى البيت فورًا بعد المدرسة، بينما يتسكع الأولاد في المدينة حتى الليل.
قال خالد: لا أحب أن أكون بنتًا لأن أبي يضرب أختي كثيرًا حين تشاهد المسلسلات، وحين تكتب الشعر أو تضحك بصوت عال.
قال عزيز: لا أحب أن أكون بنتًا لأن أبي قال لأمي مرة: «البنات خُلقن للزواج فقط وتربية الأطفال»، وأنا لا أريد أن أتزوج، أريد أن أسافر إلى كل بلاد العالم وأتفرج على عجائب الدنيا السبع.
قال حسن: لا أحب أن أكون بنتًا لأن أمي لم تفرح كثيرًا حين أتت أختي ماجدة إلى هذا العالم، بينما فرحت جدًا حين أتيت أنا، هذا ما قالته لي جدتي مريم.
شكرت طلابي على إجاباتهم الصريحة. وفي اللحظة التي هممت فيها بالخروج من الصف سألني طالب:
وماذا عنك يا أستاذ، هل تحب أن تكون بنتًا؟
صمت الطلاب، حتى المقاعد صمتت، والنوافذ والطباشير، كل شيء سكت بانتظار إجابتي.
جلست على الكرسي، ومددت يدي داخل صدري، وأخرجت مرآتي الثانية، ووضعتها أمامي، ونظرت إلى وجهي، شعرت بصيحة رعب تكاد تنفجر في أعماقي، فخرجت من الصف مسرعًا مخلفًا ورائي ذهول طلابي وشظايا مرآة متكسرة.
