السفر كما يراه السائح الجديد.. قراءة في تقارير دولية ترصد تحولات قطاع السياحة
10 يونيو 2026
10 يونيو 2026
«عمان»: قبل سنوات ليست ببعيدة كان السائح يبحث عن تذكرة سفر وفندق مناسب وخريطة ورقية تقوده إلى أشهر المعالم السياحية في المدينة التي يرغب بزيارتها، تبدأ رحلته من مكتب السفر وتنتهي غالبًا بصور تقليدية أمام المعالم الشهيرة بينما كان مفهوم السياحة نفسه يرتبط بالاسترخاء أو قضاء الإجازات الموسمية فحسب، أما اليوم فقد تغير المشهد بالكامل فلم يعد السائح يبحث عن «رحلة مريحة» وبات يفتش عن «تجربة متكاملة»، وعن إمكانية التوغل في تفاصيل المكان والتفاعل مع ثقافة أهله، وبات حريصًا على مشاركة جمهوره الإلكتروني كل لحظة بشكل مباشر.
وأصبحت التكنولوجيا رفيقًا ملازمًا للسائح منذ لحظة التفكير الأولى بالسفر الذي من المحتمل بشكل كبير أن الخوارزميات من حددت وجهته في المقام الأول، من ثم تكمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي وغيرها تنظيم مسارات الرحلة من أهمها لأصغرها، وهذا التحول الكبير لا يعكس فقط تغير سلوك المسافرين بل يكشف عن دخول العالم مرحلة جديدة من التحول السياحي العالمي مرحلة أصبحت فيها السياحة واحدة من أكثر الصناعات ارتباطًا بالتكنولوجيا والاقتصاد والاستدامة والتغيرات الاجتماعية.
وعليه نقدم في هذه القراءة التمهيدية لملف العدد الذي بين أيديكم أبرز ما جاء في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان «السياحة والسفر عند نقطة تحول»، وتقرير المجلس العالمي للسفر والسياحة WTTC بعنوان «الأثر الاقتصادي للسياحة والسفر»، اللذين يرسمان صورة لقطاع يشهد إعادة تشكيل غير مسبوقة مدفوعة بتغير أنماط السفر وصعود الأجيال الجديدة، وتسارع التحول الرقمي، والتوسع الهائل في الاستثمار والإنفاق السياحي عالميا. حيث تشير التوقعات الواردة في التقريرين إلى أن مساهمة قطاع السياحة والسفر قد تصل إلى أكثر من 16 تريليون دولار خلال العقد المقبل في وقت يتحول فيه القطاع إلى أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي وأكثرها تأثيرًا في تشكيل مستقبل المدن والأسواق وأنماط الحياة حول العالم.
الأجيال الجديدة تعيد
صياغة مفهوم السفر
إن التحول الأكبر الذي يشهده قطاع السياحة العالمي لا يتعلق فقط بالأرقام أو حجم النمو الاقتصادي بل يرتبط بصورة مباشرة بتغير طبيعة المسافر نفسه خاصة مع صعود الأجيال الشابة وفي مقدمتها جيلا الألفية والجيل Z اللذان أصبحا يمثلان القوة الأكثر تأثيرًا في حركة السفر العالمية خلال السنوات المقبلة. فبحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لم تعد الأجيال الجديدة تبحث عن السياحة التقليدية القائمة على زيارة المعالم الشهيرة أو الإقامة الفندقية الفاخرة فقط بل أصبحت تميل بصورة متزايدة إلى ما يعرف بـ«السياحة التجريبية»، التي تقوم على خوض تجارب حقيقية ومباشرة، مثل المغامرات، والأنشطة الرياضية، والمهرجانات الثقافية، والتفاعل مع المجتمعات المحلية، والرحلات البيئية، والوجهات غير التقليدية.
وقد أدّت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًّا في تسريع هذا التحول، حيث أصبحت المنصات الرقمية والمؤثرون وصنّاع المحتوى جزءًا من صناعة القرار السياحي نفسها، فالكثير من المسافرين الشباب باتوا يختارون وجهاتهم بناءً على التجربة البصرية والمحتوى الرقمي أكثر من اعتمادهم على الإعلانات التقليدية أو شركات السفر المعتادة وهو ما غيّر طريقة الترويج السياحي وأعاد تشكيل المنافسة بين الوجهات العالمية.
ولم يقتصر هذا التحول على تغيير سلوك المسافرين فقط بل أدى أيضا إلى صعود قطاعات سياحية جديدة تنمو بوتيرة أسرع من السياحة التقليدية، وفي مقدمتها السياحة الرياضية والترفيهية التي يتوقع التقرير أن ترتفع قيمتها من 609 مليارات دولار في عام 2023 إلى أكثر من 1.7 تريليون دولار بحلول عام 2032، بمعدل نمو سنوي يصل إلى 16%. ولم تعد السياحة الرياضية مرتبطة فقط بحضور البطولات الكبرى مثل كأس العالم أو الألعاب الأولمبية أو سباقات الفورمولا 1، بل أصبحت تشمل أيضا المشاركة الشخصية في الفعاليات الرياضية وسباقات الماراثون والأنشطة البحرية والجبلية والمغامرات الرياضية، ما يجعل هذا النوع من السياحة أحد أهم محركات الاقتصاد السياحي خلال السنوات المقبلة.
وفي الوقت نفسه تتجه السياحة البيئية إلى التحول من نشاط محدود إلى تيار عالمي واسع؛ حيث يتوقع التقرير أن تنمو بمعدل سنوي يبلغ 14% حتى عام 2032، مدفوعة بارتفاع الوعي البيئي عالميا، وتزايد اهتمام المسافرين بالوجهات الطبيعية والمحميات البيئية والتجارب المرتبطة بالحفاظ على الطبيعة وتقليل البصمة الكربونية. ويعكس هذا التحول تغيرا واضحا في أولويات المسافرين خصوصا بعد تصاعد المخاوف المرتبطة بالتغير المناخي والاستدامة البيئية حيث لم يعد كثير من السياح ينظرون إلى الرحلات باعتبارها وسيلة للترفيه فقط بل باعتبارها تجربة مرتبطة بالقيم البيئية والاجتماعية أيضا، ولذلك برز اهتمام متزايد بالسياحة منخفضة الانبعاثات، والفنادق المستدامة، والأنشطة التي تراعي الحفاظ على الموارد الطبيعية والثقافات المحلية.
أما سياحة العافية والاستشفاء –كما أسماها التقرير- فقد أصبحت أيضا واحدة من أسرع القطاعات نموا بعد جائحة كورونا؛ حيث يتوقع التقرير استمرار نموها بمعدل سنوي يبلغ 8% حتى عام 2034، نتيجة ارتفاع الاهتمام بالصحة النفسية والجسدية، وازدياد الطلب على الرحلات المرتبطة بالاسترخاء والعلاج الطبيعي والمنتجعات الصحية والتأمل والأنشطة الذهنية. ويشير التقرير إلى أن التحولات الاجتماعية وضغوط الحياة الحديثة دفعت كثيرا من الأفراد إلى البحث عن تجارب سفر تمنحهم الراحة النفسية والتوازن الذهني أكثر من مجرد الترفيه التقليدي، وهو ما دفع العديد من الدول إلى الاستثمار بصورة أكبر في المنتجعات الصحية والمراكز العلاجية والسياحة المرتبطة بالاستشفاء الطبيعي، خصوصا في المناطق التي تمتلك مقومات بيئية ومناخية مناسبة.
أتمتة التجارب السياحية
دخل قطاع السياحة مرحلة جديدة من التحول الرقمي المتسارع وفقا للمنتدى الاقتصادي العالمي؛ حيث أصبحت التكنولوجيا عنصرا أساسيا في جميع مراحل الرحلة السياحية بداية من التخطيط والحجز وحتى التنقل والإقامة والخدمات الفندقية وإدارة الوجهات السياحية. ويتوقع التقرير أن يتضاعف حجم سوق التكنولوجيا السياحية الذي بلغت قيمته نحو 10.5 مليار دولار في عام 2024، بحلول عام 2033، مدفوعا بالتوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي، والتطبيقات الذكية، والحلول الرقمية الحديثة، في وقت تتزايد فيه المنافسة بين الشركات والدول على تقديم تجربة سفر أكثر سرعة ومرونة وخصوصية للمسافر.
ويؤكد التقرير أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد أداة تقنية مساعدة داخل القطاع السياحي وسيتحول إلى عنصر محوري في تصميم التجربة السياحية نفسها من خلال تحليل بيانات المسافرين وسلوكهم وأنماط إنفاقهم واهتماماتهم، بما يسمح بتقديم برامج سفر وخدمات مصممة بصورة شخصية لكل مسافر وفق ميزانيته واهتماماته وتفضيلاته الفردية، كما بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي تلعب دورا متزايدا في إدارة الوجهات السياحية وتحليل حركة الزوار والتنبؤ بمستويات الطلب، وهو ما يساعد الحكومات والشركات على تحسين توزيع السياح وتقليل الضغط على الوجهات المزدحمة ورفع الكفاءة التشغيلية للقطاع.
وتدخل تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز هذا السباق، فقد بدأت تعيد تعريف العلاقة بين المسافر والوجهة السياحية؛ حيث أصبح بإمكان الأفراد استكشاف الفنادق والمعالم والمدن سياحيا بصورة رقمية قبل السفر فعليا ما يؤثر بشكل مباشر على قرارات الحجز واختيار الوجهات، فلم تعد هذه التقنيات تُستخدم فقط في التسويق السياحي بل أصبحت جزءا من التجربة نفسها سواء عبر الجولات الافتراضية أو التطبيقات التفاعلية داخل المتاحف والمعالم أو الخدمات الذكية التي تسمح للمسافر بالحصول على معلومات فورية ومخصصة أثناء الرحلة.
وأشار التقرير إلى توسع استخدام الأنظمة البيومترية، مثل التعرف على الوجه والبصمة الرقمية، في المطارات والفنادق والمنافذ السياحية بهدف تسريع إجراءات السفر وتقليل أوقات الانتظار وتحسين مستويات الأمان والكفاءة التشغيلية، فقد بدأت المطارات الذكية تتحول إلى نموذج جديد لمستقبل السفر العالمي؛ حيث يجري دمج التكنولوجيا مع الخدمات التجارية والترفيهية واللوجستية لتقديم تجربة أكثر سلاسة وسرعة للمسافرين، في وقت أصبحت فيه سرعة الإجراءات وجودة التجربة الرقمية جزءا أساسيا من تنافسية الوجهات السياحية عالميا.
وأوضحت بيانات التقرير أن 91% من شركات التكنولوجيا السياحية تخطط لزيادة استثماراتها الرقمية خلال السنوات المقبلة، ما يعكس إدراك القطاع بأن مستقبل المنافسة السياحية لن يعتمد فقط على جمال الوجهات أو جودة الخدمات التقليدية، بل على القدرة على تقديم تجربة ذكية وشخصية وسريعة تعتمد على البيانات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ويلفت التقرير إلى أن هذا التحول الرقمي يطرح تحديات جديدة أيضا، تتعلق بحماية البيانات والخصوصية والأمن السيبراني، إلى جانب الفجوة التكنولوجية بين الدول المتقدمة والوجهات السياحية الأقل تطورا، وهو ما قد يخلق تفاوتا متزايدا في القدرة على المنافسة داخل السوق السياحي العالمي.
السياحة .. قوة اقتصادية عالمية
ولا تتوقف التحولات التي يشهدها قطاع السياحة العالمي عند حدود التكنولوجيا، بل تمتد إلى طبيعة الاقتصاد العالمي نفسه، وإلى الطريقة التي أصبحت بها السياحة أحد أهم المحركات المرتبطة بالنمو وفرص العمل والاستثمار والتأثير الجيواقتصادي بين الدول؛ فبحسب تقرير المجلس العالمي للسفر والسياحة WTTC لعام 2025؛ لم يعد قطاع السياحة والسفر مجرد نشاط خدمي أو ترفيهي مرتبط بالإجازات والتنقل، بل تحول إلى قوة اقتصادية عالمية ضخمة تؤثر بصورة مباشرة في حركة الأسواق والاستثمارات والتوظيف والنمو الاقتصادي في مختلف القارات.
وكان من اللافت تحول قطاع السياحة والسفر لواحد من أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد العالمي بعد التعافي الكبير من آثار جائحة كورونا؛ حيث دخل القطاع مرحلة جديدة من النمو المستدام بدلًا من مرحلة التعافي المؤقت التي سيطرت على السنوات الأولى بعد الجائحة. ويصف التقرير عام 2024 بأنه نقطة تحول رئيسية للسياحة العالمية نتيجة ارتفاع الإنفاق السياحي، وتحسن حركة السفر الدولية، واستعادة الأسواق الكبرى نشاطها الاقتصادي بصورة شبه كاملة في وقت بدأت فيه السياحة تستعيد مكانتها كأحد أهم محركات الاقتصاد العالمي.
فقد بلغت مساهمة قطاع السياحة والسفر في الاقتصاد العالمي نحو 10.9 تريليون دولار خلال عام 2024، أي ما يعادل 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي محققة نموًا سنويًا بلغ 8.5% مقارنة بعام 2023، ومتجاوزة مستويات ما قبل الجائحة في عام 2019 بنسبة 6%. وتعكس هذه الأرقام حجم التحول الذي يشهده القطاع خصوصًا في ظل استمرار حالة التباطؤ وعدم اليقين التي تواجه العديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى عالميًا، وهو ما يجعل السياحة واحدة من أكثر الصناعات قدرة على التعافي السريع، وتحفيز النشاط الاقتصادي.
ويتيح القطاع فرصا كبيرة للتوظيف؛ حيث دعم القطاع نحو 356.6 مليون وظيفة حول العالم خلال عام 2024، بما يمثل 10.6% من إجمالي الوظائف العالمية، وهو ما يعني أن وظيفة واحدة تقريبًا من كل عشر وظائف حول العالم أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بقطاع السياحة والسفر، ويشير التقرير إلى أن القطاع أضاف وحده نحو 20.7 مليون وظيفة جديدة مقارنة بعام 2023، ما يجعله من أكثر القطاعات قدرة على خلق فرص العمل، وتحفيز الاقتصادات المحلية، خصوصًا في الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على السياحة كمصدر رئيسي للدخل.
واللافت في التقرير أن السياحة لم تعد تنمو فقط كقطاع اقتصادي تقليدي، بل أصبحت تتفوق حتى على قطاعات كبرى مثل البناء والصحة والسلع الاستهلاكية من حيث معدلات النمو خلال عام 2024، وهو ما يعكس التحول المتزايد في طبيعة الاقتصاد العالمي نحو القطاعات المرتبطة بالخدمات والتجارب والتنقل والترفيه.
كورونا وحمى السياحة الداخلية
ولا يزال الإنفاق السياحي المحلي يشكل العمود الفقري لقطاع السياحة العالمي؛ حيث بلغ حجم الإنفاق السياحي المحلي نحو 5.3 تريليون دولار خلال عام 2024 مسجلًا نموًا سنويًا بلغ 5.4% مقارنة بعام 2023، كما تجاوز مستويات ما قبل الجائحة بنسبة 8.1%. ويعكس ذلك استمرار اعتماد كثير من الاقتصادات على حركة السفر الداخلي باعتبارها عنصرًا أساسيًا لدعم النشاط الاقتصادي والسياحي، خصوصًا بعد التحولات التي فرضتها جائحة كورونا على أنماط السفر العالمية.
ويرى التقرير أن السياحة المحلية اكتسبت أهمية استراتيجية منذ فترة الجائحة عندما دفعت القيود الصحية وإغلاق الحدود ملايين الأشخاص إلى الاعتماد بصورة أكبر على الوجهات الداخلية، لكن اللافت أن هذا التحول لم يكن مؤقتًا بالكامل، بل استمر حتى بعد عودة حركة السفر الدولية، خصوصًا في الدول ذات الأسواق المحلية الضخمة مثل الولايات المتحدة والصين والهند. وفي المقابل؛ بلغ الإنفاق السياحي الدولي نحو 1.88 تريليون دولار خلال عام 2024 محققًا نموًا سنويًا قويًا بلغ 11.6% مقارنة بعام 2023، وهو معدل يفوق نمو الإنفاق المحلي، ما يعكس استمرار التعافي السريع لحركة السفر الدولية، وتحسن حركة الطيران، وارتفاع الطلب على الرحلات الخارجية. ومع ذلك لا يزال الإنفاق الدولي أقل بنسبة 1.3% من مستويات ما قبل الجائحة؛ ما يعني أن القطاع لم يستعد كامل زخمه العالمي بصورة نهائية بعد رغم مؤشرات التعافي القوية التي يشهدها القطاع منذ عام 2023.
