مكاسب اليوم تحذير لشركات النفط الحكومية

09 يونيو 2026
09 يونيو 2026

ترجمة: قاسم مكي -

منحت الحربُ في إيران شركاتِ النفط الوطنية مكاسبَ فجائيةً كبيرة؛ فالحكومات تسجل إيرادات لم تشهدها منذ سنين، لكن الأحداث الأخيرة ليست مبررا لمضاعفة الرهان على النفط، بل هي في الحقيقة التحذير الأقوى حتى الآن من أن الاعتماد على النفط يجعل البلدان عرضة لصدمات لا تسيطر عليها.

كانت شركات النفط الوطنية منذ فترة طويلة «الفيل الذي في غرفة» الجدل العالمي حول الطاقة. (يقصد الكاتب بالفيل الموضوع الكبير والواضح الذي يتجاهله المتجادلون في أمور الطاقة- المترجم.)؛ فهي أقل تعرضا بقدر كبير للفحص والتشريح من نظيراتها شركات النفط الخاصة. وباعتباري الرئيس التنفيذي السابق لإحدى شركات النفط الوطنية كان ذلك دائما ما يصدمني كشيء غريب وغير منطقي.

تشكل هذه الشركات نصف الإنتاج العالمي للنفط والغاز تقريبا ونحو 40% من الاستثمار في هذا القطاع وحوالي ثلثي احتياطيات المواد الهيدروكربونية المعلومة، وتعتمد اقتصاداتٌ وقوى عاملة بأكملها عليها.مع ذلك؛ عدد قليل جدا من هذه الشركات لديها استراتيجيات تحوُّل من إنتاج الوقود الأحفوري تتصدى بشكل جاد لمخاطر تراجع الطلب والحاجة إلى تقليل اعتمادها على الإيرادات النفطية والتجديد الصناعي.

تشير التحليلات إلى أن شركات النفط الوطنية تستثمر حوالي 425 بليون دولار في مشاريع من المستبعد أن تكون مربحة في سيناريوهات تتصور طلبا أقل على إنتاجها. في الأثناء يمكن أن تفقد الدول المنتجة تريليونات الدولارات من الإيرادات المتوقعة بحلول عام 2040 في ظل انتقالٍ بوتيرة معتدلة إلى الموارد المتجددة. هذا تخطيط تجاري سيئ.

توضح الأحداث الحالية المخاطر الاقتصادية بطريقة لا يمكن أن تفعلها سنوات من دبلوماسية المناخ؛ فإنتاج النفط لا يحصِّن البلد المنتج من عدم الاستقرار. إنه يضخم التعرض إلى تقلبات الأسعار واضطرابات الإمداد والتضخم. والحكومات الأكثر تعرضا للمخاطر كثيرا ما تكون الأقل قدرة على امتصاص الصدمة ولديها ميزانيات شديدة الارتباط بإيرادات النفط والغاز واستراتيجيات تنويع ضعيفة أو غير مكتملة.

المكاسب الفجائية التي تتحقق اليوم ليست مبررا لاتباع النموذج القديم، بل ربما هي الفرصة الأخيرة لتقليل الاعتماد عليه.أنا أقول هذا كشخص قضي حياته العملية في صناعة النفط؛ فعافية الشركات في الأجل الطويل مثل شركة «بتروبراس» لا تنفصل عن ازدهار البلدان التي تملكها. لقد قلتُ لهذه الشركات بشكل مباشر أنها لن تكون موجودة خلال 40 عاما إذا استمرت في نفس المسار (إذا لم تغير نموذج عملها وتتحول إلى شركات لإنتاج الطاقة بكل أنواعها- المترجم).لن يكون الانتقال عن الوقود الأحفوري فوريا أو خطِّيا. سيظل النفط والغاز جزءا من مزيج الطاقة العالمي لسنوات قادمة. لكن الاتجاه واضح؛ فالموارد المتجددة تواصل زيادة حصتها وإشاعة الكهرباء تتسارع. وحتى سيناريو السياسات المعلنة لوكالة الطاقة الدولية يتصور استقرار الطلب على النفط بنهاية هذا العقد.

السؤال هو: هل ستستخدم شركات النفط الوطنية هذه المهلة لاقتناص مكاسب الصناعة والوظائف والمالية العامة التي يَعِد بها التكيف أم تستمر في الاستثمار وكأن افتراضات الأمس ستحكم عالم الغد؟تحاول بعض الحكومات التي تعتمد على إيرادات النفط الآن حماية العائلات والصناعة من نفس الأسعار التي تعتمد عليها ماليتها العامة.

ففي البرازيل أعلنت الحكومة عن تدابير لامتصاص أثر ارتفاع الأسعار العالمية للنفط. هذا أمر مفهوم في الأجل القصير، لكنه تجسيد واضح لتفكير لا يستقيم ويشكل فخَّا في الأجل الطويل.

لا تقضي الطاقة المتجددة المحلية على كل مصدر للمخاطر، لكنها تقلل التعرض لآثار الحروب البعيدة وقفزاتِ الأسعار الخارجية ونقاط اختناق الشحن البحري. إنها تمنح البلدان مزيدا من السيطرة على النفقات الأساسية لتنمية اقتصادها.

نحن لدينا الآن إطار عملي بقدر أكبر للكيفية التي يمكن أن ينجح بها هذا التحول. إنه ليس دعوة إلى إغلاقات فورية (لمحطات كهرباء الوقود الأحفوري)، ولكنه دعوة إلى استراتيجية تتفاوت حسب كل حالة.

لدى بعض الشركات بما فيها بتروبراس البرازيلية وايكوبترول الكولومبية ما يكفي من قدرة هندسية ومكانة في السوق وبيئة سياسات وبنية تحتية للانتقال بوتيرة أسرع إلى الوقود منخفض الكربون والكهرباء، وللتخلص من الكربون الصناعي والبنية التحتية المرتبطة به. وتحتاج شركات أخرى خصوصا في الدول الهشة؛ حيث لا تزال المالية العامة شديدة الاعتماد على النفط إلى دعم عالمي يزيد عما تحصل عليه حاليا.

بلدي البرازيل -بوصفها مهندسة خارطة الطريق الدولية للتحول بعيدا عن الوقود الأحفوري والتي من المقرر تقديمها في مؤتمر المناخ «كوب 31» لاحقا في هذا العام- تقود تجربة التخطيط المالي والصناعي الأكثر أهمية في هذا العقد. وستُحسِن شركات النفط الوطنية وحكوماتها المضيفة صُنعا إذا انخرطت في هذه التجربة (بمعنى إذا استثمرت أموالها في التحول إلى الطاقة النظيفة والصناعة الحديثة- المترجم) قبل اختفاء الفرصة المتاحة لها حاليا.

البلدان التي تحدِّد ازدهار الحقبة القادمة لن تكون تلك التي استخرجت الكميات الأكبر من النفط والغاز، بل ستكون تلك التي استخدمت إيرادات اليوم لبناء شيء أكثر مرونة وأكثر تنافسية واستدامة من الاعتماد على الوقود الأحفوري.يقول الناس: يجب عليك إصلاح سقف بيتك عندما تكون الشمس مشرقة.

هذه استعارة مناسبة لشركات النفط الوطنية؛ فقد تكون هذه هي المرة الأخيرة التي يتمتع فيها المنتجون بكل من التدفقات النقدية والفضاء السياسي اللازمَين للإعداد بشكل جاد لما سيأتي.

جان بول براتس الرئيس التنفيذي السابق لشركة النفط الوطنية البرازيلية «بتروبراس» وعضو سابق في مجلس الشيوخ البرازيلي والرئيس الحالي لمركز الأبحاث البرازيلي «سيرني»

الترجمة عن الفاينانشال تايمز