No Image
بريد القراء

من لا يعرف قواعد الزمن

04 يونيو 2026
04 يونيو 2026

الكثير من الناس يدّعون معرفة أسرار "الزمن"، ويحلفون أغلظ الأيمان بأنهم بشر ذوو دراية كافية بفهم أمور الحياة دون غيرهم، ويتفاخرون بأن لديهم القدرة الكافية لكسب جميع "الجولات والصراعات والنزاعات" التي يخوضون معتركها، ولا يعترفون بمبدأ أن في الحياة يومين، يومًا لك وآخر عليك، ولا يتحدثون عن حجم خسائرهم أو فقدان القوة.

لذلك تجدهم أكثر الناس استعدادًا لامتصاص قسوة الأقدار وشدتها، وهم في واقعهم الخفي أشخاص "ضعفاء نفسيًا"، لكنهم يستمدون قوتهم من غلظة أصواتهم وجهرهم بأن الأمور تسير على ما يرام!

في كل مرحلة زمنية أنسلخ من جلدتها، أجد نفسي أكثر تقبلًا لأفكار وحِكَم قيلت منذ زمن، ومنها: "من يظن أنه فاز بإيذائك، لا يعرف قواعد الزمن!".

هذه العبارة أخذت مني وقتًا طويلًا في استيعابها، فالذي يؤذيك لا يفكر في الغد، يؤذيك لأنه لا يهتم كثيرًا بما سيحدث من مستجدات في وقت لاحق، جل تفكيره ينصب على وقته الذي يعيشه الآن، أما بعد فلا يهم! .. برأيي منطق لا مبرر له، لكنه منهج آدمي يسير على خطاه الناس لبلوغ غاياتهم.

من أصعب الأشياء التي تغزو عقول البشر قدرتهم على "خداع أنفسهم بالكذب"، فهم بارعون في صناعة الوهم حتى لو كان ذلك على حساب الموت الذي يفرون منه، ويظنون على الدوام بأنهم يعرفون كيف يديرون قرص الشمس، ويوجهون عجلة الزمن لصالحهم فقط، لكن هذا "وهم خادع" لا صحة له مطلقًا، فالإنسان مهما بالغ في قوته وحكمته تظل الهزائم والخسائر تلاحقه، ليس بالضرورة في نفسه، ولكن في أقرب الناس إليه، فتكفيه كسرة النفس التي يشعر بها من شدة الألم.

قد تكون الحوادث والمواقف أكبر معلم للبشرية، والعجيب في الأمر أنه إذا ما تعرف الإنسان على ضعفه، أدرك مكانته بدقة في هذا العالم، والحقيقة الكاملة تقول: "البشر ليسوا دائمًا يكسبون المعارك التي يخوضونها بتخطيط منهم، لكن ربما الدروس المستفادة تأتي بمحض الصدف، عندها فقط يدرك الأغبياء بأن لا أمان أو استقرار في ضفة الواقفين أمام محطة الزمن لعبور الحياة في قطار العمر".

دعونا نتحدث عن المفارقات في حياة البشر، فالإنسان يتعلم القدرة على الكلام في مراحل مبكرة من عمره، لكنه لن يتعلم الصمت إلا بعد سنين مديدة وتجارب عديدة من الهزائم، حرفيًا الوقت المستقطع يأتي عندما يعانق النضج البشري قيمة الصمت وأهميته في السكون النفسي، فكل الهراء والغطرسة يتلاشيان تمامًا في الوجود عندما تتلاشى أدوات الغرور.

من قواعد الزمن أن الكأس الفارغ لا يمتلئ من نقطة واحدة، كذلك الإنسان العاقل لا يغضب من كلمة صغيرة، إنما القصة الكاملة تبدأ وتنتهي بجملة من التراكمات المتراصة كالبناء العالي.. حالة التوهان والاضطراب النفسي يمكن أن تهدأ قليلًا بكلمة طيبة، عندها نصغر زمنًا من أعمارنا.. بالمقابل يمكن أن نكبر ألف عام ونيف؛ لأننا نحمل في داخلنا ثقل السنين مع كل كلمة موجعة تترسب في القلب والعقل، قد تكون الحياة عبارة عن فلسفة وجودية ونظريات متجددة، لكن يخطئ من يظن بأن الكلام لا قيمة له في تهدئة النفوس وفهم أفكار الغير وتحديد المسارات الصحيحة.

إن الإنسان كائن متأخر بعض الشيء في فهم بعض المفاهيم الصعبة التي يخرجها من دولاب الزمن، ورغم هشاشة الأفكار وتغيرها فإنها قادرة على رفع سقف التوقع عاليًا، ويمكن أن تطرح الأفكار الهدامة الإنسان أرضًا دون رحمة إذا لم يستطع استيعاب التغيرات التي يصطدم بها أثناء عبوره في الحياة.