No Image
بريد القراء

الأخلاق جوهر نقي يسكن أعماقَ القلب

04 يونيو 2026
04 يونيو 2026

" العاقل الفطن هو من فهم بأن الأخلاق هي الحقيقة العارية التي لا يسترها ليل ولا يُجمّلها نهار، قد تخدع الناس بذكائك، وتبهرهم بقولك، لكنك لا تنجو من نفسك حين تختبرك المواقف، ستظهر بوجهك القبيح أمام الناس لا محالة".

هذه العبارة كثيرًا ما نراها في تدوينات المدونين والمغردين، في نظري اختياراتهم موفقة لأنها تلامس واقعًا مهمًا في حياة الإنسان والأمم، وقد صدق أمير الشعراء أحمد شوقي حينما قال:

إنّما الأمُمُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ

فإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أخلاقُهُمْ ذَهَبُوا

الإنسان الصالح يعرف منذ البدايات بأخلاقه، فإما أن تكون أخلاقه جذورًا ثابتة في مواقفه، أو قناعًا يسقط عند أول ريح تهب عواصفها عليه فيكشف الله أمره.. هذا الذي يقوله الواقع وتؤكده التجارب، فمن تخلى عن أخلاقه سقط من عيون الناس وانزوى وحيدًا، ومن سما بها فقد دخل إلى قلوب ملايين الناس وسكن فيها إلى الأبد، والمواقف أيضًا هي التي تظهر أخلاق الناس وتكشف الصادق والمخادع.

يقول أحد الأدباء: "الأخلاقُ ليست مظهرًا نتزين به أمامَ الناس، بل جوهر نقي يسكن أعماقَ القلب، ويظهر في الأفعالِ قبلَ الأقوال. فما أجملَ أن يكون الإنسانُ مرآةً للصدق، والتواضع، والرحمة، والإحسان... فبالأخلاقِ تُبنى النفوس، وتزدهر المجتمعات، فكن أيها الإنسان جميلًا بأخلاقك، فالجمالُ الخلقي لا يشيخ ولا يزول".

هذا ليس قولًا عاديًا أو وصايا عابرة تذكر ثم تنسى، إنما نمط حياة يجب أن يُتبع، فالإنسان الذي يتمسك بدينه وآدميته يكون شخصًا مختلفًا عن الآخرين، فالأخلاق التي يتربى عليها الشخص، والفضائل التي يمشي على نهجها تجعل منه إنسانًا رائعًا ومتآلفًا مع كل ما يحيط به سواء مع أشخاص يعرفهم أو لا يعرفهم، لأن القاعدة التي يمشي عليها لا تفرق ما بين القريب أو البعيد، لكن تفرق ما بين الصدق والزيف في التعامل مع الغير.

بتُّ لا أندهش كثيرًا من سلوك بعض الناس وما يصدر عنهم من أفعال لا تمت إلى الأخلاق التي ننشد سريانها أو شيوعها بين الناس، فالإنسان ابن بيئته، وإن كنت أختلف مع هذه العبارة لأن بعض البيئات الصالحة يخرج من بينها عناصر "شاذة" لا تعكس سلوك أهلها.

أصبحنا نجد أشياء مخالفة للوضع الطبيعي الذي يجب أن تكون عليه، فليس كل من أطال السجود كان ناسكًا متعبدًا أو صادقًا في إيمانه، ولا كل من أكثر الحديث عن القيم كان ملتزمًا بها، فالناس -كما يقال- لا تعرف بكثرة الكلمات والخطب المنمقة، ولا بحلاوة الصوت وعذوبة النشيد، ولا بالمظاهر التي تبهر العيون، وإنما يعرف الشخص في الأوقات التالية: "تسافر معه.. يظهر صبره أو ضيقه، تتاجر معه.. تختبر أمانته، تقرضه أو يقرضك.. فينكشف وفاؤه".

يقول الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: "من غضب منك ولم يفعل فيك شرًا، اختره صاحبًا لك، فالغضب يفضح طينة البشر".

الأصل في الأشياء الحالية أن الأقنعة المزيفة تسقط كأوراق الشجر مع الوقت، ويظهر المعدن الأصيل، فالخلق الرفيع ليس مشهدًا يعرض على شاشات العرض لينبهر به الناس، بل موقفًا يختبره الواقع وتثبته التجارب".

في القرآن الكريم ثمة آية عظيمة نزلت في سورة القرآن الكريم جمعت مكارم الأخلاق حيث يقول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، وفي السنة النبوية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

تكشف لك المواقف مكانك الحقيقي في حياة الآخرين، وتُظهر من يقف بجانبك في أوقات الشدة ومن يتخلى عنك، وهذا معناه أن الجانب الجميل في الأوقات الصعبة تظهر لك الأرواح الزائفة، فلا تبقى بقربك بل تتوارى فينكشف أمرها بسهولة، فمن كان لديه أخلاق فاضلة لن يخذلك أو ينفر منك، بل تجده سندًا وعونًا لا ينكسر أو يختفي.