No Image
ثقافة

ثم سمعت أبي يبتسم

03 يونيو 2026
زياد خداش
03 يونيو 2026

عزيزي أبي،

أرسل لك هذه الرسالة من عالمي الآخر، أعرف كم سبب لك استشهادي الألم، لكني أعرف أنك فخور بي، وتفهم دوافعي، وتعرف تمامًا أن لحظة الحسم داخل كل فلسطيني، حين تحين، لا تستطيع قوة أخرى تعطيلها، حتى لو كانت هذه القوة هي قوة العاطفة العائلية. ما فعلته يا أبي هو من أجل حياة كريمة وجميلة لطفل فلسطيني غيري يكبر الآن في كل مكان في فلسطين.

هل تذكر يا أبي حين مررنا معًا عن مطار قلنديا، وأنت توصلني بسيارتك إلى المدرسة، وبدرت مني تنهيدة عفوية استغربتها أنت، وسألتني: ما هذه التنهيدة الطويلة يا بني التي لا تليق بفتى صغير لم يعرف بعد هموم الحياة؟

لم أجبك حينها بشكل كامل، اكتفيتُ بأن أشرت لك إلى المطار هامسًا:كلما مررتُ من هنا أشعر بغصّة.

في كل مكان في فلسطين هناك مصدر لغصّة سببها الاحتلال، هكذا أجبتني حينها، ولحظتها شعرتُ برغبة في عناقك يا أبي، وظلت جملتك تنمو في قلبي. لطالما اعتبرتك ملهمي وبوصلتي، لذلك أحببت النجارة وهي مهنتك، وأردت أن أصبح نجارًا مثلك. كنت أراقبك وأنت تصنع من الخشب طاولة أنيقة أو مكتبة، وأتذكر مرة قلت لي إنك تستمتع في تحويل الأشياء البسيطة إلى أشياء جميلة ومفيدة.

ظلّت هذه الصورة في ذهني، أسترجعها وأتخيلها إلى أن استخدمتها في سياق آخر:أريد يا أبي أن أحوّل مشاعري البسيطة تجاه بلادي إلى مشاعر ناضجة ومفيدة.

ابتسمتَ وربتَّ على كتفي.

كنتَ تقول لي باستمرار إني ذكي ولمّاح، سجلتني في مدرسة سخنين التابعة لبلدية القدس، وحين اشتريتُ هاتفًا جوالًا استغربتَ أنت، وحين علمتَ أني ادخرتُ ثمنه من مصروفي ابتسمت. كانت ابتساماتك وقودًا رائعًا ليومي.

وحين بعتُ الهاتف الجوال، واشتريت بثمنه حقيبة مدرسة و(جاكيت) ومنافض لك وصينية قهوة لأمي، احترتَ في أمري وقلت:أنا لا أفهمك يا بني، تفاجئني دائمًا بمواقف غير متوقعة، لكني سعيد بوجودك في حياتي، وأعرف أنك تتحمل المسؤولية باقتدار.

أتذكر يا أبي يوم استشهادي؟متأكد أن كل تفاصيله في قلبك، وأنت توصلني بالسيارة. أحببتُ أن أشتري لك شيئًا تأكله، أعرف أنك كنت تعشق شاورما الدجاج، لكن للأسف كان المحل مغلقًا، فقد أغلقه الاحتلال متهمًا صاحبه بالانتماء إلى بلاده.

معك حق يا أبي، كل مكان في البلاد يسبب الاحتلال لنا فيه غصّة.

فلم أجد سوى محل صفائح اللحمة، اشتريت لك اثنتين، وفورًا شعّت ابتسامتك في وجهي، ابتسامتك التي أنتظرها، ابتسامتك الملائكية الخالية من الكلام، لكن فيها كل كلام الكون.

ستغفر لي أكاذيبي يا أبي، أليس كذلك؟

يوم كذبتُ عليك مدعيًا أني ذاهب لأشتري البندورة، وخرجتُ لسبب آخر بالتأكيد استنتجته الآن. وحين رفضتُ طلبك في تقليم شجر البيت، صُعقتَ أنت من رفضي، فأنت تعرف أني لا أرفض لك طلبًا.

وكانت آخر لحظة معك يا أبي حين قلت لك كاذبًا:هأنذا ذاهب لأحضر المفتاح من بيت عمي.

فخرجتُ ولم أعد إلى البيت أبدًا.

أتذكر بوضوح شديد ابتسامتك الأخيرة قبل أن أخرج، وأنت تنحني على صحن الملفوف، أعرف أن الابتسامة كانت لي وحدي، لخروجي الغامض المربك من البيت، لأكاذيبي، لمفاجآتي غير المتوقعة، ولوجودي الحلو في حياتك.

في المشفى رأيتك يا أبي، نعم الشهداء يرون. كنت فوق جثتي حائرًا، محدقًا في وجهي، مضطرب العيون دون ابتسامة، وسمعتك وأنت تقول لعمي:

«حسام الوحيد الذي يعرف مكان الأوراق التي كتبتُ فيها وصيتي، اخترته وحده لتسبيلي عند وفاتي، فسبحان الله.»وسمعت صوتك يا أبي، بوضوح سمعته، وأنت تنشد كلمات محمود درويش:

«الشهيد يحذرني:لا تُصدّق زغاريدهنَّ

وصدّق أبي حين ينظر في صورتي باكيًا: كيف بدّلنا أدوارنا يا بنيّ، وسرتَ أمامي؟

أنا أولًا...أنا أولًا».

ثم سمعتك يا أبي تبتسم.