ثقافة

د. عبدالله مليطان: بالأرشيف أنقذ كاتبًا أو أنصف حقبة أدبية طواهما النسيان

03 يونيو 2026
يحبُّ أن يقدِّم نفسه بصفة الباحث
03 يونيو 2026

* أثناء بحثي في الماضي أدركت أن الليبيين ليسوا "منقطعي الجذور"

* دراسة فلسفة الحضارة منحتني قدرةً أعمق على النظر إلى الثقافة

* ألزمتُ نفسي دائماً بالتحري والدقة حتى يكون عملي موضوعيًا

*واجبي تسجيل الوقائع والأهم الإسهام في إبقاء الذاكرة الليبية حية

* أحمد رفيق المهدوي سبق السيَّاب والملائكة إلى التمرد على الخليل

* تألق الروائيين الليبيين الجدد لا يلغي ريادة إبراهيم الكوني أو تأثيره

يأخذ الكاتب والأكاديمي الليبي الدكتور عبدالله مليطان على عاتقه مهمة التقليب في الأرشيف الليبي بحثًا عن النفائس. العناية بالأرشيف، بالنسبة له "واجب أخلاقي" قبل أن تكون جهدًا بحثيًا. في اللحظة التي تلمس فيها يده وثيقةً مهملة، يشعر بنبض الحياة لأنه ينقذ كاتبًا طواه النسيان، أو ينصف حقبةً أدبية تكاد أن تنمحى من الوجدان.

الأرشيف أيضًا جعله يدرك أن الليبيين ليسوا "منقطعي الجذور" -كما يقول- وأن الحركة الأدبية الليبية هي سلسلة متصلة من العطاء الفكري يستحق أن يُصان.

بجانب التأريخ فإن لمليطان كذلك اهتمامات بالفكر والثقافة وقضايا المجتمع الآن، ومن بين أعماله الغزيرة "الحقيقة السبئية وعمق صلتها بالفكر الشيعي"، "الثورة الجزائرية في القصة الليبية القصيرة"، "مدونة المسرح الليبي"، "قبلة فاطمة وعتاب عائشة"، "القاهرة في البال.. مصر في الشعر الليبي"، "معجم الأدباء والكتَّاب الليبيين المعاصرين" "الشعر الليبي الحديث". هنا حوار معه حول عطائه الثقافي المتنوع.

-ماذا يعكس عنوان الكتاب الذي صدر عنك وهو "جبرتي الثقافة الليبية"؟

بالطبع لست في مقام المؤرخ الكبير عبد الرحمن الجبرتي أحد مَن اعتنوا بتاريخ مصر، والشاهد على أدق مفاصل تاريخها، وهو ما سطر بعضًا منه في كتابه الشهير "عجائب الآثار في التراجم والأخبار".. إلا أن الصحفية والكاتبة المصرية ولاء عبد الله أبوستيت بعد اطلاعها على مجموعة من كتبي التي تناولت المشهد الثقافي الليبي تنبهت إلى أن ثمة اهتمامًا مشتركًا بين الجهد الكبير للجبرتي ومحاولاتي المتواضعة في الاهتمام بالشأن الثقافي الليبي فوصفتني بهذا الوصف، في وقت أرى فيه أن ثمة أسماء كثيرة في المشهد الثقافي الليبي أجدر بهذا الوصف نظير جهودهم في التأريخ لليبيا والتعريف بتراثها وآدابها.

-هل لقب المؤرخ أم الناقد أم الإعلامي أم الأديب أم الفيلسوف الأقرب إليك؟

كل هذه الألقاب لا تروق لي، الألقاب عمومًا لا تعنيني لكن إن ثمة ضرورة لأقدم نفسي بصفة فأنا باحث يسعى إلى العمل على تقديم إضافة للمشهد من خلال حفرياتي في النفائس الليبية في إطار سعيي إلى رصد وتوثيق الحركة الثقافية الليبية ورصد نتاج كتابها وأدبائها.

-ولماذا أخذت على عاتقك مهمة توثيق الحركة الثقافية في ليبيا؟

أولًا لأنني أعرفها وأتابع تفاصيلها ولي فيها مساهماتي المتواضعة، وثانيًا لتعثر مؤسساتنا الثقافية الرسمية في القيام بهذه المهمة، وأيضًا لحاجة المشهد الثقافي الليبي إلى هذا العمل الذي يرصد الواقع ويسهم في إتاحة الفرصة أمام الدارسين والنقاد للالتفات إلى المشهد الليبي وتتبع مساراته.

-أصدرت عدة معاجم.. هل هناك ما ترى أنك تريد إكماله في هذا المشروع؟

معاجم التراجم من الكتب المفتوحة التي تظل مشرعة أمام الإضافات المستمرة ما لم تكن محددة بزمن معين، وتبعًا لذلك نجد أن كثيرًا منها إن لم يعد إليها صاحبها لتنقيحها ينبري لها غيره فيضع ما يُسمَّى بالذيل أو المستدرك عليها ولعل أبرز وأحدث تلك المستدركات والتتمات ما حصل مع كتابيِّ "الأعلام" لخير الدين الزركلي و"معجم المؤلفين" لعمر رضا، حيث خصَّهما محمد خير رمضان يوسف بتتمات، ملتزمًا بمنهج مؤلفيهما. أنا شخصيًا أشتغل على استكمال معجمي القصة والشعر اللذين سبق وأن أصدرتهما في طبعة ثانية عام 2008 في ثلاثة مجلدات لكل منها، لتكون بالإضافات التي طرأت على المشهد في ستة أجزاء لكل معجم، وهو ما يحدث مع معجم الأدب الشعبي الذي سيصدر بعون الله في ثلاثة مجلدات مع تصويبات أيضًا بعد أن صدر منذ سنوات طويلة في مجلد واحد.

-عملت بالإذاعة والتلفزيون ورأست تحرير عدة صحف.. كيف استطعت أن توازن بين عملك العام والتزامك الأكاديمي؟ وهل تنظيم الوقت هو ما أسهم في غزارة إنتاجك؟

نعم تنظيم الوقت يساعد على الإنجاز والموازنة بين العمل أو الوظيفة من ناحية وبين الهواية والاهتمام من ناحية أخرى، والحمدلله أن مكنني من توظيف الوقت بما يتناسب وتحقيق ما أصبو إليه في العمل الإذاعي والتلفزيوني وممارسة عشقي للعمل الصحفي بالتزامن مع مواصلة دراستي الأكاديمية وحصولي على الدكتوراه الأولى ومن ثم الثانية، بعدها انتقلت للتدريس الجامعي لأعيد تنظيم الوقت بين البحث العلمي والتدريس الجامعي مبتعدًا عن العمل الصحفي المرهق خاصة كرئيس للتحرير وقد عانيت من هذا الإرهاق خلال رئاستي لمجلة "الإذاعة" وصحيفة "المشهد" ومجلة "الجليس" خلال الأعوام من 1993 وحتى 2010.

-ماذا أضافت دراسة فلسفة الحضارة لشخصيتك؟

منحتني قبل كل شيء قدرةً أعمق على النظر إلى الثقافة بوصفها ظاهرةً تاريخية مركَّبة، لا مجرد نتاجات أدبية أو فكرية متفرقة. فقد تعلَّمت من خلالها أن النصوص والأفكار تنتمي إلى سياقاتها الحضارية، وأن الإبداع الإنساني يتشكَّل دائمًا في تفاعل مع الزمن والمجتمع والذاكرة، كما جعلتني هذه الدراسة أكثر ميلًا إلى التأمل في مسارات الأمم وتحولاتها، وإلى قراءة الأدب والفكر بوصفهما مرآةً لحركة التاريخ وتبدُّل القيم والرؤى. وربما أضافت إلى شخصيتي قدرًا من النزوع إلى التفكير الكلي، الذي يحاول أن يرى التفاصيل ضمن صورة أوسع، وأن يدرك أن الثقافة في جوهرها حوارٌ متواصل بين الماضي والحاضر، وبين المحلي والإنساني العام.

-بمَ ألزمت نفسك وأنت تؤرخ لبلدك؟

حين شرعتُ في التأريخ لبلدي، شعرتُ بأنني أمام مسؤولية معرفية وأخلاقية في آنٍ واحد. لذلك ألزمتُ نفسي أولًا بالتحري والدقة، والاعتماد على ما يتوفر من مصادر ووثائق وشهادات، قدر الإمكان، حتى يكون العمل أقرب إلى الحقيقة التاريخية. كما حاولتُ أن أنظر إلى الأحداث والوقائع بروح موضوعية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الانحيازات الضيقة.. وكنتُ حريصًا أيضًا على أن يكون هذا التأريخ نوعًا من حفظ الذاكرة الثقافية لبلدي، لأن كثيرًا من التجارب والأسماء قد تضيع إذا لم تُوثَّق في وقتها. لذلك رأيتُ أن واجبي ليس فقط تسجيل الوقائع، بل الإسهام في إبقاء هذه الذاكرة حية، حتى تجد الأجيال اللاحقة ما تستند إليه في فهم ماضيها وبناء مستقبلها.

-لماذا أصدرت بعض أعمالك مثل "معجم الأدباء والكُتَّاب الليبيين المعاصرين" على نفقتك الخاصة؟

لأنني كنت مؤمنًا بأهمية هذا العمل في توثيق الحركة الأدبية في ليبيا، ولأن مثل هذه المشاريع التوثيقية غالبًا لا تجد دائمًا دعمًا كافيًا من دور النشر أو المؤسسات الثقافية، لذلك فضلت أن يرى العمل النور ويصل إلى القراء والباحثين، حتى لو تطلَّب ذلك تحمل تكاليف طباعته بنفسي، إيمانًا مني بقيمة التوثيق الثقافي وضرورة حفظ أسماء وتجارب الأدباء الليبيين للأجيال القادمة.

-بماذا فوجئت وأنت تقلِّب طبقات الأرض أو طبقات الماضي، إن جاز التعبير، في بلدك؟

فوجئتُ أولًا بثراء التجربة الأدبية الليبية وتنوعها، وبوجود أسماء وتجارب إبداعية مهمة لم تحظَ بما تستحقه من التعريف والتوثيق. كما دهشتُ من حجم الجهد الذي بذله كثير من الأدباء والكُتَّاب في ظروف صعبة، ومع ذلك ظل إنتاجهم مبعثرًا أو غير معروف على نطاق واسع. هذه المفاجأة جعلتني أشعر بمسؤولية أكبر تجاه التوثيق والبحث، حتى لا تضيع هذه التجارب في زحام الزمن، بل تبقى جزءًا حيًا من ذاكرة الثقافة الليبية وربما تتفاجأ إن قلت لك أن الشاعر الليبي الكبير أحمد رفيق المهدوي نشر في مجلة "ليبيا المصورة" في ثلاثينيات القرن الماضي مقالات نقدية يطالب فيها بالتمرد على قوانين الخليل وقيوده قبل السيَّاب ونازك الملائكة ولديه عديد من القصائد تجاوز فيها كل تلك القيود وهو ما تناولته في كتابي "الشعر الليبي الحديث".

-ما أهم ما توصلت إليه في هذا الكتاب؟

حاولتُ أن أتتبع من خلاله مسار التجربة الشعرية في ليبيا عبر مراحلها المختلفة، وأن أقرأ تحولاتها الفنية والفكرية. ومن أهم ما توصلتُ إليه أن الشعر الليبي عرف تطورًا ملحوظًا من حيث الشكل والرؤية، إذ انتقل من مرحلة التأثر بالنماذج التقليدية إلى البحث عن صوت خاص يعكس تجربة الشاعر الليبي وواقعه الاجتماعي والثقافي، كما لاحظتُ أن هذه التجربة اتَّسمت بتنوع واضح في الأجيال والاتجاهات، حيث ظهرت أصوات حاولت التجديد في اللغة والصورة الشعرية، والانفتاح على الأسئلة الإنسانية الكبرى، مع الاحتفاظ بخصوصية البيئة الليبية وذاكرتها، ولذلك يمكن القول إن الشعر الليبي الحديث هو حصيلة تراكمات وتجارب متعددة أسهمت في تشكيل ملامحه وتأكيد حضوره في المشهد الثقافي العربي.

-هل تشعر بأن ليبيا صارت بعد أحداث سياسية صعبة بعيدة عن الواقع الثقافي العربي؟

إلى حد ما صارت بعيدة وغائبة عن المحافل الثقافية الدولية بحكم الارتباك الحاصل في تعدد الحكومات بين الشرعية والموازية، لكنَّ الأدباء حاضرون في المشهد الثقافي العربي بمشاركاتهم وبالنشر عبر عدد من المطبوعات ودور النشر العربية إلى جانب وصول عدد منهم إلى القوائم المتقدمة في الجوائز العربية.

بهذه المناسبة فوز رواية "خبز على طاولة الخال ميلاد" لمحمد النعاس بالبوكر، ووصول اثنتين أخريين هما "زرايب العبيد" لنجوى بن شتوان، و"حرب الغزالة" لعائشة إبراهيم إلى القائمة القصيرة هل يشير إلى نضج تجربة الرواية الليبية؟

لا شك أنه يمثل مؤشرًا مهمًا على الحضور المتزايد للرواية الليبية في الفضاء العربي. هذا الحضور يعكس تطورًا ملحوظًا في التجربة الروائية من حيث الجرأة في الموضوع، والاشتغال الفني، والانفتاح على قضايا المجتمع والتاريخ.

لكنني أرى أيضًا أن الأمر لا يقتصر على هذه الأعمال وحدها، بل هو نتيجة تراكم جهود أجيال من الكُتَّاب الليبيين أسهموا في ترسيخ هذا الفن وتطويره. لذلك يمكن القول إن هذه الجوائز والإنجازات تشكل علامة مضيئة على طريق نضج الرواية الليبية، لكنها في الوقت نفسه خطوة ضمن مسار ما زال يتطور ويبحث عن آفاق أوسع. وبالمناسبة الحضور النسوي في الرواية الليبية أصبح لافتًا للنظر، إذ إن هناك أصواتًا جديدة بدأت تشكل حضورًا مهمًا في المتن الروائي.

-هل تجاوزت الروايةُ الليبية ما يقدمه الروائي إبراهيم الكوني؟

يظل إبراهيم الكوني أحد أبرز الأسماء في الرواية الليبية والعربية، وقد قدَّم مشروعًا سرديًا متفردًا استلهم الصحراء وأساطيرها وطرح أسئلة إنسانية عميقة، مما جعله يصل إلى قارئ عالمي. لذلك لا أرى المسألة في إطار "التجاوز" بقدر ما هي في إطار "التنوع والتطور"، فالرواية الليبية اليوم تشهد أصواتًا وتجارب مختلفة، تكتب عن قضايا المجتمع والتاريخ والتحولات الراهنة بأساليب ورؤى متعددة، وهذا يثري المشهد السردي ولا يلغي ريادة الكوني أو تأثيره. يمكن القول إن الرواية الليبية تتسع اليوم لمدارس وتجارب متباينة، والكوني يبقى أحد أعمدتها الكبرى.

-أخيرًا.. ما أحلامك للثقافة الليبية؟

أحلم بثقافة ليبية أكثر حضورًا وفاعلية، تُعنى بحفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق الإبداع في مختلف مجالاته، وفي الوقت نفسه تنفتح على العالم وتتحاور مع الثقافات الأخرى. كما أتمنى أن تتوافر للكتَّاب والمبدعين الليبيين مؤسسات ثقافية فاعلة تدعم النشر والبحث والترجمة، حتى تصل أصواتهم إلى القارئ العربي والعالمي، فالثقافة، في نظري، هي أحد أهم الجسور التي يمكن أن تعزز الهوية الوطنية وتُسهم في بناء وعيٍ أكثر اتساعًا بالمجتمع وتاريخه ومستقبله.