سيمفونية الجبل والبحر.. طبول «الرواح» تشق صمت التاريخ في مسندم
02 يونيو 2026
02 يونيو 2026
كتب - أحمد بن خليفة الشحي
تشق ضربات الطبول صمت القمم الشاهقة في «رؤوس الجبال» بمحافظة مسندم، ونستمع إلى نبض التاريخ العُماني وهو يتكلم، في ولايات خصب وبخاء ودبا ونيابة ليما، يولد «فن الرواح» من حوار أزلي صاغته قبائل (الشحوح والظهوريين) ليربط إنسان الماضي ببيئته الجبلية والبحرية، بجلود طُبول صُنعت يدويًا، وبساطة تعكس تلاحمًا مجتمعيًا فريدًا، ينطلق هذا الإرث الثقافي غير المادي من معاقل الجبال ليتصدر الأعراس والمسرات والمهرجانات الوطنية، ويعدُّ هذا الفن حارس الذاكرة وجسر الهوية الذي يغرس في نفوس الأجيال الناشئة قيم الانتماء واللحمة الوطنية، معلنًا بتناغمه المهيب أن للجذور صوتًا لا يموت.
قيم مادية ومعنوية
التقت «عمان» بالدكتور راشد بن محمد حروب الشحي الباحث في مجال التاريخ والموروث الشعبي بمحافظة مسندم حيث أشار في بداية حديثه إلى أن الموروث الشعبي لمحافظة مسندم ينطوي على ما اكتسبه الإنسان فيها وتوارثه من قيم مادية وغير مادية وما تحمله في طياتها ومضامينها من ثقافة واسعة في تعبيرها الذاتي المنبثق عن أهلها أفرادا وجماعات وذلك سواء كان ماديا يتصل برؤية الإنسان لما حوله وتعبيره عنه وترجمته واقعا محسوسا كالبناء والمواقع الأثرية وغيرها أو كان غير مادي كالتعبير الوجداني والذي يتمثل في العادات والتقاليد والعبادات والاحتفالات واللغات والفنون والمهارات والطقوس والمعتقدات التي استمرت بمسيرتها عبر حقب التاريخ راسخة متجاوزة تقلبات الزمن وصروف الدهر، إنه موروث غني ينبئ عن تاريخ عريق أبدعه الإنسان بصور متعددة تتفق مع البيئة وتتفاعل مع الطبيعة فأدى إلى تنمية الإحساس بالهوية والشعور بالاستمرارية بل أكسب الناس الاحترام المتبادل فيما بينهم حتى صار كل موروث يعد فريدا من نوعه ولا يمكن استبداله.
هوية إنسانية وحضارية
ويشير الدكتور راشد الشحي إلى أن المتتبع للتاريخ القديم يستطيع أن يدرك أن كثيرا من مفردات الموروث الشعبي بمحافظة مسندم بمجمله لا يزال مشهدها حاضرا ليومنا هذا في مختلف المناسبات وما هي إلا امتداد واضح لطقوس وعادات وتقاليد كانت مشهودة لدى إنسان محافظة مسندم منذ قدم الأزمنة وذلك تماشيا مع قيمنا وواجبنا تجاه موروثنا ولكونه مكمن الحياة بكل مقوماتها ومكوناتها وأبعادها لما فيها من أشكال التعبير الشفهي وفنون المشاهدة والممارسات الاجتماعية والطقوس والعادات الخاصة بالمناسبات والاحتفالات ومهارات الصناعات الحرفية التقليدية فضلا عن المعارف المتعلقة بالطبيعة والكون والتي تتناقلها الجماعات والأفراد من جيل إلى آخر والتي تعد جزءًا لا يتجزأ من مجمل موروثات الحياة العامة ودليلا يبرهن على عراقة الشعوب ورسوخ جذوره في أرضه ووطنه، آخذين بعين الاعتبار أن ارتباط الإنسان بتراثه وحبه له أدى إلى الديمومة والاستمرارية لما تشمله من عناصر تعتمد على اللغة في ممارساتها اليومية وفي انتقالها عبر الأجيال وهي حصيلة تجارب مكونة للهوية الإنسانية والحضارية.
فن الرواح لغويـًا
يعرف الشحي فن الرواح بأنه من الفنون الموغلة في القدم لبساطة أدائه وفصاحة كلماته حيث يؤدى هذا الفن بدخول قارعي الطبول إلى الميدان بما يزيد عن الثمانية وتصل إلى العشرين فأكثر وهم يأتون بحركات إيقاعية تتماشى مع رنات الطبل بطريقة متزنة مرددين كلمات محددة مع تغير الكلمة الأخيرة حسب الوقت المؤدى به الفن وهو مصطلح يطلق على أربع رقصات الرواح جزء منها وهي (السارح أو السيرح ــ الصادر أو الصودر ــ الرواح و الساري أو السيري) ولكل منها وقته الذي تؤدى فيه ويقام هذا الفن بمختلف المناسبات الاجتماعية كالزواج والختان والعيدين ــ الفطر والأضحى- والمناسبات الوطنية الرسمية على اختلافها.
أقسام فن الرواح
وحول أقسام فن الرواح يقول الدكتور الشحي:
أ/ السارح أو السيرح وقته من الصباح الباكر وحتى الساعة العاشرة أو الحادية عشرة صباحًا، حيث يردد المشاركون عبارات تدل على الوقت ذاته (هو هوسيرحه واهو هو سيرحه)
ب/الصادر أو الصودر: فيبدأ من بعد انتهاء وقت السارح إلى وقت صلاة الظهر، وسميت بهذا لكونها تتصدر وقت النهار، ويرددون المشاركون فيه عبارات (هو هو صودرا واهو هو هو صودرا)
ج/الرواح: وقته من بعد صلاة الظهر إلى المساء أي فترة غروب ورواح الشمس ويردد المشاركون فيه (روح واهو رواح رواح واهو رواح) هو اسم عام يطلق على هذا الفن المتضمن (السارح والصادر والساري والرواح).
د/ الساري أو السيري: وقته من بعد صلاة المغرب إلى وقت الفجر، وفيه يردد المشاركون: «واهو هو سيرياه واهو هو سيريا» جاء في اللغة السري جمع سرى وسراه وسراة وأسرياء: ويقصد بها صاحب الكرم والمروءة والجيد من كل شيء، والسرية يعني سير الليل والسرية: جمع سرايات وسرايا ويقصد بها قطعة من الجيش.
تأدية فن الرواح
يقول الشحي حول طريقة تأدية هذا الفن: «إن أقل عددًا لتأدية هذا الفن هو رجلان أما في الغالب تكون التأدية من قبل صف قد يزيد عن الثلاثين رجلًا حيث يجتمع أصحاب الطبول ويقفون صفًا واحدًا ويكون القرع ثنائيًا أي أن الواقف الأول يضرب ضربة إيقاعية بكف يده ذات نبرة خاصة تسمى (نقشة) ويتبعه آخر بضربة إيقاعية أخرى ذات نبرة مختلفة تسمى (مجامل) وهكذا يتبعه الثالث (بنقشة) والشخص الرابع (مجامل) وهكذا الحال أحد ينقش وآخر يجامل وتكون حركة المؤدون لهذا الفن على شكل دائرة أو يتقدمن خطوة ويتأخرون خطوة ويستمرون الطرق والنقر والضرب لما يزيد عن نصف ساعة من الزمن، فإذا ما أحسوا بالإعياء والتعب تحركوا صفًا واحدًا وهم يرددون قولهم (واهي هو) ختام.
ويؤكد الدكتور راشد بن محمد حروب الشحي أحد المهتمين في مجال التاريخ و الموروث الشعبي بأن الموروثات الشعبية جزءا من الهوية الوطنية والعربية ويجب العمل على مشاركة أوسع للجماعات والأفراد الذين يبدعون في مفردات تراث الحياة الاجتماعية ويحافظون عليه وينقلونه للأجيال القادمة بالإضافة إلى إشراكهم بمختلف الفعاليات والتأكيد على أهمية البرامج التثقيفية والتوعوية الموجهة للجمهور، وكذلك إعداد مقررات وبرامج تعليمية وتدريبية بالموروثات الشعبية والرياضات التقليدية والحث كذلك على إعداد البحوث والدراسات وإقامة المؤتمرات والندوات والمعارض على المستوى المحلي والإقليمي والدولي الهادفة لتعزيز العمل على إحياء هذا النمط من الحياة وموروثاتها من أجل الحفاظ عليها وأخيرا إنشاء متحف بمحافظة مسندم يقوم على جمع مفردات الموروث الشعبي ومختلف الجوانب التاريخية والأثرية والتراثية الشعبية وتصنيفها ليمثل جانبا مهما من تراث وحضارة هذا الوطن الغني عن التعريف بموروثاته وحضارته الضاربة في التاريخ.
