ثقافة

كيف نقرأ «السرود» العابرة للأجيال؟

30 مايو 2026
30 مايو 2026

إيهاب الملاح 

Image

(1) 

على مدى ساعتين أو يزيد اشترك كاتب هذه السطور في واحد من اللقاءات الثقافية الكبرى التي تقبع في الذاكرة لفترة طويلة؛ لقاء ينقش أثره في الروح والعقل بحضوره وموضوعه وخصوصية أطرافه جميعا. كان لقاء خصبا ثريا استمعت، واستمتعت، بحديث «الناقد» كما يجب أن يكون، الحديث العميق الرائق الموزون، وتعلمت منه كما العادة، وكما أتعلم منه دائما، كيف تعبِّر عن أفكارك بلغة فريدة وصياغات مخصوصة تليق به مفكرا بالنقد، وحكيما متأملا، وعارفا بنصوص نجيب محفوظ، ومؤولا لها من طراز رفيع.. 

عن مناقشة كتاب «مملكة الله ـ نجيب محفوظ في أولاد حارتنا» أتحدث، الكتاب للناقد الكبير محمد بدوي؛ صاحب الحدوس المدهشة والاستبصارات الرهيفة المتقنة بالنصوص الأدبية عمومًا، ونصوص نجيب محفوظ بالأخص. 

هذا الكتاب (الأول) الذي طال انتظاره كثيرًا؛ وصدر أخيرا قبل أشهر قليلة عن دار العين بالقاهرة؛ هو الحلقة الأولى من مشروع كبير، ضخم، ممتد، يتناول نصوص نجيب محفوظ وقراءتها وتأويلها وقد أطَّر لها بدوي بمدخل مهم وعتبة تمهيدية ضرورية بعنوان «سردية نجيب محفوظ» صدر عن دار المعارف بالقاهرة قبل ما يزيد على العام ونصف العام تقريبا. ذلك الكتاب الوجيز صغير الحجم عظيم الفائدة والقيمة، يمكنه عدّه كما قال هو نفسه «مجرد وطء للعالم الشاسع والفريد للأديب الكبير»، أو هو بعبارة أخرى، مقدمة للحديث عن محفوظ، عالمه ومنجزاته، سروده وحكاياته، رواياته وقصصه وحواراته وذكرياته.. إلخ.(2) 

قرابة ربع القرن إن لم يزد؛ استغرقها الناقد القدير محمد بدوي في العكوف على نصوص نجيب محفوظ، وقراءتها وإعادة تحليلها و«تأويلها»، رحلة طويلة للغاية لكنها مثمرة أيضًا ومتميزة ومختلفة كل الاختلاف عما أنتج عن نجيب محفوظ ونصوصه طوال نصف القرن المنصرم. فخلال الفترة من 1995 إلى 2025 كان صاحب «الرواية الحديثة في مصر» يعيد وعلى مهل وبتأن شديد، قراءة محفوظ واستيعابه وتمثل مشروعه الروائي والإنساني؛ أو كما كتب هو بنصه: 

«نبدأ من النهاية، من حيث أنهى الكاتب الكبير متنه الكبير، فكتاب نجيب محفوظ قد انغلق، لينفتح على التأويل والقراءة. ونحن نبدأ في برهة بعينها، تجعل ما نقوله عنه مصابًا بالمعاصرة التي تأخذ حينًا شكل الحجاب الذي يموه على النظر، وحينًا شكل الميزة، فكلام المعاصرين عن المعاصرين، دائمة، يتلون باللحظة وأطيافها، فيجيء، كاشفًا عن تورط الخطاب لتورط منتجه فيما تموج به اللحظة. 

بعد حين، قد يجيء آخرون لينسجوا خطابًا عن كتاب محفوظ، فيخضعوه لمعضلاتهم و«روح عصرهم». قد يقرظونه كما نقرظه، وقد يسلقونه بألسنتهم، بل قد يتجاهلونه تمامًا، فيتجمد، بل قد يبدو للبعض أنه دخل محاقه، ومات. آنذاك يبدأ الناس في التنقيب عن أدبٍ آخر، لكاتب آخر همَّشه أدب محفوظ، لكنه ظل هناك كامنًا ينتظر نداء من يناديه، ويحرِّره من موت الكتابة». 

في كتابه الصادر في ديسمبر 2024 بعنوان «سردية نجيب محفوظ»؛ يكشف بدوي لقارئه حدود مشروعه وأبعاد هذا المشروع في كلمته (قبل أن تقرأ) يقول: 

«أحاول في هذا الكتاب الوجيز، أن أفهم بعضًا من تجربة نجيب محفوظ، الكاتب والمواطن». 

لقد مثَّل محفوظ في تاريخ الأدب المعاصر ظاهرة يجب أن نتأملها جيدًا، الطفل الذي كان يجري وراء عربات الرش في شوارع حي الجمالية وأزقتها، كيف استطاع أن يحقق هذا المجد كله، بدءًا من التأسيس الحقيقي للرواية، حيث نجح في إنتاج صورة للواقع، الذي ظل في حالة من التكون والتغيير، لا تكتمل ولا تنغلق، ثم الدخول إلى الرواية التي تكتب «الفكرة»، وصولًا إلى الكتابة التي تتجاوز ما يسميه «أجرومية الرواية» إلى الكتابة غير النوعية، عبر الشذرات، والأحلام، وأحلام اليقظة، في كتبه الأخيرة، الواقعة في منطقة بين الأقصوصة وقصيدة النثر. 

(3) 

وعليه، فإن هذا النص الموجز الصغير بعضٌ من عمل محمد بدوي الكبير عن نجيب محفوظ، ويركز أساسًا على وقائع «التكوين»، كيف أنتج المجتمع كاتبه، كيف صاغه، وأعده ليكون المتحدث باسمه، مع الإصرار على أن يظل صوته مزدوجًا، يعبر عن الجماعة، وينقدها، وفي الوقت نفسه، يكتب ذاته ورؤاه حول الوجود الإنساني بتعقيده والتباسه، وكيف كانت سجايا محفوظ ورؤيته لذاته عاملًا مهمًّا في خلق «سردية نجيب محفوظ» المواطن والكاتب، أو الإنسان والفنان». 

هذا الكتاب الوجيز والصغير، يمكنه عدّه مجرد وطء للعالم الشاسع والفريد للأديب الكبير، أو هو بعبارةٍ أخرى، مقدمة للحديث عن محفوظ، عالمه ومنجزاته، ويمهد الطريق -كذلك- للكتب والدراسات التي حددها بدوي فيما يلي: 

(1) «مملكة الله ـ دراسة في السرد الروائي والسرد المقدس ـ قراءة في أولاد حارتنا»، 

(2) «مملكة الله ـ ملحمة الحرافيش» 

(3) «مدارات محفوظية: دراسات عن «الكلام المحفوظي» والنوع الروائي وكتابة الذات»، 

(4) وأخيرا «الفرائس والحملان: قراءة في زقاق المدق». 

هذه الكتب يتجاوز بعضها 400 صفحة. وكتاب «سردية نجيب محفوظ»، مقدمة من مقدماتها، وجميعها قيد النشر، وقد صدر الكتاب الأول منها بالفعل كما نوهنا أعلاه. 

انطلق بدوي في مقاربة نصوص محفوظ وقراءته من موقف أساسي اعتبر فيه محفوظ نفسه بطلا كأبطال رواياته؛ بطلًا استطاع أن يلمح نموذج الرواية، والتي أصبحت في عصرنا الحديث مرآة للمجتمع، إذ تُقدم لنا الصورة المتكاملة المعقدة لقضايا الوجود البشري وتعقيداته وآلامه وعذاباته وشكوكه، وقد كان محفوظ في مرحلة من مراحله واعيًا بهذا، حتى وإن كان هذا الوعي غير مُصاغ في مفاهيم بعينها، لكن رغم أن «البطل» هو خلاصة الجماعة وتكثيف لأهم ما فيها، إلا أنه لا يمكنه أن يصل بمشروعه وبطولته إلى منطقة أن تتبناه الجماعة كبطل، إلا في حدود شروط مواتية، فمحفوظ له عبارة شهيرة كان يقولها ضاحكًا وساخرًا وهي: «أنا نجيب محفوظ»؛ إذ كان يقصد بذلك ما قصده بدوي بالظروف المواتية التي ساعدته، فقد ولد داخل منطقة تتكثف فيها معظم سمات الهُوية القومية العربية والإسلامية؛ وهي «القاهرة الفاطمية»، كما أنه ينتمي إلى المصريين السُّنة الذين هم أغلبية ساحقة من المصريين، وهذا معناه أنه تشرب كثيرًا من نظرة هؤلاء المصريين إلى العالم، واستطاع أن يختزن ويعبر عن أحلامهم وأشواقهم. 

(4) 

وهكذا خدم الحظُّ محفوظَ نفسه، كما يقول بدوي، وذلك لأنه وُلد في سياق دستور 1923، أو في سياق ثورة 1919 وهي التي نعرفها في التاريخ المصري الحديث باعتبارها لحظة صعود طبقة «الأفندية»؛ وهؤلاء هم المتعلمون وخريجو المدارس الحديثة، لذلك كان من حظ نجيب محفوظ الحسن -أيضًا- أن شبابه ترافق مع مولد الجامعة المصرية (1925) وهي «جامعة القاهرة»، وأنه درس الفلسفة والاجتماع وعلم النفس، فأصبح من الكتاب القلائل المصريين المعدّين بدور الكاتب، فمحفوظ استطاع أن يضع يده على شيء جديد، وهو نمط الكاتب الذي لا يحكي فقط «حكايات»، لكنه يناقش قضايا؛ أي الكاتب المفكر صاحب الرؤية، والذي يقدم أطروحاته حتى لو صدم بها مجتمعه وجماعته. 

في كتابه الأول «مملكة الله ـ نجيب محفوظ في أولاد حارتنا»، قرأ بدوي الرواية المثيرة للجدل في ثلاثة سياقات؛ في سياق أعمال مؤلفها الطويلة والقصيرة أولًا، وفي سياق السرود المقدسة في أرشيف الأديان التوحيدية بمختلف تجليَّاتها ثانيًا، وفي سياق الواقع الذي أنتج كاتبًا مغامرًا، أَقْدَمَ، مأخوذًا بسحر الكتابة، على تخيُّل تاريخ البشر كما صاغته هذه السرود، ليكون «الماضي» قابلًا للاستدعاء من أجل حلم لم يتحقق قط، ولكنه «يجب» أن يظل قادرًا على العيش فينا. 

إيهاب الملاح كاتب وناقد مصري 

Image