ثقافة

النخلة هذه الكريمة برطبها الحلو

30 مايو 2026
30 مايو 2026

Image

منذ نحو شهر والناس يتباشرون بتقديم أنواع من رُطب النخيل الذي ينضج ثمره في موسم القيظ مع دخول فصل الصَّيف في عُمان، وغيرها من البلدان الحارَّة التي تشتهر بزراعة النخيل، وشدَّة الحرِّ تجود بأطيب الثمر، وفي مثل هذه الأيام يتقدم الرطبُ في موائد القهوة على التمر المحفوظ في الأكياس وأجربة السَّعف، رطب مختلف ألوانه، من أصفر كالنغال والمَنْحِي وجبرين، وأحمر كالبطَّاش والمزناج والخنيزي والخصاب، وكحلي غامق كالنارجيلي والجحالي، ومن طويل كأصبع العروس، إلى ما يشبه ثمار النبق، ومن بيضاوي إلى دائري كحبات المشمش، وإن نمت في أرض واحدة.

في الصباح، ومع نسمات الضحى، وقبل أن تتقد أشعة الشمس، ويتحول التراب إلى رمضاء، أسير بين ضواحي القرية، منقلًا خطواتي في الدروب، المُظللة بالسَّعف في هاجرة النهار، فأستعيد ذكريات مع النخيل، كنخلة «المَنْحِي»، وهي من النخيل المبكرة في نضج الرطب، كما يقول شاعر في قصيدة سيأتي ذكرها: (وكذلك المَنْحِيُّ يأتي أولًا - ويليه ذياكَ «النَّعيمُ» فقد نعَم) وكان جارنا يبشرنا برطبات منه، قبل نضج نخيل «النغال»، ولأن «المَنْحِي» نخلة لا نراها إلا في ضاحية جارنا، فقد كان يقدمها لنا بزهو وامتنان، ويضعها في أيدينا وكأنها حلوى في صحن فضي، كانت صفرة بُسْر المَنْحي تسرُّ الناظرين، ويبدو أن الأصفر الفاقع يخلب اللب، أتذكر نخلة المَنْحِي تلك، كانت من شوامخ النخيل في القرية، وبقيت ترتفع ببطء إلى الأعالي الخضراء، إلى أن كبُر جارُنا في السن، ولم يعد قادرًا على امتطاء جذعها، ثم جاء الجدب وجفت تلك النخلة السامقة، ولم تعد شامخة بعنفوانها إلا في ضفاف الخيال.

ومن النخيل التي لها لمعان في ذاكرتي، نخلة «النغال»، وهي من أكثر النخيل شهرة برطبها الحلو، ومن نوعها نغال لها في وجداني ذكرى من أيام الطفولة، غرسها والدي قريبًا من ساقية الفلج، لتتغذى على الماء في كل مرة يسيل في الساقية، فصارت ترتوي أكثر من غيرها، أتذكر تلك النخلة بعذوقها الدانية، وكنت أقطف رطبها وأنا جالس، وفي كل موسم قيظ كنت أحاول أن ألاحق عذوقها المتدلية، حتى غدت بعيدة المنال عن متناول اليد، ومرة أخرى جاء الجدب، وهجرنا تلك المزرعة، وباع والدي بعضًا من نخيلها الصغيرة، لكنه أبقى تلك النخلة في مكانها، ترتشف النَّدى المتساقط كالبَرَد في الخوص، أو المتطاير عبر النسيم إلى السَّماء.

وبعد نحو ثلاثة عقود من السنين تذكرتها وعدت إليها، فوجدتها قد شاخت، وتفسَّخ كربها من جذعها الهزيل، وأصبحت أشبه بفزاعة، تبدو بسعفها القصير والضعيف مروحة متوقفة عن الدوران، لقد عاشت سنوات طويلة تلاحق النسائم الباردة، لتلطف به خوصها حتى لا يجف، وأخذتُ أعانقها كحبيب لم ألتق به من سنين بعيدة، وسارعت في سقيها بالماء، لكن محاولاتي لها باءت بالفشل؛ فقد وصلت إليها متأخرًا، وجاء سقيي لها أشبه بإسعاف المحتضر بالماء، فأحسست وكأني فقدت إنسانًا عزيزًا، وخيالها يذكرني بأيام كنت ألهو تحتها، وأقطف الرُّطب الأصفر من عذوقها الصغيرة.

ولأن النخلة تسكن الوجدان فقد صاغ فيها الشعراء قصائد كثيرة راسمين جمالها وواصفين حسنها، ومشبهين لها بمحاسن النساء، وكأن النخلة امرأة حسناء. وقد يكتب الشعراء فيها أبياتًا قليلة، أو يشتهر شاعر بقصيدة واحدة في وصفها، كالشاعر النزواني عبدالله بن سليمان النبهاني (ت: 1933م)، فقد خصها بقصيدة كاملة أتحفنا بها الأديب محمد بن راشد الخصيبي (ت: 1990م) في الجزء الأول من كتابه الأدبي المهم «شقائق النَّعمان على سُموط الجُمان»، مطلع القصيدة: (تيهي عُمانُ بكل فَخرٍ مُستتمْ - حِزتِ الفواكهَ والفضائلَ والنِّعمْ).

وفي 45 بيتًا يقدِّم النبهاني وصفًا رائعًا لأنواع كثيرة من النخيل في عُمان، بدأها بفعل الأمر: تيهي، ولهذه المفردة ظِلال من الدَّلال، ومتباركًا بثناء الله عليها في القرآن: (فالنَّخلُ قد أثنى عليها ربُّنا - بكتابه والله أعدلُ منْ حَكمْ)، ووصفها بأنها من فواكه الجنة، حيث النخيل فيها باسقات ذات طلعٍ نَضِيد: (فالنخلُ فيها باسقاتٌ طلعُها - مُتناضدٌ يزهو بأسرارِ الحِكمْ)، وتتهدَّلُ فيها العثاكل: (وإذا بَدت أثمارُها وتهدَّلت - فيها العثاكلُ وازدَهتْ بين القِمَمْ)، وكلما هبَّ النسيم تتمايل جذوعها، وتميس كالحسان الجميلة: (وإذا النسيمُ هناك هبَّ رَأيتها - طرَبًا تميسُ كمثلِ غِيدٍ في حَرمْ)، حتى يَشرَع في وصف أنواع من النخيل، بادئًا بالأنواع المبكِّرة في نضج الرُّطب: (مِزناجُهُ، بطَّاشُه، ونَغالهُ - هذي أوائلهُ وقنطرَة الأشمْ).

لاقت القصيدة قبولًا بين الناس، وصاروا يترنَّمون بها في المجالس؛ لما تمتاز به من تشبيهات رائعة للنخيل، وحتى وصفه لنخلة «القنطرة» بالأشمْ كان محبوبًا لديهم، وشبَّه الشاعر رطب «الخنيزي» كقلائد الياقوت، أما نخلة «الخلاص» فيا حبذا به، (يا حبذا رُطبَ الخلاص)، وهي العقيلة في النخيل كأنها عذراء تمشي مصحوبة بالوصائف: (فهي العقيلةُ في النخيل كأنها - عذراءُ تخطُرُ في الوصَائفَ والخَدمْ)، أما «المبسلي» فنخلة كريمة لا تُعاب ولا تُذم، تغص بثمره المراكب المبحرة إلى البلدان.

و(«الفرض» سلطانُ النخيل فإنهُ - يَهَبُ الجزيلَ إذا بنا خَطبٌ دَهمْ)، وتمر «البَرني» من خير التمور، و«الهلالي» مشرق من حسن رونقه، أما رطب «الزَّبَد» فطعمه لذيذ وناعم، (وكذلك الزَّبدُ اللذيذُ طعامهُ - متميزٌ بنعُومةٍ تحلو بفمْ)، كنخلة «النغل الهلالي»: (وقرينُه النَّغلُ الهلالي مثلهُ – لكن رونقَهُ يفوقُ إذا ابتسَمْ)، لينتهي الشاعر بنخلة «الخَصاب» التي تخصب القرية لوفرة ثمرها: (وإذا بدا رُطبُ الخَصاب لنا فقد - خَصبتْ مَرابعنا وكانَ الخيرُ عَمْ). لقد قدم النبهاني وصفًا رائقًا لأصناف النخيل اختار منها ما كان معروفًا ومألوفًا بين الناس جامعًا ببيانه الشعري بين الوصف والغزل لخمسة عشر صنفًا من النخيل، فحَفِظَت القصيدة أسماء النخيل العُمانية.

وأقام الأديب سعود بن حمد السالمي (ت: 2020م) محاكمة شعريَّة لنخلتي «الزَّبد» و«النَّغَل»، وأدخل بعضهم نخلة «الخلاص»، لتكون الثالثة في التفضيل، شارك فيها مجموعة من كبار الأدباء والقضاة العُمانيين، كل يبدي رأيه بقصيدة، وكأنها قضية وطنية وصلت إلى المحكمة، ثم يُقدم فيها استئنافين، ويحكم قضاة الاستئناف بين أيهما أفضل: الزَّبد أم النَّغل الهلالي أم الخلاص؟ ولم يغلق ملف القضية بحكم قضاة الاستئناف، بل دخلت دائرة التظلم، وتم الإعلان أن «الخلاص» ألذُّ رَطبًا، وأن «النغل» سيد النخيل، و«الزَّبد» يفوق بلذاذة طعمه، جمعت تلك القصائد التي بلغت 25 قصيدة في ديوان حمل عنوان: «دارس».

Image

وفي جلساتنا مع القاضي الأديب السيد حمد بن سيف البوسعيدي (ت: 1997م) في سنوات التسعينيات كان يحدثنا بنشوة عن هذه مساجلات الشعراء بين الزبد والنغل الهلالي والخلاص؛ فقد حركت المحاكمة القرائح، وألهبت المشاعر، وهذا يؤكد على محبة الشعراء للمساجلات الشعرية، فكيف إذا لامست هواهم الزراعي بوصف نخيل من كرائم الأشجار؟ جامعًا بين الوصف والتغزل بها، لتتحول النخلة في قصيدة الشاعر إلى امرأة حسناء.

ولكن ليس كل النخيل مما يُمْدح؛ فقد ذمَّ الشاعر أحمد بن منصور البوسعيدي (ت: 2023م) نخلة «الخَريفة» في ديوانه «نفحات الرَّبيع»، يقول: (غَرْسُ الخَريفة حقًا يُورث الندَما)؛ لأن ثمرها يسقط على الأرض كالدِّيم: (داءٌ عُضالٌ بها يعتادُها أبدًا - إذا تَهمُّ بيَنعٍ أمطرَتْ دِيما)، ولم تنجح محاولات الشاعر في تجاربه مع تأبيرها: (مضَى من العُمر دهرٌ في تجاربها - على النباتِ فلم أُحسِن لها نُظُما)، ومحاولاته معها بتحسين الرَّي، ويبدو أنه يئس منها، فلا جدوى من إصلاحها حتى لو سُقيت بماء الورد، وغذِّيت بالزعفران: (لو كلُّ يوم بماء الوَرد قد سُقيت - والزَّعفرانُ سمادٌ زادها سقما)؛ لذلك اختار أن يجزرها إلى جذعين، لتكون طعامًا للتنور: (فلا علاج سِوى الجَزارِ يجزرُها - نصفَين يُمسِي بها التنورُ مُضطرِما)!

وقد تكون الموائد ملأى بأنواع من الرُّطب بين أحمر كالعقيق، وأصفر كالذهب، وكُحلِي كالياقوت، لكن ما حيلة الوجدان إن كان مشغولًا بنخلة أخرى نبتت في عرش القلب؟ ستبقى خضراء ما دامت سواقي الرُّوح خصبة بماء المحبَّة.