No Image
عمان الثقافي

تحرير الصورة من الخيال - الواقعية الجديدة.. سينما تسافر عبر الأرواح

30 مايو 2026
30 مايو 2026

عبدالله الحوسني 

«إذًا، ماذا كانت الواقعية الجديدة؟ هل كانت نوعا سينمائيا؟ هل كانت أسلوبا سينمائيا؟ هل كانت مجموعة من القواعد؟ حسنا، أكثر من أي شيء آخر، لقد كانت ردا على لحظة مريعة في التاريخ الإيطالي. كان على الواقعيين الجدد أن ينقلوا للعالم كل ما مرت به بلادهم».

مارتن سكورسيزي Martin Scorsese

يكتب الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو Italo Calvino عن سينما ما بعد الحرب العالمية: «ليس هنالك عالمان، عالم على الشاشة المستنيرة في القاعة المظلمة، وعالم مختلف تماما في الخارج، حيث باتت الشاشة عدسة تكبير تم تثبيتها فوق الحياة اليومية». بهذه المقاربة يُعلن كالفينو عن مرحلة جديدة من السينما، مرحلة تعيد تعريف مساحة الخيال من الواقع، والحلم من اليقظة، والهموم اليومية ورغيف الخبز من الهموم القصوى؛ وهي مرحلة يخترق فيها الخارج جدار السينما ليتسنى للحكاية البسيطة أن تكون لها بكراتها الخاصة، أو كما يصف كالفينو فيلم «المتسكعون I Vitelloni« (1953) لـفيدريكو فيلّيني Federico Fellini بهذه العبارة الشعرية: «إنه الخارج الذي يغزو الشاشة، وظلام القاعة هو الذي يصب في مخروط الضوء». يختصر كاتب السيناريو الإيطالي تشيزاري زافاتيني Cesare Zavattini في بيان «بعض الأفكار حول السينما» تعريفا مقتضبا عن تلك المرحلة، وهو أحد أهم وجوه الواقعية الجديدة؛ إذ يعرفها بأنها: «سرد الحدث كمادة فنية مقتبسة من حقيقة الحياة اليومية» ثم يواصل واصفا الكاميرا في تلك اللحظة التاريخية بأنها تعمل تحت سيطرة «الجوع للواقع».

يعود ظهور مصطلح «الواقعية الجديدة» كما يؤرخ له الناقد الفرنسي أندريه بازان André Bazin في الكتاب الذي جمعه بيرت كاردولوBert Cardullo لمقالاته «أندريه بازان والواقعية الجديدة»، إلى أن الناقد الإيطالي أنطونيو بيترانجيلي Antonio Pietrangeli هو أول من أسس لهذا المصطلح عن فيلم «هَوَسOssessione « (1943) لــلوكينو فيسكونتي Luchino Visconti والحالة السينمائية التي تلته لدى مخرجين آخرين مثل روبيرتو روسيليني Roberto Rossellini في فيلمي «روما، مدينة مفتوحةRome, Open City « (1945)، و«بايزانPaisan « (1946) وفيتوريو دي سيكا Vittorio De Sica في أفلامه «ماسح الأحذيةShoeshine « (1946) و«سارق الدراجة Bicycle Thieves« (1948) و«أومبيرتو د Umberto D.« (1952).

ترتبط بدايات «الواقعية الجديدة» بظروف استثنائية، سياسية واقتصادية وثقافية، حيث سيطرت سلطة الدولة على وسائل الإنتاج السينمائي في أهم البلدان سينمائيًا، الاتحاد السوفييتي والبلدان ذات الأنظمة الفاشية على سبيل المثال، والصناعة التجارية في أمريكا لدى هوليوود، أما في بلدان أخرى كانت تتمتع بقدر أكبر من الحرية في صناعة السينما مثل فرنسا وبريطانيا، فقد كانت منهمكة أكثر في أنواع سينمائية لا زالت متأثرة بالسينما الطليعية والتعبيرية الألمانية. لكن، وفي سياق ما سبق ذكره، فقد تمايزت «الواقعية الجديدة» في إيطاليا بوصفها حالةً سينمائية فريدة، تبتكر تفاصيلها من الحياة اليومية وتتفحص بُعدًا آخر للصورة، وتعيد اكتشاف قيمة الشوارع والأرصفة والجدران، بُعدًا كما يصوره فيسكونتي في «هَوَس»، حيث الحب يغدو استحالة في حياةٍ محكوم عليها بالموت، ومن أدب جريمة يكتبه جيمس م. كين James M. Cain في «ساعي البريد يطرق الباب مرتين» عن شخصية مدفوعة بالهوس إلى صورة واقعية لشخصية ترتكب أفعالها تحت وطأة اليأس واللاجدوى، وحيث صمت الجدران المطبق وخواء الأمكنة ينطقان عن وحدة «أمبيرتو د» أكثر مما يتكلم في فيلم دي سيكا، وكما يُبحر القارب الحزين في فيلم فيسكونتي «الأرض تهتز La Terra Trema« (1948) حاملًا صيادي صقلية للبحث عن أمل قد تجود به شساعة البحر، في صورة شعرية تكسر ملحمية المدرعة بوتمكين في فيلم سيرجي آيزنشتاين Sergei Eisenstein «المدرعة بوتمكين Battleship Potemkin« (1925). لم تقتصر هذه الصور على كسر التفاهة والنمط السائد في السينما الإيطالية، بل تمكنت أيضًا من تطويع الظروف الاجتماعية والاقتصادية؛ بالاكتفاء بالموارد المحدودة، حيث عمل الواقعيون الجدد في المواقع الحقيقية مستخدمين السكان المحليين بالإضافة إلى الممثلين غير المحترفين، وقد ارتجلوا نصوصهم حسب الحاجة في الموقع، ونقلت أفلامهم إحساسًا قويًا بمعاناة المهمشين والمضطهدين.

وهكذا كانت الواقعية الجديدة أولَ سينما بعد الحرب تُحرر صناعة الأفلام من نظام الأستوديوهات. هذه الحالة الجديدة التي أبهرت صناعًا سينمائيين قديرين كأورسون ويلز Orson Welles، وجان لوك غودار Jean-Luc Godard وغيرهم، كما ألهمت مجموعةً من أهم الحركات السينمائية التي تلتها مثل «الموجة الجديدة» في فرنسا، و«سينما نوفو» في البرازيل، وصناع الأفلام الجدد في إيران وتايوان، والسينما المستقلة في أمريكا، ومخرجين كبار مثل ستاجيت راي Satyajit Ray. يقول سكورسيزي في فيلمه التسجيلي «رحلتي إلى إيطاليا My Voyage to Italy« (1999): «أورسون ويلز قال ذات مرة، أنه لم يتمكن إطلاقا أن يصنع مثل ما شعر أن دي سيكا قد صنعه في فيلمه «ماسح الأحذية»، أن تجعل الكاميرا تختفي ببساطة». هكذا تتحرر الصورة، من سلطة الرقابة والنخب ومشقة الابتذال، لتعيد معالجة الثقافة الإيطالية روحيًا، وتفتش عن الأمل المختبئ في وجع الأمة الدفين لسنين، أو كما يصف الناقد الإيطالي أريستاركو غويدو Guido Aristarco هذه التجربة في كتابه التأسيسي «الواقعية الجديدة والنقد السينمائي» بأنها: «تسعى إلى تحقيق تجربة الانقطاع مع ماضٍ على أهبة الاستعداد للعودة إلى دائرة الضوء».

يقول المخرج الألماني فيم فيندرز Wim Wenders: «بتغيير صور العالم، يمكنك تغيير العالم». لقد تفوقت «الواقعية الجديدة» في أن تعبر عن المجتمع الإيطالي فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وأن تقدم نموذجًا يمكن تعميمه على الواقع الأوروبي لطي حقبة كاملة، عن طريق الكشف والمعالجة وتفكيك الواقع. وبرغم أنه يصعب القول إن «الواقعية الجديدة» أسهمت كما حركات سينمائية أخرى فيما يتعلق بالأسلوب كالمونتاج السوفييتي و«الموجة الجديدة» في فرنسا؛ ولكن ليس من المبالغة القول إن «الواقعية الجديدة» تمكنت من اختراق روح السينما وتغييرها، كما يؤكد ذلك سكورسيزي في «رحلتي إلى إيطاليا»: «إذا كان لديك أي شك حول قدرة الأفلام لإحداث التغيير في العالم، والتفاعل مع الحياة، وتحصين الروح، فما عليك سوى دراسة نموذج «الواقعية الجديدة»». وهو ما يؤكده كالفينو أيضًا في مقاله الموسوم بـ«شهادة ذاتية لمشاهد»؛ إذ يكتب: «لا أعلم كم ساهمت السينما الإيطالية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في طريقة نظرنا إلى العالم، لكن لا شك أنها غيرت طريقة مشاهدتنا للسينما». برعت «الواقعية الجديدة» من خلال بساطتها في التسلل إلى روح الصورة، والبساطة التي يصفها بازان بـ«واقعية الأرواح»، والتي لا يتردد غودار عن إبداء إعجابه بها حين يصف خفة روسيليني: «روسيليني أثبت أن كل ما تحتاجه، شخصين في سيارة، وكاميرا». تظهر روح «الواقعية الجديدة» في سعيها لمداواة تثلمات الواقع من خلال معالجات روحية للواقع وللظرف المعاش. يتسرب ذلك الإحساس بصوفية تظهر في أفلام روسيليني وأفلام فيلّيني المبكرة، كما في حوار من فيلم «أوروبا 51/Europe 51» لروسيليني، إنتاج 1952: «الناس في يومنا هذا يفهمون كيف يعيشون في المجتمع (society)، ولكن ليس في المُنْجَمع (community)، روح المجتمع هي القانون، وروح المُنْجَمع هي الحب».

بخلاف أنها قدمت رؤية سينمائية مستقلة، مثلت «الواقعية الجديدة» حالة من التحرر عبر الصورة، في رفضها للرقابة السياسية، وفي خروجها عن الاتجاهات السينمائية التي حظيت باهتمام النخبة، ثم في القفز على حدود السينما كما في حالة فيسكونتي الذي يصفه بازان بأنه فنان إلى حد أطراف أصابعه، يقول جيل دولوز Gilles Deleuze: «إن تاريخ الفلسفة يعمل كسلطة داخل الفلسفة»، يفتح طرح دولوز آفاقًا لفهم ملامح أخرى تعمل كآليات سلطة داخل الفن وداخل السينما، وتضع تخومًا تُقيد مخيلة الفنان الحالم بكل ما هو أبعد، يتجلى ذلك في حديث يكتبه بازان عن فيلم «حِس» لفيسكونتي: «أشعر بإعجاب شديد إزاء فيلم «حِس» لفيسكونتي، التحفظ الوحيد لدي يتعلق بنوعية فيسكونتي بشكل عام، أو لنقل بمزاجه، شيء من الفتور في بهاء النمط، يمنعني من الانفعال العاطفي أسوة بالمشاركة الذهنية». ليس هذا التحفظ الذي يثيره ناقد كبير مثل بازان إلا ميزة أخذت سينما فيسكونتي باتجاه آخر، حيث تمنح واقعيته صورةً أكثر صدقًا وجدية، وتظهر بصورتها الخالصة، التي تضع المشاهد في موقف أخلاقي أكثر وعيا وإدراكًا. في هذه الواقعية يكون إدراك المشاهد أكثر يقظةً وحضورًا من خلال معاينة صورة أبعد من التراجيديا التقليدية إلى الحقيقة الخالصة.

إن هذا النقاء في الصورة الذي يقاوم الإغراءات الدرامية والذي ينأى عن الأدوات والمؤثرات التي تقود المشاهد للوصول إلى عبرة أخلاقية عامة ليست إلا شكلًا من أشكال الوعظ الأخلاقي في أسوأ الأحوال، لكنها تمنح ذهن المشاهد الذي تحدث عنه بازان، الحق في تقرير موقفه الأخلاقي، من خلال صورة موردها الاهتمام بالأشياء نفسها، كما في الحياة. هذه الفرادة التي تميز بها فيسكونتي عن غيره من الواقعيين الجدد والتي منحته اهتماما كبيرا من أهم نقاد «الواقعية الجديدة».

حيث جعل غويدو من فيلم «هَوَس» الفيلم التأسيسي لـ«الواقعية الجديدة»، وفيلمه اللاحق «الأرض تهتز» باعتباره ذروة الواقعية الجديدة ثم فيلمه «حِس» الذي أسس من خلاله غويدو نظريته «الواقعية العظمى» مقتبسًا مفهوم جورج لوكاش György Lukács في الأدب، ومستعينًا بالتحليل الماركسي الذي، وبالمناسبة، يظهر بصورة جلية وبوعي متقدم في أغلب أفلام فيسكونتي. تميزت رؤية فيسكونتي للواقعية بالتزامه الجاد لفهم الظرف أكثر من انخراطه للعمل بقيود قد تفرضها الحالة السينمائية آنذاك. يظهر ذلك بتجاوزه لحدود الواقعية في أفلامه المتأخرة التي تبرز فيها حساسية فنية عالية لا تعمل في قالب فني واحد. كما تُظهر أفلام فيسكونتي اقتلاعا للواقع من الجذور وليس تثبيتا للمشهد الأخير كما يظهره الواقع، كذلك الواقع ليس صورًا يومية يسهل التقاطها، بل تحتاج إلى تفكيك يُظهر وعيًا بالتاريخ والزمان والقدرة على استشراف المستقبل، وهو ما تجلى بشكل كبير في فيلمه الابتكاري «الأرض تهتز» الذي كشف نضجًا مزجَ من خلاله الواقع والفهم الماركسي داخل الصورة، يصف بازان فيسكونتي عن هذا العمل بشديد من الإعجاب: «يصنع ألحانا تهبط إلى الأرض الأكثر واقعية، كما لو كانت مشاهدًا من أوبرا أو قطعة من تراجيديا كلاسيكية».

مع هذا الاحتفاء بـ«الواقعية الجديدة» بوصفها حركة سينمائية طبعت روحها على السينما وحتى على الأدب، «الواقعية السحرية» في أمريكا اللاتينية على سبيل المثال وانعكاسات فيلم «معجزة في ميلان Miracle in Milan» (1951) لـــــــدِي سيكا، وهو مبحث آخر بقي مهملًا، فإن الجدير تبيانه أن مفهوم «الواقعية الجديدة» لا يَختزِل بالضرورة تناول الواقع عبر التوجه إلى الشارع أو التركيز على الطبقات الفقيرة فحسب، وهو اتجاه ظهر عند بعض اليساريين في محاولة فرض صورة واحدة من الواقع تُقيد الصورة شكلا ومضمونا، تتمثل في حياة البروليتاريا والواقع المختزل في صورة الفقر وحياة المهمشين، وهذا الذي دفع الكثيرين للنظر إلى «الواقعية الجديدة» بوصفها حركة يسارية رغم أنها تشكلت في حضور أصوات متعددة التمايز؛ منها ذو طابع ديني كما في سينما روسيليني، وذو طابع أخلاقي في سينما دي سيكا، وطابع صوفي في سينما فيلّيني المبكرة، وآخر يساري تمثل في سينما فيسكونتي. وهي حركة تفوقت بجدارة في القفز على الأنماط السائدة في السينما آنذاك تمثلًا لوصف غودار لتجربة الموجة الجديدة في فرنسا في فيلمه «وداعًا أيتها اللغة Goodbye to Language «(2014)، حيث يقول «ليست تجاربنا، إنما العناد الصامت الذي نواجهها به».

لذلك فإنه من القصور اختزال «الواقعية الجديدة» فيما يخص التقنيات التي أحدثتها (ممثل غير محترف، التصوير في المواقع الحقيقية، إلخ..) والتي لا تكفُّ عنه أغلب البحوث في تناولها «الواقعية الجديدة»، كما تتجاهل بوصفها نهضة سينمائية ذات فلسفة أخلاقية ومعنوية دفعت بصناعة السينما حسب توصيف سكورسيزي، كما يؤكد ذلك زافاتّيني في يومياته: «ينبغي التوصل إلى قناعة أن حديثهم عن السينما الإيطالية بوصفها الأفضل في العالم، يخص القيم الروحانية التي تطرحها، وليس الأمور الأخرى». أما فيما يتعلق بسياق أشكال توصيف الحقيقة والواقع، فإن لويس بونويل Luis Buñuel أحد رموز «السينما السوريالية» يفتح فضاءً للتأمل في قوله: «عاشت الواقعية الجديدة! لكني بحاجة للتصرف مع الآخرين كما تمليه الغريزة، فالخاطرة القبيحة هي الأخرى حقيقية».