الذاكرة الشعبية الفلسطينية.. من جيل إلى جيل
"يا بنيي هيذ بتقول القصة"!
لعلّ عبارة الوالدة رحمها الله كانت أول أساس من أسس الروايات الشفويّة، أكانت فولكلورا شعبيا أو تاريخا اجتماعيا أو سياسيا. أو معارف وخبرات زراعيّة مثلا تناقلتها الأجيال شفاهة؛ فهل كان في لاوعي الأمهات والجدّات أنّه لا بدّ من الالتزام "الحرفيّ" بالحكايات، فالاختلاف المسموح به هو في اختلاف اللهجة، وهذا ما ظهر في "قول يا طير"، لشريف كناعنة، حين قرأنا حكايات بلهجة القدس والجليل..
عرفناه، ومارسناه، قبل المعرفة النظريّة بمصطلح التاريخ الشفويّ “Oral History؛ فمنذ الطفولة تعرضنا لمضمون السلوك الكلامي في الحكايات الشعبيّة؛ فلم تكن "الخراريف" إلا توارثا شفويا للحكايات الفولكلوريّة، والتي ارتبطت بها حكايات الأسر والتجمعات الحضريّة والبدويّة؛ ففي الوقت الذي كانت النساء بشكل خاص، يروين حكاياتهن الشعبية التي حفظنها، فقد كنّ أيضا يروين حكايات الحياة التي شاهدنها أو سمعن بها.
في عام 1994، شاركنا في دورة تدريبية نظريا وعمليا في التاريخ الشفوي، أشرف عليها دكتور عادل يحيى، ود. سونيا نمر. ويعدّ الدكتور عادل يحيى من أبرز الباحثين الفلسطينيين في مجال التاريخ الشفويّ، حيث ركّز على توثيق الذاكرة الفلسطينية (خاصة النكبة) كأداة لمقاومة التشويه وتغطية نقص الأرشيفات. وكان دكتور عادل يرى التاريخ الشفوي زواجاً بين الرواية التقليدية والتوثيق الحديث، وهو محور نشاطه في دراسة التاريخ الفلسطيني الحديث. ثمّ تابعت التواصل معه سواء بقراءة أدبياته المنشورة، أو اللقاء به. كان دكتور عادل مهتما بالموضوع وشغوفا به.
فيما بعد تعرفنا على جهود د. صالح عبد الجواد، في جامعة بيرزيت، في مجال توثيق القرى المدمرّة، ثم فيما بعد تعرفنا على كتاب د. وليد الخالدي "كتاب "كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948"، فتعمّق لدينا أهمية هذا التاريخ غير المكتوب، والأهم ضرورة تدوينه قبل رحيل الشهود، خصوصا مع ازدياد الوعي على أهميّته في إكمال التأريخ أو سدّ الثغرات أو حتى تصويبه، من ناحية، وبيان الدور الشعبيّ ودور فاعلين/ات آخرين أهملهم المؤرخون للأسف من ناحية أخرى.
بعد فترة بدأت بنفسي، فجمعت عن قريتنا المدمرة "سلبيت"، ما أمكنني من معلومات قليلة وجدتها في موسوعة "بلادنا فلسطين لمصطفى مراد الدباغ، وفي الموسوعة الفلسطينية المعروفة، وتعمّق لديّ ما تعلمته عن التاريخ الشفويّ، فرحت أتتبع أهل سلبيت بدءا بالوالدين وأختي الكبيرة التي كانت طفلة عام 1948، وآخرين عاشوا فيها قبل عام 1948، فكتبت عن المكان والمدرسة الصغيرة وعن الزراعة، والآبار المالحة والحلوة، وما كان في ربيع عام 1948، حيث أخبرني والدي عن تلك الأيام، كذلك عن تسلله مع آخرين لقريتنا لأجل إحضار بعض القمح، وكيف أنه تعرّض لنيران المحتلين، فاضطر، وهو ابن المكان الأصلي، للاختباء بمغارة حتى غادر المحتلون، فعاد سالما.
لذلك، من المهم دوما التذكير بأن التاريخ يتضمن التاريخ العام، الوطني والقومي والعالمي، كذلك التاريخ الاجتماعي، وهو مهمّ جدا انتبه له المؤرخون وإن كان بشكل متفاوت، ففلسطينيا تمّ الانتباه له في العقود الخمسة الأخيرة. ذلك التاريخ العائليّ والشخصيّ. ومنه أيضا تاريخ العلوم والأدب والفن.
تقترب مواضيع-حدود التاريخ الشفويّ من التاريخ الرسمي-المكتوب، حيث إنّ الانحياز للمكتوب كان من البدايات، بل انّ المكتوب اكتسب صفة التعظيم والتفضيل مهما كان مستواه ودقته.
وعليه، ففي حالة توثيق التاريخ الشفويّ، ينبغي التذكر بأن يشمل الروايات الشفوية الممكنة التي تتعلّق بكل له علاقة بالأحداث.
ولعلّ الحكايات والأغاني والحرف والأزياء والأطعمة الشعبية تدخل بشكل مهم في التاريخ الشفويّ؛ فقد استقصيت من كبار السنّ مثلا مكونات طبخة "المفلفلة"، طعام الفقراء حتى أواخر الأربعينات، بل رحت أيضا اسألهم عن موعد "المربعنية"، هل تبدأ في 21 كانون الأول أم في 23 أو في بداية كانون الثاني.
من خلال تعلمنا لمهارات التاريخ الشفويّ، نجد أن ثمة علاقة بين الأسس والأدوات والتحديّات؛ كون الأمر يرجع إلى تحريّ الدقة في التسجيل والتوثيق والحيادية، وتوفير تلك المواد لتكون زادا معرفيا من جهة، ولتكون مادة للبحث من جهة أخرى،
إنّ التاريخ الشفوي منهج لتوثيق التاريخ عبر تسجيل مقابلات منظمة مع شهود عيان، يعتمد على أسس توثيقية كالبحث المسبق، والتسجيل الصوتيّ/المرئيّ، وتحليل المحتوى. وتشمل أدواته أجهزة التسجيل، وخطط المقابلة، والاستمارات، بينما تبرز تحدياته في دقة الذاكرة، والموضوعية، وحفظ الأرشيف، ما يجعله مضيئا ليس فقط على الماضي، بل على الآن، كونه يركّز على معلومات حقيقية تخصّ النخبة وليس فقط المهمشين؛ فالتعامل الدقيق مع التاريخ الشفويّ، يقدم لنا جميعا معرفة تاريخية عميقة، من خلالها يمكن إضافة إنتاجات معرفيّة مشوّقة.
تظهر الرواية الأدبية الفلسطينية في عمق السرديّة، بل هي والروايات والقصص والأفلام والمسلسلات الدرامية والمسرح وباقي الفنون، تشكّل معا، الوعاء الأكثر قدرة في توظيف الرواية الشفوية بشكل مشوّق، تماما مع جهود تناول الأدب والفن للتاريخ.
وحتى أضيف شخصيا هنا، بالعودة إلى ما ذكرته من أهمية الانتباه إلى جهود الذين تعاملوا مع التاريخ الشفويّ، فإنني سأجد نفسي، من خلال اشتباكي المعرفي نقديّا مع الأدب والفن، متحدثا عن الرواية الفلسطينية. ولعلي في كتابي "ملامح الرواية الفلسطينية بعد أوسلو"، تناولت بشكل تطبيقيّ لذلك، حيث يصعب تجاوز التاريخ الشفويّ، بشكل عام، خصوصا ما يتعلق بسرديّة وجودنا على هذه الأرض؛ فحينما تناولت في الفصل الأول، الزمن، والسرديات، فهو أمر عاديّ يتعلق بنظرية الرواية، من خلال تضمين التاريخ الشفويّ وتوظيفه فكريا. ومن النماذج التي تناولت فيها توظيف الروائيين للتاريخ الشفويّ بشكل إبداعي:
-العذراء والقرية للروائي أحمد رفيق عوض.
-اليسيرة للروائي صافي صافي. بل مجموع روايات الكاتب التي كان محورها اللجوء.
-الفراشة والأخطبوط للكاتبة والقاصة زينب حبش.
-مجانين بيت لحم للروائي لأسامة العيسة.
-وظل آخر للمدينة للكاتب محمود شقير.
لعل التحدي هنا، هو إلى أي مدى يمكن للروائي أن يوظف التاريخ العام والشفوي بشكل إبداعيّ؟
وستكون فضيلة التفكير في هذا التحديّ، هي في دفع الباحثين والمهتمين في استقصاء التجارب الرواية الفلسطينيّة، بل والعربية التي اتكأت في مفاصل مهمة منها على التاريخ الشفويّ. كذلك الحقول المعرفية الأخرى.
وأختتم بما أشار به قريب في مسجد قريتي الصغيرة بيت دقو في ريف القدس: "شوف يا ابن عمي ما ظل ولا حطة ولا عقال ولا كبر.."، بمعنى انتهاء الجيل القديم، ما ذكرني بنصيحة أحد المهتمين بالذاكرة الفلسطينية حين قال: "استغلوا وجود كبار السن اللي عاصروا النكبة..استغلوا وجود كبار السن اللي عاشوا الحياة التقليدية قبل التكنولوجيا..جمعوا منهم الأمثال والحكايات الشعبية...".
